
نبض القلم
جدتي والمحمول – طالب سعدون
لم تعد (لجدتي) تلك العلاقة ( الحكاوية ) مع الطفل كما كانت أيام زمان قبل أن (يغزو) المحمول البيوت .. وهذه أحد (الاثار العرضية) له وربما لا يشعر بها البعض من الكبار لانه أصيب بها هو أيضا .. كان الاطفال يتجمعون حول جدتهم ليسمعوا منها حكايات وقصصا وروايات واساطير فيها معلومات كثيرة عن الحيوانات والطيور والانسان والطبيعة تختلط فيها الحقيقة بالخيال والخرافة .. فيها عبر ومواعظ تشكل دروسا تربوية مبكرة تناسب عقلهم وتنمي فكرهم وتوسع مداركهم في مختلف المجالات وتساعدهم في فهم الحياة والشعور بالامن والامان والالفة والمحبة التي تسود جلسة الجدة (الحكاءة) وتنمية مهارة الحديث والاصغاء وتكون بذاك ( اعدادا تمهيديا) إذا جاز التعبير للتعلم عندما يحين سن دخولهم المدرسة ..
كان الاطفال ينامون على تلك الحكايات التي تفعل فعلها ( المغناطيسي المنوم ) ولها تأثيرها النفسي لانها تدور حول فكرة تشد الطفل في صحوه وربما ترده مرة أخرى في منامه وتستقرفي عقله الباطن وتكبر معه وقد تتحول في يوم ما من حلم الى واقع في التطبيق عندما يكبر ..
تغيرت الحال الان وحل ( المحمول ) محل جدتي وقصص (كان يا ما كان) فلا نوم ولا أحلام .. الاطفال لا ينامون باكرا .. يسهرون مع ( المحمول ) والافلام وأصبح لكل طفل محموله الخاص يشاركه في سريره ويتفقده أكثر مما يتفقد العابه ومقتنياته الاخرى ..
هذا الموضوع بات يشغل الجميع بما في ذلك الدول التي (نعدها متطورة) وصدرت حوله بحوث ودراسات تحذرمن اثاره الضاره على الاطفال من مختلف النواحي .. ففي بريطانيا على سبيل المثال اشارت دراسة الى ان 20 بالمائة من الاطفال بين الثانية والرابعة في انكلترا لديهم (محمول) خاص يستخدمونه في الالعاب ومتابعة مواقع التواصل والافلام والفيدوهات.
وبالتاكيد سيفعل (المحمول) فعله في العقل و(تخزن) مواضيعه فيه كما طبعت قصص جدتي في ذاكرة الاطفال وتستمر مع سني عمرهم ..
وشتان بين الحالتين ..
دراسة اخرى حذرت من اثار هذه الحالة على الاطفال من الناحية العقلية والنفسية لان كل ما يشاهدونه من افلام ومواضيع أخرى تستقر في عقولهم (البلاستيكية ) على حد وصف صحيفة الغارديان .
وبغض النظر عن دقة الارقام من عدمها فان المتخصصين والباحثين في هذا الشان يربطون بين استخدام الهاتف والقلق والارهاق وقلة النوم والاكتئاب ويحذرون الاباء ويدعونهم الى معرفة الوقت المناسب لاستخدام الهاتف من قبل الاطفال .. ولكن من أين للاباء الوقت وهم منشغلون ايضا عن اطفالهم بمحادثات التواصل المختلفة .. وقد حذر باحثون من جامعة (ميتشغن) الامريكية من تأثير ذلك على الاطفال وتوصلوا الى ان هناك ارتباطا بين زيادة انقطاع التواصل بين الاباء والابناء بسبب الانشغال بالهواتف الذكية وزيادة المشاكل السلوكية لدى الاطفال .. اذ اصبح الاطفال اسرع انفعالا واكثر ميلا لفرط النشاط مع تعطل وظائف الامومة والابوه في رعاية الصغار وتوجيههم. على الكبار قبل الصغار أن يعرفوا اضرارالاستخدام المفرط وغير العلمي (للهواتف المحمولة ) .. فهذه الاجهزة – كما يقول متخصصون – أصبحت تشكل مصدرا لامراض خاصة بها ، لم تكن معروفة من قبل مثل حالة الادمان عليها أو ما يطلق عليه الاطباء النفسيون ( النوموفوبيا ) وهو رهاب فقدان الهاتف المحمول أو عدم القدرة على إستخدامه ومن أعراضه أن الشخص المصاب يتصفح جهازه كل 15 دقيقة ويتأكد 150 مرة في اليوم من أنه بجانبه أويضعه تحت وسادته ويتفقده اثناء الاستيقاظ .. الخ من أعراض لو دقننا النظر لوجدنا أن الكثير منا مصاب بها بلا وعي أو إرادة ويمكن أن نعرف ذلك ببساطة من خلال عدد الساعات التي نصرفها على الهاتف النقال بحيث لا نستطيع أن نمضي يوما كاملا بدونه وحالة القلق التي تعتري الشخص عند نفاد الشحن أو عدم وجود شبكة تغطية في المكان ..
مخترع الهاتف المحمول ( النقال ) المهندس الامريكي ( مارتن كوبر ) اختصر الحالة في تحذير له اوضح فيه أن هذه الاجهزة التي إبتكرها باتت تطرح مشكلة وهي أن الناس يمضون الكثير من الوقت في إستخدامها .. ويتساءل .. هل فقد الناس عقولهم ؟!..
الخلاصة :
ان التطور التكنلوجي وخاصة في أجهزة الاتصالات أصبح حقيقة واضحة ليس على الصعيد المادي العملي للانسان بل في الجانب الفكري والمعرفي ودخل في الحياة بكل تفاصليها بشكل لم يترك مجالا للانسان برفضه أو قبوله وإنما فرض عليه حتمية الخيار الواحد ..
وبما أن ( المحمول ) أصبح حقيقة واقعة وضرورة في حياة الطفل والاب والام وكل افراد الاسرة لم يعد الحديث مجديا حول اثاره الجانبية بقدر ما يكون التثقيف حول كيفية استخدامه بصورة صحيحة ومفيدة تحقق الغرض منه وعندها يكون التواصل والتفاعل مع التطور والعصر قد تحقق بصورة صحيحة وتكون ثورة التقنية قد أتت أكلها في التقدم وتحقيق أهدافها في البناء والتنمية وخدمة الانسان بكل مراحله العمرية ومواكبة حركة العالم العلمية والحضارية.
كلام مفيد :
اهتم بمن يهتم بك أما البقية فرد التحية يكفي .. (شكسبير)























