
جدل المعرفة – محمد السيد جاسم
لاشك، أن المعرفة ومنذ بدء الانفطار الأول، ارتبطت بتأملات وأفكار الإنسان القبلية وأسئلته واستفهاماته الوجودية، والميتافيزيقية وبهذا فهي ارتبطت بطبيعة المدركات للأشياء، والموجودات، والمتغيرات الكونية. وراح العقل الإنساني يجترح أجوبته وهو يسعى للمعرفة، ويحمل طموحاته في إمكانية تجاوز ارتيابه إزاء الموجودات، والتحولات السريعة، في عالمٍ مفتوح على الأسئلة الكبيرة، الأسئلة القلقة، تلك التي لا تجد جواباً، بحكم انفتاحها على المطلق المعرفي في سر الخلق، سر الكينونة الوجودية وهكذا بقيت المعرفة بوصفها موضوعة مفتوحة أبداً على الأسئلة والاستفهامات، وهي تتأصل كثيراً، وتتشعب، وتأخذ مداها في البحث والتداول. وتأتي هنا الأهمية، في أن يجد الباحث مسوغاتٍ جديدة لبحثه إزاء ذلك الجدل العصي وفي موضوعةٍ توزعتها الرؤى والاجتهادات، وتنوعت عبر الحقب واتسعت أمامها الافتراقات وهي بطبيعتها تستوعب كثيراً آراء، ومواقف، ودراسات، ومذاهب فلاسفة، وعلماء، ومفكرون، كانوا قد قدموا اجتهاداتهم ورؤاهم الفكرية والفلسفية وفي إجاباتٍ تباينت وتعارضت كثيراً وعلى مستوى الموضوع، والمنهج، وإشكالاته في التنظير لمصادر المعرفة أولاً تلك التي ابتدأت من التأملي، الحسي إلى العقلي والمجرد وهي بمجموعها محاولاتٍ فكرية تؤكد حدود تناهيها في مثل هذا الأفق المفتوح، واللا متناهي. ارتبطت المعرفة بالتفكر، والتدبر والاعتقاد على مستوى الفرد، الإنسان، والجماعة. فقد عرّفها أفلاطون بأنها الإيمان والاعتقاد المبرر بمعنى، الاعتقاد الذي يمتلك أسبابه ومبرراته تلك المرهونة أبداً بالفكر، وفعاليته في القدرة على التجزئة والتحليل والإضافة والتركيب(1). وهكذا إذا استوعبت المعرفة مفهومها وعبر جميع التعريفات وهي تكاد تنفتح على أسئلة الحياة، والوجود، والأشياء، وذات الإنسان والزمن، منذ سؤالها الأنطلوجي الوجودي الأول، وهي تتمفصل بشتى الاستفهامات وتتجه بقوةٍ نحو أنسنة الوجود وفاعليته لتصبح الأنطلوجيا، هي كل نشاط الإنسان، بل يصبح كل إنسانٍ انطولوجيا بمعرفته كونه جزءاً من الفاعلية الوجودية. وحيث أن المعرفة بدأت على وفق مدركات النظر والتأمل والسؤال الوجودي وبما يخص الموجودات في العالم سواءً أأدركتها الحواس، أم لم تدركها وتلك مهمات المعرفة. ولقد تجلت لنا أن أبحاثاً كبرى في الفلسفات الحديثة اهتمت وركزت، على نظرية المعرفة أكثر من تركيزها على نظرية الوجود وتناولت المعرفة وقدمتها على مفهوم الوجود معللة ذلك بأن فهم المعرفة هو الذي يحدد فهمنا للعالم وللوجود.
