
ترميز الفضاءات المفتوحة
حراكية التكوين الجمالي بغصن يزقزق في رماد
حامد عبد الحسين حميدي
تشكّل الطبيعة بما تحمله من ترميز دالّ على فضاءات مفتوحة ، لهذا الأفق والعالم الخارجي المتفجّر كونه يثير فينا ثقافة التحريض على تشغيل حواس الانسان في الرصد .. لذا نجد أن أكثر الشعراء يحاولون ان يجعلوا من هذا التكوين الجمالي منظومة حراكية فاعلة ، بسبب دوافع نفسية تحيلنا الى المحاكاة والاتكاء على ما تعتمل به الذات الحالمة ..
( غصن يزقزق في رماد ) (1) فمن الرماد / بقعة التمركز لنهاية الاشياء وفنائها ، ينبت الامل والتفاؤل والشعور بالحياة التي تشكلت بتركيب سريالي ( غصن يزقزق ) ، فالنهايات قد تكون مصدر انبعاث التجدّد ، ومحاولة الخروج من ثيمة اللون ( الرمادي ) الذي يوحي الينا بالحزن والرتابة والغموض والمأساة ، هذا اللون ناتج عن دمج لونين متناقضين ( الأبيض والأسود ) ، استخدم الشاعر الفعل ( يزقزق ) ، ( يفعلل ) لما له من ايحائية متموسقة ، تتناسب والصورة التي تنطبع في مخليتنا ، ونحن نحاول ان نراها من منظور الشاعر ذاته .
الشاعر ثامر سعيد (2) .. بمجموعته هذه ، يفعّل التكوين الجمالي من خلال رصده المكثف في قصائده ، لتتحوّل حواسه الى كامرا التقاطية ، تستقطب كل ما هو مثير بمتناقضات الحياة والمكون الفعلي في الطبيعة . علّ ذلك ناتج عن بيئته البصرية المكتظة بالطبيعة الحالمة وموقعها الجغرافي ، يقول بيكار : ” ومصادر انفعال الفنان او محاورة الهامه ثلاثة ( الطبيعة .. والحياة … والنفس ) ” ( 3 )
لقد تعامل الشاعر ( ثامر سعيد ) مع مفردات وتراكيب الطبيعة ضمن مسارين هما : أولاً / المسار الطبيعي في اشاعة الجمال والانبهار به والوقوف أمامه وكيفية اشاعة روح الوصف ، حتى لو كان ذلك الوصف رؤية لأماكن اثرية قديمة ، اثارت لديه لغة التحديث ، والمسار الثاني / الذي جعل من مفردات وتراكيب الطبيعة ترميزات وشفرات ايحائية ذات فكرة تحريضية على مواجهة الظلم والقهر والاستعباد ومحاولة الخروج من شرنقة الضيق الى الحرية التي نحاول ان نمسكها لكن دون جدوى ، وقد بثّها في متون بعض قصائده بهدوء وسلاسة بلا ضجيج .
في ( الحالمون ) ص 9 ? نجد توظيفاً للمظاهر الطبيعية ورموزها ، حيث يكشف الشاعر عن صور متعددة ، ومشاهدات التداخل ما بين الماضي والحاضر على وفق رؤية متفاعلة ، فهو يوثّق ما يراه : ( المبحرون ، جنائن دلمون ، اعقلة مقصية ، البحر ، بالموج من ليل ، دكاكينهم بلا اقفال ، قبور اسلافهم ، وردة بيضاء ، حفلة المرجان ، إله المياه ، القلعة القديمة ، نخل غريب ، فصار النهر سفائنهم ، اختام صناديقهم ودراهم ، وزهور ذابلة ، يحلمون بالمطر ، دفاتري الفصول ) .
