تضاؤل الساحة الثقافية – خاطرة بين المسافات – احمد ابو ماجن
ان التقدم العالمي لايمكنه البزوغ سدى ما لم يرتكز على ركن مهم من اركان الحركة التطورية المتجددة والمتمثلة بالثقافة كونها اداة مهمة من ادوات السمو والرفعة وماتضيفه للانسان من فهم حقيقي وادراك واع وتخطيط منظم كي يتم استقطاب العقول النيرة واكتشافها من اجل تقدم البلدان وتكون مصدر فخر واعتزاز ومجد تذكره الأجيال كما ان الواقع الثقافي الاوربية مدين لشخصيات كانت ومازالت نافعة في تلك البلدان رغم مرور مئات السنوات على مضيهم لكن ماقدموه من أفكار مازالت قيد التنفيذ لما فيها من وعي شامل يصب في مصلحة تقدم البلدان امثال جان جاك روسو ومؤلفاته التي ساهمت بشكل او بأخر على اشعال الثورة الفرنسية وكذلك الثورة الصناعية البريطانية وكذلك مكسيم غوركي وليو تولستوي وانطوان تيشيخوف وفرويد وفريز وماركس وهيجل وفولتر وغوته وغيرهم من مفكرين وفلاسفة عظام شهد لهم القاصي والداني والعدو والصديقي بقمة النبوغ والفطنة والذكاء، وهذا كله ناجم عن رسوخ مبادئ الثقافة الصحيحة والعقل السليم عندهم
اما ثقافتنا العربية فلا تقل اهمية عن الثقافة الاوربية وخصوصا بعد التحول التاريخي بعد حملة نابليون على مصر وشيوع الكتابة والطباعة والصحافة ودور النشر والبعثات مما ادت هذه العوامل الى قيام النهضة العربية تدريجيا، اما محور كلامي الان فهو يدور في الثقافة العربية الراهنة واخص بالذكر الثقافة العراقية الان مالها وما عليها من تداعيات وبيان نقاط ضعفها ، وهنا لا بد من الإقرار أن ثقافتنا بحاجة إلى معالجات جذرية لحل المعضلات التي تعاني منها، وطرح فلسفة شاملة ذات هدف موحد يرمي إلى الحفاظ على وحدة العراق أرضا وشعبا وتراثا حضاريا متواصلا مع تاريخه المعرفي العريق من خلال بناء مؤسسات ثقافية حرة رصينة يقودها مبدعون حقيقيون يتسمون بوعي يسعى إلى خدمة العراق وثقافته ومنجز شعبه وترصين رقي مجتمعه، فلسفة تضع لها ستراتيجية نبيلة تخلصنا من الإرباك وعوامل القطيعة المستشرية وتضع خطوطها المعرفية موضع التنفيذ جامعةً مثقفي العراق ومبدعيه تحت راية واحدة تسعى إلى بناء مستقبل آمن وحر من أي تبعية كانت، لان الحياة الثقافية تدخل في ميادينه حقول كثيرة ومهمة فهو يشمل الإبداع والإعلام وأنواع المعارف والمستويات الأكاديمية ودور الثقافة واتحاد الأدباء والفنانين والإعلاميين ووسائل النشر دورا ومؤسسات ويشمل النقد والترجمة ومراكز الثقافة والفنون وبيوت الشعر، كما يشمل مقارعة الجهل والأمية والمقررات المدرسية، فكيف ننظر الى الثقافة اليوم ومعدلات القراءة في العراق حسب احصائيات اعلامية والتي تشير الى ضعف حاد في القراءة على مستويات عديدة ونحن نطمح إلى رفع مستوى ذوق الناس، ورفع كفاءة التلقي الانتقاء، ومعالجة معضلة ثنائية (المرسل والمرسل إليه) المتمثلة بالمبدع والمتلقي التي بنت سدا من الإبهام بين الإبداع ومتلقيه مما يشكل خطرا على ثقافة المجتمع برمتها، كونه يعزل الإبداع عن بيئته ويسمه بالاغتراب، كما يجعل الكثير من المتعلمين وحتى المثقفين يقفون عاجزين عن الاندماج في الحراك الثقافي والإبداعي لمجتمعهم، في حين نجدنا وكل الشعوب النامية بحاجة ماسة لوعي يدفعنا إلى الإسهام في التغيير والنقد والبناء والعمل على درء عوامل السلب، وهذه المسؤولية المهمة إنما تقع في معظمها على عاتق الناقد لأنها الجزء المهم من مسؤوليته، كونه الجسر الواصل الفاعل بين الطرفين، وكاشف الحجب عن الإبداع ليقدمه بأرصن السبل للقراء، كل ذلك يحتاج لمؤسسات نقد نوعية عالية الكفاءة، راقية الوعي، واسعة الرؤية، واضحة الهدف، منهمكة بقضية توحيد المجتمع وتنويره وتطويره، كما يحتاج لخطط منهجية تعمل بشمولية على جعل الثقافة قضية وطنية من الدرجة الأولى، وتحرص على تعميم التثقيف بوصفه حقا من حقوق الفرد وواجبا عليه استنادا على المقولة الشهيرة التي رافقت التقدم الإشتراكي وهي (اعطني خبزا ومسرحا، اعطيك شعبا مثقفا)
