توهجّات إبداعية تصنع من المعادن لوحات مبهرة

حامد روّيد يتعلّم الإصرار والتحدي من والده النقاش

توهجّات إبداعية تصنع من المعادن لوحات مبهرة

رياض عبد الكريم

أن نشاهد رسما لبورتريه مكتمل التشكيل وتشريح الوجه وتكامل اللون ، يبدو امرا طبيعيا ، ولكن ان نشاهد هذا البورتريه منقوشا على الفضه ومعادن اخرى بطريقة الحفر ، فهذا الامر يثير الدهشة والتساؤلات الغريبة لغرابة وتقنية العمل ، والدقة المتناهية في تجسيد الشبه من خلال خطوط الحفر المتعددة الاتجاهات كتعويض عن تونات التدرج اللوني واظهار القيمة المتعاكسة بين الظل والضوء ، وهذا ماجعلني اقف بحيرة امام هذه الابداعات المضنية وانا اشاهد اعمال النقاش المبدع والملهم حامد رويد ، انه اكبر واوسع من نقاش تقليدي محدد باعمال تقليدية ، فهو رسام وخطاط وزخرفي وتقني يحفر كل ذلك على الفضة والمينا وبقية المعادن ، وبأشكال متنوعة المساحات والافكار والموضوعات ، وهو ايضا يقترب من النحت لكنه يختلف بأسلوب العمل ، فالنحات يطرق بأحجام الكتل الكبيرة ، وحامد يحفر حتى كتل المنمنمات ، وهنا نستدل على دقة عمله الذي يستغرق منه وقتا قد يطول ولايقصر ، ولا فرصة على الاطلاق لتصحيح الخطأ ، وهنا تكمن براعته وقدرته بل واصراره على النجاح وتحقيق المخطط له قبل الانجاز .

سألت حامد وهو من الاخوة الصابئيين الاكارم :

لماذا تميزتم وأبدعتم في هذه الصنعة ، قال وهو ينظر الى الاعلى وكأنه يسترجع ذكرياته : هذه المهنة عمرها في العراق اكثر من 150 سنة وتوارثناها عن اجدادنا واباؤنا ، وكانت البداية اعمال بسيطة لكننا كأبناء كنا نراقب العمل ونتعلم وتوارثتها الاجيال ويبدو انها اصبحت وكأنها تقليد عائلي سرعان ما انتشر وعم كل انحاء العراق .

وفي محاضرته التي نظمها ملتقى الصابونجي الثقافي في عمان والذي تديره الفنانة مينا الصابونجي وبأشراف الاكاديمي محمد ثابت البلداوي قال مستعرضا سيرته المهنية : انني درست هندسة النفط ثم درست في اكاديمية الفنون الجميلة بينما كنت اعمل مع والدي ، وقد تعلمت من والدي الذي كان نقاشا ايضا صفتين لازمتني طيلة حياتي هما الاصرار والتحدي ، فعندما بدأت امارس هذا العمل شخصيا بعد وفاة والدي كنت اختار اصعب الاعمال واكثرها دقة واتحدى بعض اصدقاء المهنة عندما يرفضون عمل ما لصعوبته يدفعني التحدي لتنفيذه وغالبا ماكان النجاح يحالفني ويثير استغراب ودهشة الاخرين .

  جهد مضني

انه حقا فنان يمارس التعب وربما متعته تكمن فقط في انجاز العمل بعد جهد مضني لكنه متوهج بروح الابداع وحبه للعمل وكأنه الة انسانية مكرسة لخوض كل تجربة مهما كانت نوعية تفاصيلها ودقتها شرطه الوحيد هو ان لا يستنسخ الاشكال لأنه يرغب ويحب ان يبتكرها ويطبع بصمته عليها .

حينما زرته في مشغله الذي يحتل النصف من منزله في شارع الكاردينز بعمان وجدته منكبا على حفر قطعة فضية صغيرة لم يستطع ان يغادرها للترحاب بي لئلا تتوقف يده عن انسيابية الحركة ويحصل الخطأ ، ورحت اتطلع في اعماله التي ملأت المكان وهي تتناغم فيما بينها جمالا وابداعا .

قال لي مرحبا بعد ان انهى عمله ، مالذي اعجبك من اعمالي المعلقة ، اجبته : كان يفترض ان تسألني مالذي  لم يعجبني من تلك الاعمال ! واسترسلنا في حديث متشعب تنوعت اتجاهاته بين الفكر والثقافة والفنون وتجاربه في العمل الذي بدأ به وهو فتى عندما كان يساعد والده ويتعلم منه ، وخلال حديثه تأكدت من انني امام رجل مثقف في كل مجالات المعرفة ويختزن افكارا ساعدته في اتساع مساحة المعرفة مستلهما منها افكاره المبتكرة والتي تركت اثارها الابداعية في تشكيل التكوينات الجميلة والمبهرة وهو يحفر على المعادن بكل انواعها الفضية والبرونزية والخشبية بل وحتى الزجاجية ، ليقدم نفسه كشخص واحد بكل تلك المؤهلات والمواهب دون ان يكترث لاسمه الشهير حامد رويد ، كونه ينظر الى نجاحه وابداعه في العمل قبل ان ينظر الى اسمه . هو انسان بسيط ومتواضع ، مبدع وصعب مع نفسه وطموحه ، لايريد ولايطمح ان يكون الا من خلال مايقدمه من اعمال ناجحة ومبهرة ومهما كانت احجامها وانواع موادها ، فالزمن عنده مرحلة ما ، والوقت فيه مرحلة ما ، بل كل مافيه هو ان ينتج ويحقق شروطه الصعبة في النجاح .

قبل ان اغادره قلت : اخي حامد لاتدع هذه الاعمال الرائعة والتي تملأ كل جدران المشغل حبيسة هذا المكان ، دع الناس تراها لكي تتأكد من ان ما انجزته كان عظيما وكبيرا في مجال عملك كنقاش وقبل ذلك كفنان كبير ورائد من رواد فن النقش والحفر على المعادن .

صمت للحظة ، ثم اجاب : اوعدك بأنني سأقيم معرضا لكل اعمالي في القريب العاجل.

ودعته ، وفي ذهني انطباع حميم مفاده ، ان الشخصية العراقية لها حضور وامتياز في اي مكان تكون ولها قيمتها ومعناها وتألقها وهي تبدع في العطاء ، ولابد ان يكون للعراق بصمة في كل تفاصيل الابداع ، وهكذا كانت اعمال حامد ، ففيها بصمة العراق وتأريخه واضحة ومشعة.