تسليح الجيش العراقي .. مواقف متضاربة ودعوات مشبوهة

تسليح الجيش العراقي .. مواقف متضاربة ودعوات مشبوهة

عماد علو

 لايزال العراق بدون غطاء جوي وطني فعال منذ الانسحاب الامريكي من العراق في نهاية عام 2011، في وقت لاتزال الولايات المتحدة تتلكأ وتماطل في تسليم تسليم العراق طائرات الـF16  التي تعاقد عليها مع الولايات المتحدة . ومع زيارة رئيس الوزراء العراقي الى الولايات المتحدة الامريكية مطلع شهر تشرين الثاني نوفمبر 2013 ، طرح من جديد ملف التسلح العراقي على طاولة المزايدات السياسية في العراق . حيث دعت قسم من القوى والاحزاب السياسية الى مطالبة واشنطن بدعم ملف التسليح وتزويد الجيش العراقي بالأسلحة المتطورة لمواجهة تهديد الارهاب المتصاعد في الداخل العراقي ، في حين عارضت احزاب وقوى اخرى تسليح الجيش العراقي ودعمه بالأسلحة المتطورة ، بل أن البعض طالب بتجميد ميزانية التسلح لوزارتي الدفاع والداخلية وهذا الامر ليس بالشيء الجديد أو الغريب عن سياق موقف العديد من القوى والاحزاب السياسية المشتركة في العملية السياسية التي استقبلت بارتياح  قرار حل الجيش العراقي الذي اصدره بريمر في مايو / ايار 2003(أنظر ، بول بريمر ،عام قضيته في العراق ، ترجمة عمر الايوبي ، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان 2006 ، ص62)،  فبعض الأحزاب الحاكمة رأت في الجيش تهديدا جدّيا لسلطتها وتطلعاتها وأهدافها البعيدة الأمد( انظر ، وفيق السامرائي ، هل خضع بريمر للكرد وحل الجيش العراقي؟ ، جريدة الشرق الاوسط ـ العدد 11130  ، بتاريخ 19 مايو 2009 ). في حين رأتها أحزاب وقوى سياسية أخرى فرصة للحصول على منافع شخصية من وراء عقود تسليح الجيش العراقي الجديد، فتداخلت الاعتبارات السياسية مع شبهات التربح والفساد التي اتسمت بها عقود وصفقات تسليح الجيش العراقي الجديد .

 موقف الاحزاب الكردية

      من جهتها رأت الاحزاب الكردية أيضا” أن قرار بريمر بحل الجيش العراقي خدمة لتوجهاتها وتطلعاتها، لمعطيات واضحة تتعلق بتوازن القوى المحلية . فالدولة القوية مرفوضة كرديا إذا تقاطعت سلبا مع تطلعاتهم المرحلية(انظر ، وفيق السامرائي ، المرجع السابق نفسه ).. ولقد واجهت عملية تسلح الجيش العراقي الجديد بالأسلحة الثقيلة والجوية خلال السنوات الماضية اعتراضات من جانب بعض القوى السياسية الكردية المشاركة في الحكومة ، حيث طالبت حكومة اقليم كردستان بشكل متكرر ان تكون لها “رقابة” على مشتريات الاسلحة ! ويعزو الأكراد حسب تصريحات جبار ياور أمين عام وزارة البيشمركة رفضهم تسليح الجيش إلى “فداحة ما عانى منه الشعب العراقي كافة على يد الجيش في الماضي”. وفي مقابلة مع صحيفة لوس انجلوس قال د. برهم صالح الرئيس السابق لحكومة اقليم كردستان : “من حق الشعب الكردي ان يقلق بشأن الانباء التي تحدثت عن امتلاك الجيش العراقي اسلحة ثقيلة”. وأضاف قائلا” ان “هذا القلق لا ينحصر بالأكراد. فهــــــــناك قطاعات معينة من العـــــراقيين تتخوف من ان يُستَـــخدمْ الجيش العراقي كوســــيلة للاضــــــــــطهاد كما حدث في الماضي”( منـــــــــشور على الرابط  www.shatnews.com/index.php?show=news&action=arftical&id))   . وهذا الموقف الكردي من تسلح الجيش الجديد أكده وزير الثقافة في حكومة اقليم كردستان العراق فلك الدين كإكائي في حديث لوكالة الانباء الكويتية (كونا KUNA) بتاريخ 9/9/2008 مبررا” هذا التخوف بعدم تخويل الحكومة العراقية من القوى والاحزاب السياسية العراقية بالاتفاق على هذه الصفقات الضخمة (فلك الدين كاكائي ، حديث لوكالة الانباء الكويتية (كونا) بتاريخ 9/9/2008، نشرته ايضا” ،مجلة روديم (Rûdêm) موقع الرسمي لحكومة اقليم كـــــردستان ـ العدد 11130  ، بتاريخ 10/9/2008 ، (srv1.krg.org/articles/detail.asp?lngnr=14&smap=01010100 ) . وكان السياسي الكردي محمود عثمان قد وجه انتقادات عديدة عبرت عن اعتراض القوى الكردية على تسليح الجيش العراقي الجديد بحجة عدم عرض مثل هذه الصفقات على القوى السياسية المشاركة في الحكومة(منشور على الرابط الالكتروني www.radiodijla.com/forums/archive//index.php/t-14931-p4.html))  .

