تشاؤل ليبيا في ظرف دقيق عبد الحسين شعبان مع الاعتذار “لسعيد أبي النحس المتشائل”، وهو عنوان وبطل رواية الكاتب الفلسطيني إميل حبيبي، فإن الوضع في ليبيا لا يزال يتجاذبه الشدّ والحلّ، وتتنازعه عوامل متناقضة بين التراجع والتقدم، وهو الأمر الذي جعل من موضوع إجراء الانتخابات الليبية يخضع لمعيارين متفاوتين، أحدهما يقوم على التفاؤل، والآخر يعتمد على التشاؤم بمستقبل ليبيا، فهل ستستطيع الانتخابات مواجهة الانقسامات الحادة التي تعيشها البلاد منذ سقوط نظام معمر القذافي في العام 2011 أم أنها ستزيد الطين بلّة؟ وهل ستتمكن من مواجهة التحدّيات وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها وإعلاء شأن المواطنة أم إن التشظي المجتمعي، القبائلي والجهوي والمناطقي، والاعتبارات الضيقة والمحدودة، ستبقى مؤثرة وفاعلة، بل ومعطِّلة لاستعادة هيبة الدولة وكيانيتها. الانتخابات قد لا تجلب الاستقرار المنشود ولا تستطيع إنقاذ البلاد من حالة الفوضى التي تشهدها وقد يكون العكس صحيحاً، خصوصاً في ظل معاناة الليبيين اليومية من نقص الكهرباء وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية والفساد المالي والإداري والصراع المسلح بين الإسلاميين المتطرفين والقوى المعارضة لتوجهاتهم، وبين قبائل متناحرة صعدت إلى المشهد السياسي في ظل ضعف الدولة وتفكّك مؤسساتها، خصوصاً باستمرار التفجيرات وأعمال العنف المنفلت من عقاله والاغتيالات واختطاف الدبلوماسيين والهجوم على مقرّات الدولة ومؤسساتها السيادية، الأمر الذي يجعل الكثير من الليبيين يفقدون الأمل. قد تكون الخيبة الليبية في بعض منها عربية، فأوضاع سوريا لا تزال مصارعة على الطريقة الرومانية لا تنتهي إلاّ بوصول أحد الطرفين إلى الموت والثاني إلى حافته بعد إنهاك وإعياء شديدين، والوضع في العراق منذ الاحتلال لا يزال يعاني من التشظي والانقسام والطائفية والتدخّلات الخارجية الإقليمية والدولية، ناهيكم عن الإرهاب والعنف والفساد، وما حصل في الموصل من هيمنة تنظيم “داعش” الإرهابي إلاّ دليل على أن الفوضى والانشطارات المجتمعية الإثنية والمذهبية والجهوية تلك، لا تزال قوية ومؤثرة، وهي تهدّد الوحدة الوطنية العراقية، خصوصاً باندلاع الحرب الأهلية، تلك التي ظلّت تطلّ برأسها بين الفينة والأخرى بسبب سياسات التهميش والإقصاء والعزل وعدم تحقيق المصالحة الوطنية. ولم تنته قصة الإرهاب في مصر على الرغم من إقالة حكومة الرئيس محمد مرسي وإجراء انتخابات ووصول المشير عبد الفتاح السيسي إلى سدّة الرئاسة، لكن خطر الإرهاب وأعمال العنف والصدامات المسلحة وانتهاكات حقوق الإنسان لا يزال قائماً ومؤثراً، وكذلك ضربت موجة الاغتيالات والعنف السياسي تونس بعد التغيير ورحيل الرئيس زين العابدين بن علي، ولكنها استطاعت تدارك الأمر بانسحاب حكومة علي العريض وتشكيل حكومة توافقية بين الترويكا الحاكم ومعارضيه. أما اليمن فعلى الرغم من إنجاز الحوار الوطني وصدور وثيقة مهمة لمخرجاته، فإن آثار العنف لا تزال تغطّي صورة المشهد السياسي على الرغم من المبادرة الخليجية الايجابية التي استطاعت نزع فتيل الأزمة لعامين على الأقل، مع بقاء خطره، إضافة إلى الفوضى المستمرة وتدهور الخدمات بشكل عام، وخصوصاً شحّ الكهرباء والمرافق التعليمية والصحية وغيرها. إن ليبيا وجميع المجتمعات التي جرت فيها عمليات التغيير تنتظر من الثورات المزيد من الخدمات وتحسين أوضاعها المعاشية وتأمين مستلزمات حياة آمنة ومستقرة، وإلاّ لماذا حدث التغيير ودفعت الشعوب ثمنه باهظاً في السابق والحاضر؟ أليس الهدف هو تحسين أوضاعها وضمان أمنها وأمانها؟ صحيح أن حرية التعبير أصبحت كبيرة ودخل الناس عالم السياسة المؤمم سابقاً، وشارك مئات الألوف من البشر، بل ملايين منهم كانوا محرومين منه، ولهذا تعتبر الانتخابات مظهراً جديداً من مظاهر المرحلة السياسية الجديدة، لاختيار المحكومين لمن يمثلونهم، لكن الانتخابات جاءت أحياناً بخيبات ومرارات، كما حصل في مصر والعراق وغيرها على سبيل المثال، وهو الأمر الذي سيكون تهديداً حقيقياً في ليبيا أيضاً، إذا لم يستطع الليبيون اختيار الأحسن والأفضل، خصوصاً بتحسين شروط اللعبة الانتخابية الديمقراطية. إن ليبيا التي يبلغ عدد سكانها 6 ملايين يوجد فيها نحو 16 مليون بندقية، ولهذا فإن شبح العنف سيبقى مخيّماً إن لم تستطع لجمه واحتكار السلاح من جانب الدولة ووضع حد للميليشيات. وهي وإن كانت مواردها السنوية قد بلغت بضع عشرات من المليارات من النفط، لكن شعبها ظلّ يعاني من الفقر بسبب سوء التوزيع وهدر المال العام وتبديده على قضايا الأمن وعبادة الزعامة دون تحقيق تنمية سليمة وحقيقية، وقياساً لمستوى المعيشة في تونس، وهي دولة غير نفطية، فإنه يفوق المستوى المعاشي في ليبيا كثيراً. ومثل ليبيا ففي اليمن وحدها نحو 68 مليون بندقية وعدد سكانها نحو 25 مليون نسمة، وهما بلدان كبيران نسبياً، الأمر الذي يطرح موضوع إعادة بناء الدولة في ظل وجود ميليشيات، واستمرار هذه الميليشيات يُسبب في نشر الفوضى والاضطرابات وتفشي العنف واستشراء ظاهرة الإرهاب. وإذا كانت هناك أوساطاً معينة محبطة من المؤتمر الوطني ومن النتائج التي وصلت إليها البلاد، وتجري محاولات لاستعادة زمام المبادرة من جانب بعض القيادات العسكرية، ولاسيّما اللواء خليفة حبتر، فإن البعض الآخر يعتبر الانتخابات مهمة على صعيد استقرار الوضع الليبي وللخروج من الأزمة السياسية الراهنة والمستعصية، خصوصاً وأن هذه الانتخابات ستؤسس لدستور جديد ستتم صياغته، ويأمل هذا الفريق التخلّص من هيمنة الأخوان والاتجاهات الإسلامية التي عطّلت المؤتمر الوطني سياسياً ودستورياً، حيث دخل في صراعات وتجاذبات زادت من معاناة الشعب الليبي، الذي طالب بإنهاء دوره ووضع حد لمساره ولحالة التشظي التي صاحبته. البرلمان الحالي سيكون مؤقتاً لقيادة المرحلة الجديدة وتأتي بعدها انتخابات الرئاسة، وتقوم لجنة صياغة الدستور المشكّلة أصلاً في عهد المؤتمر الوطني بعملها على أمل في إقرار دستور جديد للبلاد، حيث يتجاذب اتجاهان: الأول يدعو إلى الفيدرالية أو الأقاليم، وهو امتداد لدولة ليبيا قبل العام 1951(دولة مركّبة اتحادية ) أي ثلاثة أقاليم هي: فزان وبرقة وطرابلس الغرب، والثاني يدعو إلى إقامة دولة أقرب إلى دولة بسيطة مركزية، مع مراعاة خصوصيات الأقاليم، وإن الرئيس سيتم انتخابه قبل إقرار الدستور الذي يحتاج إلى عدّة شهور للانتهاء منه. وتأتي الانتخابات الليبية البرلمانية في ظرف دقيق وحساس للغاية حيث تتميّز الأوضاع الأمنية بالتدهور والأوضاع السياسية بالانقسام والأوضاع الاقتصادية والمعاشية بالانحدار، إضافة إلى شــــــــحّ الخدمات واستمرار ظاهرة الارهاب والعنف على نحو لم يسبق له مثيل. ولا شكّ أن هذا في جزء منه من مخلّفات التدخل العسكري لحلف الناتو الذي أنزل خسائر كبيرة بالدولة ومؤسساتها، وخصوصاً قصف مناطق غير عسكرية ومرافق حيوية واقتصادية، وغير ذلك، وفي جزء آخر منه في موروثات الحكم الشمولي الاستبدادي الذي دام42 عاماً، حيث كان الزعيم القذافي فوق الدولة وفوق القانون وفوق الشعب ، وهو الأمر الذي يثير اليوم قلقاً أوربياً إزاء التدهور في الوضع الأمني والسياسي، ولاسيّما أعمال العنف والإرهاب، ناهيكم عن تدفق اللاجئين ووصولهم إلى أوربا بحراً وغرق الكثير منهم، فضلاً عن القلق من انتقال الارهاب إلى الضفة الأخرى من البحر المتوسط. إن الانتخابات الليبية الحالية هي ثاني انتخابات تشهدها البلاد منذ الإطاحة بحكم القذافي، حيث سيحلّ البرلمان القادم محل المؤتمر الوطني، الذي يعتبر قسم غير قليل من الليبيين، أنه فشل وهو يتحمل مسؤولية تدهور الأوضاع، وسيمارس مجلس النواب عمله سنة ونصف (18 شهراً)، ويتنافس في الانتخابات الحالية 1628 مرشحاً بينهم 131 سيّدة على 200 مقعداً خصص للنساء 32 منها، وقد قاطعها الأمازيغيون.


