أنبت الحالمون شاعراً …
قوّض أحلامهم ! (4)
لاحظ كيف تعامل مع شاعريته المنتجة من خلال استخدامه – لهذا المقطع الومضي المكثف – لتركيب ( أنبت الحالمون ) ، وكأنما الشعر والشاعر هما نتيجة انبات متكوّنة بتدخلات مخيلاتية ، فالحالم / الفاعل الذي يحاول استجلاب الصورة الكمالية للشاعر ، وبحدثٍ باطني تمّت الاستثارة الحسيّة كونها تدور حول النفس دائماً وتداعياتها .. فالأحلام أمنيات مكبوتة لا نستطيع أحياناً اظهارها للآخرين ، لذا يكون النوم حقلاً خصباً لتفريغ الشحنات .
فراشاتٌ هي :
يكفي أن تضيء لها قلبك
كي تصبح قصائد . (5)
يحاول الشاعر ان يعطينا تحولات تقنية تنتهي بوحدة موصّلة فـ ( الكلمات / فراشات تتحول الى قصائد بحسب إضاءة القلب ) ، هذه المتساويات النسقية ذات المساحات الحسيّة التي تثير فينا صبغة وجمالية خاصّة ، كونها انبثاقات جاءت ضمن تداعيات غير مشوشة ، فهو يقابل الكلمات والقصائد ( الادراك الكتابي ) بالفراشات وإضاءة القلب ( الادراك الجمالي ) المحسوس وضمن صيغة الغائب .
لم يكن سوى بلبل
في صدره التغريد
يكفي لتهذيب قبيلة من قرود
لم يؤذ نملة
وما ارتدى غير ريشه
الذي لا يعلم الشيطان ما يخفي
تحته من مذابح
تكفيه من الورد نفخة 4
ومن البحر موجة وحيدة
وعشبة من أرضه السواد
ليحرق السماء غناء . (6)
لم تك المفردات المبثوثة في هذا النص تحمل صورة المكوّن للطبيعة ، بل كانت اشارات وترميزات لأبعاد أخرى ، يحاول الشاعر من خلالها أن يؤكد على ضرورة التكثيف عليها : فـ ( البلبل ) ترميز الحرية التي نحاول من خلال حياتنا اليومية أن نصل اليها بشتى الطرائق والوسائل ، لكن دون جدوى فهي اصبحت ضمن ابعاد اشبه بسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ، ( في صدره التغريد ) دلالة قاطعة على حبس وكتم الشعور الذاتي الذي يزدحم فينا عندما نفقد محصلة ما نروم الوصول اليه ، ( الورد / البحر / موجة / عشبة ) مهيمنات لكنها خرجت عن معناها الذي وضعت من اجله الى التحرّر والانفتاح والعمق الاتصالي ، لنجد الشاعر في المقطع ( ليحرق السماء غناءً ) يوقد انفجار التأزم النفسي الذي يتولّد نتيجة الكبت والقسوة والحرمان ، ليكون الفعل ( ليحرق ) محفّزاً للطاقة الانفجارية ، التي تتسع في الفضاء لكن بلا دخان ، وإنما غناء / ردّة فعل طبيعية .
كل ليلة يقلّب
في غرفته الرطبة
قلبه ..
فلم يجد
سوى وردة ذابلة . (7)
هذا المقطع ومضي .. التركيب ( في غرفته الرطبة ) فيه بؤس وشقاء ووجع ، وهشاشة وذبول المكانية التي استطاع الشاعر ( سعيد ) ان ينقلنا اليها ويؤكدها لنا ، حيث حمّل هذا المكان توالدات رائحة العفن بحيث يجعل القارئ يشعر بشعور النصّ وحمولته ، هنا .. نعيد القراءة في ( لم يجد سوى وردة ذابلة ) ، الحضور الدالّ على الاحالة النصية التي تشكل لنا حالة هبوط ( وردة ذابلة ) ، وهي وحدة اتصالية لما سبقها ، مما أدى الى انعدام التفاؤل والأمل .
فخزائني مشاعة للندامى
والعصافير
ايها القرد ..
