تغيّر المناخ في تغيّر السياسة – عبد الرضا سلمان حساني

تغيّر المناخ في تغيّر السياسة – عبد الرضا سلمان حساني

في خطابه أمام قادة دول الإتحاد الأوربي في الأول من شهر حزيران  يونيو2017 الماضي ، اعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من إثفاقية  پاريس لتغير المناخ  والدخول في مفاوضات بديلة وجديدة تخدم المصالح الأمريكية في هذا المجال. إن هذا القرار وتحركات أخرى تأتي في إطار سياسة ترامب التي أعلنها في خطاباته  بعد استلامه الرئاسة وهي بالنص ..من الآن فصاعداً، ستكون امريكا أوّلاً.. والتي بدأت تعطي ثمارها ومردوداتها الإقتصادية لصالح امريكا بعد مرور المائة يوم  من الإستلام وما بعدها. إن من يسمع عبارة الخطاب في أميركا أولاً يمكن أن يتساءل عن أولويات الرؤساء السابقين للولايات المتحدة وكأن امريكا لم تكن في سياستهم الخارجية  أولاً!!.

نعود الى موضوع اتفاقية پاريس لتغيّر المناخ ونحاول إيجاز معاني وأبعاد تغير المناخ من وجهة نظر علمية وتاريخية  وانعكاساتها المستقبلية على حياة البشر على سطح كوكب الأرض ومواقف السياسة الأقتصادية للدول. كغيره من مؤتمرات تغيّر المناخ، إنعقد مؤتمر پـــــــــــاريس برعاية منظـــــمة الأمم المتحدة في 12/12/2015 ويحمل الترتيب21    في مؤتمرات  تغيّر المناخ. حضر هذا المؤتمر ممثلون عن  197 من حكومات دول العالم  فمن دول العالم وأقرّت بالإجماع المطلق وضع توجهات جديدة  لإقتصاد عالمي تهدف الى حماية وتحسين حياة البشر على سطح الكوكب. لقدكانت قرارات هذا المؤتمر ناجحة جداً لخدمة أهدافها إذا ماقورنت بتلك التي  أقرّها المؤتمر 15المنعقد في عام 2009 في العاصمة الدنماركية كوپنهاگن والمعروف بأسمها والذي لم يتخذ قرارات حاسمة وملزمة للدول المعنية للإلتزام ووضعها حيز التنفيذ.  وحسب معاهدة پاريس فإن على دول أميركا والصين والهند ودول الإتحاد  الأوربي تقليل نسب انبعاث غاز ثنائي أوكسيد الكربون فيها والذي تبعثه الى الجو من انتاج الطاقة في حرق الفحم الحجري والنفط وغازات توليد الطاقة الأخرى. وبموجب هذه الاتفاقية أيضاً، تقوم الدول الصناعية  الكبرى بتقديم مساعدات بمقدار مئة مليار دولار للدول النامية لبناء مشاريع لانتاج الطاقة الخضراءالجديدة والمتجددة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرها ومتــــابعة ذلك حتى العام 2020   وما بعده  حتى العام 2025  وعلى مدى هذه السنين بالطبع تتوضّح مواقف سياسية وإقتصادية بموجب مايحدث مستقبلاً.

 تغيّر المناخ- خلاصة تاريخية وعلمية:

لقد كانت البداية في الســـويد عام 1896 وعالم الكيمياء الفيزياوية ناڤاستي آرينيوسفيزياوي أصلاً الذي عرض لأول مرة تحليل قياسات عملية واضحة عن  إرتفاع درجة حرارة جو الأرض بسبب إنبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون الى الجو في إطار ظاهرة البيت الزجاجي. قبل ذلك  أُكتشفت هذه الظــــــــــاهرة في عام 1824 من قبل العالم   جوزيف فورير وبعده جرّبها لاول مرة  عملياً جون تندل في عام 1858.  كان آرينيوس أول سويدي يحصل على جائزة نوبل في عام 1903. لم يؤخذ هذا الرأي بمحمل الجد إلاّ بعد اكثر من أربعين عاماً1938 حين نُشر بحث علمي يشير الى إرتفاع درجة حرارة الأرض بالمقارنة مع قيمتها قبل خمسة عقود. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما تلاها في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، لوحظ انخفاض في درجات حرارة الأرض وحتى في الستينات حيث أصبح هناك ظن بأن الأرض قد دخلت عصراً جليدياً جديداً بعد عدد من التفجيرات النووية وغيرها من التي تستفز البيئة!.  وفي منتصف السبعينات وفي مقالة علمية منشورة تأكد عودة درجة حرارة الأرض الى الإرتفاع حتى سجّلت أعلاها خلال مئة عام  وكان ذلك في عام 1988. وفي تلك الأعوام تزايدت  البحوث العلمية في تغيّر المناخ وفي نفس الوقت بدأ الموضوع يدخل في الخطاب السياسي لزعماء ومسؤولين في دول كبرى وأولهم مارغريت ثاتشر رئيسة الوزراء البريطانية في خطاب لها في الثمانينات وكذلك إهتمام نائب الرئيس الأمريكي الخامس والأربعين آل گور في منصبه  للسنوات 1993-2001 أثناءحكم الرئيس بل كلنتون وخطاب وزير الخارجية الأمريكي جـــــــــون كيري في جـــاكارتا إندونيسيا عام 2014.