قراءة أولى
أن بداية الجدل بوصفه معرفةً ومفهوماً نشأت مع البزوغ الأول للفلسفة اليونانية ذلك في القرن الخامس الميلادي مع الفيلسوف زينون الأيلي كما تؤشر لها مصادر الفلسفات الأولى. هكذا إذا ومع مغايرات وتحولات المعرفة صار الجدل منهجاً نقدياً، مهنياً وتعليمياً لدى السفسطائيين، في حين فهمه أرسطو كونه طريقة استدلال لمقدماتٍ محتملة سميت في ما بعد بمنطق الاحتمال في مفهوم الجدل الأرسطي، ثم أصبح فناً يرتفع بالعقل من المحسوس إلى المعقول وعلماً لتصنيف المفاهيم لدى أفلاطون، فيما صيره سقراط تفكيراً لاستخلاص الحقائق وهكذا إذا أصبح أخيراً وسيلةً للتدريب على التفكير وطريقة لاختبار صدق المبادئ في الفكر. وراح يحمل حديثاً مفهوماً بوصفه علةً راكزةً في انتظام قوانين التطور في مناهج تعليل المعرفة في الماديات وعلوم الاجتماع والاقتصاد والسياسة والتاريخ. وبضوء معايير جدلية، افترقت الفلسفات وتباينت رؤى معرفية كبيرة بشأن الاعتقاد، واليقين. نعم اليقين، الذي راح يتنكر له بعضهم بتعليل أنه لا يقين مع العلم، أو المعرفة وأن اليقين ليست سوى مشاعر نفسية تعتمل في مزاج الإنسان. وتصوراته الحسية وفي وقتٍ متأخر رفض هيوم الاستقراء، لأنه لا يقبل التبرير العقلي، كما عدّ السببية مجرد عادةً ذهنية ناتجة عن اقترانٍ ما، وليس لها حقيقة انطلوجية على مستوى الواقع. كما لم يتقبل فيلسوف انجليزي حديث مثل بوبر* تلك النزوعات الشكية في طروحات هيوم ويستهجن مثل هذه الافتراضات التي سادت فلسفة المعرفة بشأن وجود العالم، ويعّدها فضائح كبيرة وبوبر يؤكد للمعرفة العلمية ويقترب من طروحات كانط في المعرفة المحدودة بحدود عالم الظاهر، وعدم بلوغها الشئ في ذاته، ويعيد يقينه بنظرية المطابقة الأفلاطونية، وحيث يؤمن بأن الخطاب المعرفي على علاقة المطابقة، إذ يجب أن يطابق الوقائع التي يختص بها وببحثها ليكون خطاباً حقيقياً، وبوبر له رؤية شكيّة أيضاً لكنها بحدود وجودها بوصفها اختباراً نقدياً لإدراك محدوديات المعرفة وتجويدها وبضوء ذلك تميز معيار الرؤية لديه في الخطاب المعرفي. أن ما يضعنا أمام تلك الافتراقات ويثير مكامن الفضول المعرفي لدينا هو ذلك التباين في أولويات الرؤية لمصادر المعرفة واعتماداتها الرؤيوية ومديات اليقين وصحة الاعتقاد في تطبيقاتها. لقد دحض كانط بفلسفته الترانسندنتالية المذهب العقلي لديكارت، كما نقد المذهب التجريبي الحسي لدى لوك هيوم، عادّاً أن المعرفة التي تنبثق عن الاتجاه العقلي لا تقوم على محتوياتٍ تجريبية حسية بل هي نتاجٍ منطقي استنباطي، وفي الوقت الذي عدّ العقليون العالم في عصر التنوير منظماً بحسب قوانين، ويمكن لهم معرفة العالم عبر العقل والاستدلال المنطقي، انطلاقاً من افتراضاتٍ ومقدماتٍ صحيحة من دون اللجوء إلى المعطيات الحسية وهذا ما يرفضه كانط وهو يؤسس لتركيبٍ نظري عبر رؤية تجمع بين التجريبي الحسي والمذهب العقلي بغية تجنب الشكوك التجريبية. كما يؤكد كانط أن المعرفة النظرية هي معرفة ما يكون، بينما يرى المعرفة العملية بأنها تصور ما يجب أن يكون كما جاء في كتابه نقد العقل المحض (2).
الاعتراف المعرفي
تتعاقب الرؤى في المعرفة كما ويحيل بعضها إلى بعض مهما تقادمت الأفكار وابتعدت عن مظانها الأولى وهي تتبادل تلك الإحالات ولا يمكننا توخي إعادة فتح ميدانٍ منطقي منغلق على ذاته إلا بواسطة التعاقب وبالفعل كل اغتناءات الفكر الهندسي المعاصر جاءت نتيجة تعاقب يسترجع (3).