ولهذا سيظل هذا السؤال قائما حتى تستوفي الثقافة العراقية حقوقها في الوفاء بمتطلباتها الاساسية المادية والمعنوية ؟؟، والجميع يدرك أن الجواب لا ينحصر في كون الثقافة بنية فوقية تفرزها بنى تحتية فاعلة يؤسس لها الاقتصاد وصراعاته الطبقية، لأنها في الحقيقة البنية التي ترتكز عليها كل البنى المهمة في المجتمع كونها في التيارات المجتمعية الصاعدة والهابطة تعمل على تشكيل البنى الأخرى برمتها من خلال تشكيلها عقليات ورؤى الفرد والجماعة، وهذه العقليات بما وعت من تنوير هي التي ستعمل على بناء المستويات الناهضة بشرائح المجتمع، ونظرة متأنية لكل ثورة حقيقية ترينا قادتها – مفكرين وفلاسفة – بمستويات نوعية ورقي ثقافي ووعي وطني سواء في ذهنياتهم ام في تطبيقاتهم العملية النوعية، فمن يقود الثقافة العراقية الآن، وما هي الإمكانيات المتوفرة لهذه الثقافة وقياداتها ونحن نعلم أن الثقافة قوة لا تنهض إلا بدعم مادي متواصل. ووعي قادر على دحض عوامل الفرقة السلبية وتغليب عوامل الايجاب من أجل بناء الإنسان ومؤسساته الحقوقية والمدنية النوعية معا وتقدمه المطلوب ؟
حيث ان العراق اليوم سياسيا واقتصاديا ومجتمعيا يعيش انكسارات هائلة في فقدانه المتطلبات الأساسية للإنسان مقابل هدر ثرواته بظاهرة سوء التخطيط في مفارقة حادة فضلا عن شيوع أنواع الفساد بأنواعه مثل البطالة والرشوة والصفقات الفاسدة والمشاريع الوهمية والانصراف عن الاهتمام بمعالجة أسباب معاناة المواطنين ورفع مستوياتهم المعيشية والصحية والعلمية والمعرفية، مع أن مهمة الثقافة الأصيلة هي العمل على إسعاد الإنسان وحل إشكاليات حياته وتخفيف معاناته، لأنه لا سعادة وسط إشكاليات الحياة الأساسية، فكيف ستمتلك الثقافة امكانياتها. وكيف تتشكل ثقافة مع ضعف في المؤسسة الثقافية وفقر في إمكانياتها المادية وفي نظرياتها المتماسكة وفي توفير قيادات متمكنة من رصد حقوق الثقافة والمبدعين والمثقفين والعمل على الوفاء بها بقدرة على المواجهة والرفض والتصدي، إن ضعف الدعم الذي ترصده الدولة للثقافة، وعدم قدرة وسائل النشر على تلبية حاجة طبع النتاج الابداعي والثقافي ونشره للمبدعين، وعدم كفاية الدوريات الابداعية الثقافية للتواصل الدائم مع الجميع، أمور تخل بالوضع الثقافي وبمستواه المأمول، وتجهز على الثروة الوطنية المعرفية، فضلا عن غياب التخصيصات للاهتمام بالمبدعين وتوفير كل أنواع التأمين لهم صحيا وحياتيا، ورعاية الموهوبين وغياب جوائز الإبداع المهمة التي تعمل على إبراز الإبداع العراقي عربيا وعالميا، كما يغيب الاهتمام بإبداع الشباب وبيوت الشعر والمراكز الثقافية والمهرجانات ولا نجد سلاسل وكتبا دورية توزع بانتظام على مدن العراق كافة وتصل القرى والأرياف لنشر الوعي المطلوب كي لاتكون هذه المناطق بمعزل ثقافي خطير، ولا دعم للورق والمطابع والمؤسسات المعرفية والمؤتمرات المتخصصة، فكيف سيكون حال الثقافة العراقية في مثل هذا الجو الشائب بالعشوائية والذي يفتقر للدعم بأبسط حقوقه المطلوبة، ونحن نهتف بالمطالبة المستمرة من اجل أصلاح هذا الواقع البائس المشؤوم الذي ينم عن مستقبل ضبابي بالنسبة للثقافة العراقي ومهما تعالت الصيحات والهتفات الا انها ستبقى تدور في حلقة ضيقة فلا اذن سمعت، ولا عين رأت !!!