وعلى مدى نصف قرن من الزمن ظهر من يصدّق أو لايصدّق  أو من يؤمن ولا يؤمن بالنظريات المطروحة وأسباب تغيّر المناخ والإنحباس الحراريالإحترار ودور الإنسان في إلحاق الضرر بالبيئة  من عدمه ونشر آلاف البحوث العلمية وعقد العشرات من الندوات والمؤتمرات العلمية حول الموضوع. ولحد يومنا هذا ماتزال هناك تكهنات في جوانب من الموضوع ونظرياته ولكن الحقيقة المتفق عليها هو أن المناخ متغيّر مع السنين!.

أما السياق العلمي للموضوع فيبدأ بتثبيت الحقيقة المعروفة وهي خضوع سطح الأرض وجوّها لظاهرة البيت الزجاجي المحافظة على معدل درجة حرارة العيش على الأرض تماماً مثلما تكون البيوت الزجاجية بيئة صالحة للزراعة لدفئها نتيجة دخول أشعة الشمس فيها وامتصاص الكمية الأكبر وانعكاس الكمية الأقل من هذه الطاقة الحرارية وخروج الباقي. إن الذي يقوم بدور الزجاج في جو الكرة الأرضية هي مجموعة غازات يطلق عليها غازات البيت الزجاجي وهي موجودة بشكل طبيعي وإنّ حدوث الزيادة فيها  لأي سبب كان هو المشكلة.  ومن هذه الغازات ماهو ناتج عن الطبيعه بالنسب الطبيعية المعروفة والمفيدة مثل ثنائي أوكسيد الكربون والميثان وبخار الماء ومركبات غازية نتروجينية والأوزون. وهناك نفس الغازات من صنع الإنسان  بإستثناء الأوزون وبخار الماء في الجو.  يضاف الى هذه الغازات مركبات كبريت غازية ومركبات كربون-فلور-كلور تنبعث من المصانع وهي مؤثرة جداً في توسيع ثقوب طبقة الأوزون  ضمن طبقة الستراتوسفير كما يحدث فوق القطب الجنوبي للأرض.عند وصول نسبة معينة من طاقة الشمس العالية الى سطح الأرض فإن الجزء الأكبر يمتص أكثر من خمسين بالمائة وينعكس عن سطح الأرض قسم منه نحو جو الأرض فيدهب جزء الى الفضاء مرة أخرى في حين ينحسر مقدار آخر وتبقى طاقته  في هذا الحيز بسبب وجود الغازات التي تتصرف مثل الزجاج في البت الزجاجي.  إن تغير تراكيز هذه الغازات وزيادتها حول الأرض سيزيد في سمك الطبقة المحيطة بالكرة الأرضية وبالتالي زيادة في الطاقة المنحصرة بسبب صعوبة عبور الطاقة المنعكسة وعوتها الى الفضاء  فتزداد درجة حرارة الأرض بسبب زيادة في الطاقة النحصرة في الحيّز. إن النتائج المتوقعة من  ظاهرة الأحترار بعد عدة عقود من السنين  هي ذوبان الثلوج في مساحات كبيرة من قطبي الأرض وزيادة منسوب الماء في البحار والمحيطات وكذلك تمدد الماء في المحيطات نفسها مثلما يغلي الماء في ابريق الشاي وتولّد الفقاعات الهوائية وإزاحة الماء. تشير الحسابات في البحوث العلمية الى زيادة متوقعة بمقدار نصف متر في ارتفـــــــاع منسوب الماء في المحيــــــطات والبحار في العام 2100 عند حدوث  زيادة في درجة حرارة الأرض بمقدار درجتين مئويتين في نفس العام. و إذا ماحدث ذلك فإن عدداً من الجزر ستختفي عن وجه الأرض. واماكن أخرى في العالم ستعيش في جفاف وقحط في العيش بسبب تغيّر النمط الزراعي وقلة الغلّة. ومن المحتمل حدوث فيضانات بشكل دوري بعد العام 2100 إذا ماسلّمنا بحيقة ارتفاع درجة حرارة الأرض للأسباب المفترضة وربما  يحدث تغيّر أنماط العيش لكل المخلوقات ومنها البيئية والصحية.