موقف الاحزاب العراقية الأخرى

     لقد أكد ساسة عراقيون مراراً وتكراراً ان ما يسمى بـ (مخاوف) الاكراد من تسليح الجيش العراقي الجديد، غير مبررة على الاطلاق، لأنهم يشاركون الحكومة المركزية بكل قراراتها التشريعية والتنفيذية فهم أعضاء في مجلس النواب ويقودون رئاسة أركان الجيش وقيادة القوة الجوية والاستخبارات وأعضاء في لجنة الأمن والدفاع وكل المفاصل الأخرى في الدولة العراقية .

 وأن ذهاب القادة الأكراد للمطالبة بضمانات من الدول المصدرة للسلاح يأتي اتساقا” مع تقليد نفذته دول غربية مثل الولايات المتحدة من ناحية صفقات تسليح عقدتها مع دول خليجية عدة بأن لا تنشر مثل هذه الأسلحة في مجابهة “إسرائيل” .

 لذلك فان العديد من الساسة العراقيين ، يعتقدون أن هذا الموقف الكردي ، بـ “عدم تجهيز الجيش العراقي بالأسلحة والامكانيات ووصوله الى مرحلة الاعتماد على الذات يعني بقاء النفوذ الامريكي الى أطول فترة ممكنة في العراق والمطلب الكردي يصب في هذا الاتجاه ( انظر الإرادات السياسية وملفات الفساد تعيق تسليح القوات العراقية المسلحة، جريدة الشـــــــرق الاوسط ، العدد 11959  ، 26 اغسطس 2011  ؛

www.al-seyassah.com/AtrivleView/tabid/59/smid/…/Default.aspx

كذلك www.newsabah.com/ar/1238/1).  الا أن نفس الاحزاب والقوى السياسية التي تنتقد موقف الاحزاب الكردية من تسليح الجيش العراقي ايدت الغاء صفقة شراء طائرات (F-16) الاميركية واحالة مبلغ(900) مليون دولار كانت مخصصة في ميزانية العام 2011، الى تخصيصات دعم البطاقة التموينية وشبكة الحماية الاجتماعية (انظر الرابط،  alsabaah.com/Articleshow.aspx?id=4778))  على الرغم من أن العراق لا يملك أي غطاء جوي وطني يعتمد عليه في اعقاب الانسحاب الامريكي نهاية عام 2011.

       هذا من جهة ومن جهة أخرى تسعى القوى والاحزاب المشتركة في العملية السياسية دائما” للإعراب عن عدم ثقتها بالضباط العراقيين من ذوي الرتب الكبيرة والخبرة ، مشككين بولاء هؤلاء الضباط للنظام السياسي الحالي ومستخدمين ما يسمى بقانون (المسائلة والعدالة) لإقصائهم خارج المؤسسة العسكرية الحالية الأمر الذي يضعف تلك المؤسسة من خلال دفع قادتها للشعور بالتوجس والقلق من تعرضهم للإقصاء وربما بوضعهم في موقف الاتهام في بعض الاحيان فبتاريخ 25 شباط / فبراير 2010، أعلنت هيئة المساءلة والعدالة اجتثاث ثلاثمئة وستة وسبعين ضابطا كبيراً في الجيش والشرطة ، بينهم عشرون قائداً رفيع المستوى، بالإضافة الى مدير الاستخبارات العسكرية،( انظر الرابط، www.albaghdadia.com/n/iraq-polotics/14045346.html ؛ والرابط www.alrafidayn.com/2009-05../10731-2010-03-0309-11-19)  .

خلاصة

     ان ارتباك وتجاذبات وأزمة ما يسمى بـ(العملية السياسية) الجارية في العراق ، وعمل عناصر ورموز هذه العملية ضد بعضها البعض، أو على الأقل بتجاهل متبادل ، امر يثير العديد من المخاوف من تأثير الانتماءات الحزبية السياسية والطائفية العِرقية على ولاء المؤسسة العسكرية وبالتالي على مهنيتها وكفاءة أدائها.

 وربما يرى قادة ورموز العملية السياسية في العراق ، أن تسييس إدارة القوات المسلحة العراقية ، هي استراتيجية فعالة للحفاظ على وضعهم الشخصي والحزبي، وفي الوقت نفسه وقاية أنفسهم من أية انقلابات عسكرية محتملة، غير أن هذا الأسلوب يُعرِّضهم هم وكذلك تماسك العراق نفســـه إلى الخطر.

 لذلك، يبقى تسييس قدرات الجيش تحدياً تنموياً جوهرياً في قطاع الأمن الوطني العراقي الامر الذي يتطلب اهتماماً متواصلاً لضمان ولاء القوات العسكرية والامنية للمؤسسات التي تخدمها وليس للأفراد أو الأحزاب السياسية أو الهويات العرقية والمذهبية .