واليوم وحيث يطمح الإنسان للخروج على دائرة الوصاية التاريخية التي فرضت على العقل يعود ليؤكد لذاته ولدوره الإنساني، وحيث تبدو الحرية الإنسانية في تأكيد دور الإنسان الحر في مختلف الميادين ويتجلى العقل بسيادته وهيمنته في مختلف جوانب الوجود الاجتماعي والسياسي تجلياً لمبادئ التنوير وقيمه (4). هكذا إذن نقول إنه ليس من الغرابة في شي أن يعترف فلاسفة معاصرون بأن الفلسفة الغربية اليوم ليست سوى سلسلة من حواشي أفلاطون، نعم أفلاطون الذي اجترحت بصيرته أربعة أسس للمعرفة هي الحس، والظن، والاستدلال واليقين. وكان يرى أن الحس يختص بإدراك ظواهر الأشياء والأمور النفسانية. ولا يصلح أن يكون سبيلاً إلى المعرفة الحقيقية، لأنه ينقل، فحسب تعليلات أفلاطون، ينقل لنا الصيرورة والتغير المستمر، ويؤكد أن الظن مرحلة للحكم على المحسوسات المتغيرة استناداً لما تم استنباطه من العلاقة القائمة بينهما، وبعّده مرحلة أرقى من الحس، ومرحلة الاستدلال وهي مرحلة العبور من المحسوس إلى المعقول وهي أرقى من الظن، وأخيراً اليقين، وهي مرحلة إدراك حقائق الأشياء وهي طبعاً لدى أفلاطون كلياتٍ مجردة عن المادة، ومدركاتٍ عليا للمثل. وهكذا أيضاً نرى مدى الاستفادة التي حصل عليها أفلاطون من بارمنيدس، في نظرية المثل، وقد رفض على غراز بارمنيدس تقولات السفسطائيين بأن الحواس هي مصدر معرفة حقائق الأشياء، ودحض رؤيتهم في أن التغيير والحركة هي الطابع العام للوجود.وهكذا يبدو تعاقب الأفكار والرؤى في الفكر العلمي الجدلي في خاصيته الاستقرائية، والمنهجية الجدلية تصبح استكشافية ما أن نفهم ضرورة التعاقب (5) وبما يطور تعاقباتٍ نظرية بوضع المفاهيم داخل إمكانياتٍ واسعة لهذا يبدو أن أفلاطون قد حاور كثيراً وراجع طروحات بارمنيدس وهو يقسم الوجود إلى قسمين الوجود العقلي الحقيقي، والوجود الحسي غير الحقيقي. الأول يعرّف عن طريق العقل، في حين عدّ الثاني يعرف عن طريق الحواس كما قسم المعرفة إلى أربع درجات، منح العقل اثنتين، ومنح للرأي وللإعتقاد اثنتين. نعم هكذا إذن تفحص أفلاطون طروحات بارمنيدس، وهرقليطس، وغيرهما من الفلاسفة المعاصرين له. تفحص وأمعن في طرقٍ كثيرة لإخضاع المحسوس للمعقول، فهو اعتمد رؤية بارمنيدس في الوجود العقلي، وأخذ تغيرات هرقليطس، ورياضيات الفيثاغوريين وعقيدتهم في النفس، وأفكار ديموقريطس، وعناصر ابنادوقليس، وعقل انكساغوراس، فضلاً على روى سقراط، خاصة وأفلاطون يؤمن تماماً بأن الفيلسوف هو وحده من يعرف حقيقة الأشياء من خلال الجدل وهو من عرّف المعرفة بأنها الاعتقاد الصحيح المبرر.
الهوامش:
1 – د محمد الحسيني البهشتي، المعرفة الفطرية، دار الهادي بيروت، 2007 ص42.
) فيلسوف انجليزي نمساوي 1994 – 1902) من أبرز المهتمين في فلسفة العلوم ومناهج البحث العلمي
2 -مانويل كانط، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة مركز الإنماء القومي. بيروت ص52 بلا تاريخ
la valeur lnductive de la relativite, p.178 -3
4-محمد محفوظ، الإسلام والغرب وحوار المستقبل. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء الطبعة الأولى 1998 ص33
5-سعيد بو خليط. المتخيل والعقلانية دراسات في فلسفة باشلار، دار ومكتبة عدنان بغداد 2013 ص.126