في حديث للعالم الفيزياوي البريطاني المعروف ستيفن هوكنگ مؤخراً في يوم 2017/7/2 في جامعة كامبرج أثناء الإحتفال بميلاده ال75 قال ان تغيّر المناخ هو من أخطر مانواجهه على سطح الأرض وبالإمكان إنقاذ الأرض من عواقب مستقبلية وخيمة إذا عملنا بشكل فعلي الآن وإن قرار دونالد ترمپ حول مؤتمر پاريس للمناخ سيدد  كوكبنا الجميل بالمخاطر  وحرمان أطفال العالم مستقبلاً من عيش آمن.

 الأمم المتحدة وتغيّر المناخ:

لقد تمخّض إجتماع الأمم المتحدة الخاص بالبيئة والتنمية المنعقد في مدينة ريوديو جانيرو البرازيلية عام 1992 عن تشكيل إطار عمل سمّيَ بإطار عمل إجتماعات تغيّر المناخ التابع للأمم المتحدة وإختصاره باللغة الانگليزية UNFCCC والذي  تقرر أن يبدأ عمله فعلياً في عام 1994 بعد توصيف المقوّمات والواجبات وأسس  عمل هذا التشكيل  وبعد ذلك تجتمع الدول بحضور ممثليها سنوياً. لقد أُطلق على مؤتمرات هذا التشكيل  اسم سي أو پي أي مؤتمر الأطراف المعنية.  وبمرور الأعوام فقد توالت الاجتماعات السنوية والمؤتمرات الخاصة بتغيّر المناخ في هذا الإطار بدءاً بالمؤتمر سي أو پي واحد المنعقد في مدينة برلين الألمانية عام 1995 ومروراً بمؤتمري كوپنهاگن وپاريس المشار إليهما في أعلاه وسي أوپي 22  المنعقد في مدينة مراكش المغربية في شهر تشرين الثاني نوڤمبر من العام الماضي 2016 في حين سينعقد مؤتمر هذا العام 2017 في مدينة بون الألمانية في شهر نوڤمبر أيضاً والذي سيحمل إسم سي أوپي 23.  ولكون الدول التي تحضر هذه الإجتماعات هي من دول قارات العالم فعليها أن تقدّم مانفّذته والتزامها بقرارات كل مؤتمر في فترة عام بين مؤتمرين متتاليين وما تنوي القيام به في العام الذي يليه وخصوصاً التعامل مع غازات اليت الزجاجي وبالذات تقليل انبعاث غاز ثنائي اوكسيد الكربون وحماية مناخ الكوكب الذي نعيش عليه. بالإضافة الى المشاريع الخاصة بإنتاج الطاقة في الدول المتقدمة والنامية والدعم المادي والتكنولوجي الذي تقدّمه الأولى للاّحقة كما جاء في سي أوپي 21 المعروف بإتفاقية پاريس لتغيّر المناخ.

 أميركا وموضوع تغيّر المناخ:

في الإحصائيات المتوفرة لمعدلات انبعاث غاز ثنائي أوكسيد الكربون في عمليات الاحتراق لمصادر إنتاج الطاقة في عام 2015 وهو عام مؤتمر التوقيع على إتفاقية پاريس، تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية البلد الأول في العالم حيث كانت الكمية هي 16 طن متري من هذا الغاز تنبعث لكل فرد ثم تأتي الصين بالمرتبة الثانية بحوالي 8 طن فدول الإتحاد الأوربي7 طن /فرد  وبالمرتبة الرابعة تأتي الهند بحوالي 2 طن لكل فرد.  وعند إدخال  عدد نفوس هذه البلدان تتصبح الصين بالمرتبة الأولى ثم الولايات المتحدة. وعلى لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترمپ فإنه يعتبر الهند الملوّث الأكبر للبيئة وكان هذا الموضوع هو المتصدّر  في مفاوضات رئيس وزراء الهند أثناء  زيارته للولايات المتحدة في أواخر شهر يونيو الماضي2017.

إن أكثر من 5 مليون كيلو طن من هذا الغاز قد إنبعثت من أميركا الى الجو عن إحتراق النفط والفحم الحجري وغازات توليد الطاقة في عام 2015.  أما نسب إنبعاث غازات البيت الزجاجي فتتوزع على القطاعات الاقتصادية الأمريكية العاملة والتي استفادت من هذه الطاقة المنتجة بإحتراق مصادرها في نفس العام 2015 وكما يأتي:

توليد الكهرباء  29   بالمائة

قطّاع النقل  27   بالمائة

قطّاع الصناعة  21   بالمائة

التجارة والسكن  12   بالمائة

قطّاع الزراعة  9   بالمائة

وبموجب معاهدة پاريس،  فيجب على الدول المشاركة ومنها امريكا تقليل إنبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون بنسبة مقبولة وهذا  يعني تقليل إنتاج الطاقة من المصادر المحترقة والمسببة وربما يقود ذلك الى توقف معامل ومصانع عن العمل كما أشارت وسائل الاعلام.وقد أعلن الرئيس ترمپ انسحاب أميركا من معاهدة پاريس مبرراً ذلك بخسارة7 ,2 مليون وظيفة في عام 2025 من جرّاء ذلك بالإضافة الى خسائر إقتصادية في ممتلكات أمريكية. إن التبرير  العلمي لقرار ترمپ هو قناغته بأن درجة حرارة الأرض سترتفع فقط 2 بالعشرة درجة مئوية في نهاية القرن الحالي وهذه الزيادة كما يقول لاتستحق هذه الخسائر الإقتصادية!.وفي مؤتمر الدول العشرين جي-عشرين الذي إنعقد في هامبورغ الألمانية يومي 8  و9  تموز 2017 إستمرّ الموقف الامريكي على حاله وهو الأنسحاب من إتفاقية پاريس مقابل 19  عضو في هذا المؤتمر مع الاستمرار في التنفيذ وظهور مبادرات في إحلال دولة أخرى في الفراغ الذي تركته أميركا وستدير متطلّبات اتفاق پريس ومن المحتمل أن تكون غرنسا.

 المطلوب هنا حالياً:

قبل عدة سنوات أدخلنا مادة دراسية  حول الطاقات الجديدة والمتجددة وتغيّر المناخ بهدف تطوير مناهج  الدراسات العليا للفيزياء بجامعة بغدادكلية العلوم وكنت أنا أوّل من درّس هذه المادة  لأهمية الفيزياء في معظم جوانبها وكذلك عقدنا ندوة خاصة في نفس الإطار حول الطاقات المتجددة وضرورة شيوع البحوث التطبيقية الحقيقية في ميادينها والمتوفرة في العراق مثل الشمس والرياح والنفايات التي تشتريها بعض الدول من دول أخرى لتدويرها في إنتاج الطاقة.أذن مالمطلوب وطنياً لكي نفهم علمياً ونستوعب جوهر وتكنولوجيا تغيٌر المناخ  وتقليل الخسائر التي قد نواجهها في السنوات القادمة.  لابدّ من العمل الآني والفوري لإنقاذ بيئتنا من المزيد من التدهور.

إنّ أول مانحتاج إليه وبنمط فوريوالذي لايحتاج الى تخصيص ميزانية أو صرف أي مبالغ مالية هو:

 1/ حماية الأشجار ومنع قطعها وبتر جذوعها لأنها الوسيلة البيئية الفعّالة والأساسية لإمتصاص غاز ثنائي أوكسيد الكربون وإصدار قانون لحماية الأشجار وخصوصاً في  مؤسسات الولة ومساحات الأراضي التابعة لها.

 2/إضافة مفردات جديدة وإستحداث مناهج جديدة بالموضوع بدءاً بمراحل الدراسة الإبتدائية لأنه الجيل الذي سيعاني من تغيّر المناخ مستقبلاً.

 3/البدء بشكل جدي وسريع بوضع بامج بحثية لمشاريع العلوم والتكنولوجيا الهضراء على ان تتابع تطبيقاتها ميدانياً مقبل باحثين مختصين حقيقيين  ويمكن ان يكونوا من الأكاديميين المتقاعدين بعمل تطوّعي وحسب الرغبة وليس دراسات ورقية للكلام والتصريحات فقط.  4/توسيع بحوث الدراسات العليا في ميادين تغيّر المناخ والطاقات الخضر على أن تتابع إنجازات الباحثين وإدّعاءات الأطاريح والرسائل وكذلك براءات الإختراع الحقيقية في مواقع الإختبار المياني الفعلي وتوثّق من قلل لجان علمية محترفة بدون مجاملات. وهناك الكثير من تفاصيل المجريات العلمية والتكنولوجية التي يستوعبها العلماء والباحثون المختصون الحقيقيّون والذين يعملون بشكل تطوّعي  دون مقابل من أجل مستقبل العراق وبيئة خضراء بعيدة عن المخاطر المتوقعة لتغيّر المناخ.