ما عاف غصنا حتى راوغ آخر
كي يتعلق به
أنا لست أنت
السماء ذراعاي وجناحاي غيمتان
بين الضباع تراتيلك والغربان
ايها الملعون من عشب الحقيقة
ومن زهرة الاحلام … (8)
( العصافير / القرد / غصنا / السماء / غيمتان / الضباع / الغربان / عشب ) التي دارت في رحى ( أنا لست أنت ) التي اشاعت الرفض والأنانية ما بين المتكلم والمخاطب ، ونفي الاخر ، فـ ( العصافير ، غصنا ، السماء ، غيمتان ، عشب ) فيها روح الطبيعة الحرّة التي تضمنت خطابية للآخر ( القرد ، الضباع ، الغربان ) الوجه المقيت / الملعون الذي يحاول الشاعر ( ثامر سعيد ) أن لا يجاريه ، أو يحابيه على حسابات ذاتية .
وفي الطريق الى قلعة سانكو :
أفعى الجبال
ثمة خطأ في الخيمياء :
تغيّر الوانها الينابيع
على وفق امزجة الصخر
فتبعثرك بين التشابيه والاستعارات
المسالك والكهوف
فلا تطاوعك القصيدة . (9)
هنا تسجيلية لمكانية ( رامسر ) مدينة سياحية في شمال ايران ، التي تركت انطباعاً لدى ( سعيد ) وهو يرى تلك التحولات والتغييرات في جمال التكوين الطبيعي لما حوله ، لذا كانت صيغ الجمع التي مال الى استخدامها ( الجبال / الوان الينابيع ، أمزجة الصخر ، التشابيه والاستعارات ، المسالك والكهوف ) ، حاضرة وضمن تداعيات النفس التي افرغت ما فيها من انفتاح رؤيوي ، التي جاءت وحسب رأيه ( ثمة خطأ في الخيمياء ) ، والخيمياء ترتبط بعلوم الكيمياء والفيزياء وعلم الرموز والمعادن والطب ، وتلجأ الخيمياء إلى الرؤية الوجدانية في تعليل الظواهر ، وكثيراً ما لجأ الخيميائيون إلى تفسير الظواهر الطبيعية غير المعروفة لديهم على أنها ظواهر خارقة ، وترتبط بالسّحر وبما يسمى بعلم الصنعة.
سأطاردك بالريح والأسئلة
حتى تصبح غصناً عارياً … (10)
بهذه الصورة ، استطاع الشاعر ( ثامر سعيد ) وبما يمتلكه من أدوات لغوية رصينة أن يجسّد ( الخريف ) وهو مطارد من قوى ضاغطة ، تحيله الى التجرّد والتخلّي عن الحضور على الرغم من أن الخريف ، بوصفه فصلاً مراوغاً ، لا وضوح فيه ، لم يستطع من مواجهة قوة ( الريح ) الدالة على الحركية المتمردة / المتغيّرة ضمن تداعيات الاسئلة التي لها أثر كبير في اسقاطات الرهانات .
هوامش
(1) غصن يزقزق من رماد : ثامر سعيد . دار وراقون للنشر والتوزيع ، العراق ،البصرة / الطبعة الاولى 2016 .
(2) ثامر سعيد : شاعر وكاتب تولد البصرة 1962 ? عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق ، عضو اتحاد الادباء العرب ، عضو في عدد من الروابط والتجمعات الادبية ، عمل في الصحافة ، صدر له : حدثني الملك الضليل . شعر 2001 ? بداية البنفسج البعيد. 2007 ? سياج الجهنميات الطويل . سيرة مكان 2011 ? أرض الله الغليظة . شعر 2013 ? غصن يزقزق في رماد . شعر 2016 ? ومجموعات شعرية مشتركة ، ومخطوطات شعرية وسردية لم تطبع .
(3) ص 165. النقد والتذوق الجمالي / النظرية والتطبيق . د. حسن يوسف طه . دار بيت الياسمين ، مصر
(4) ص 11 . الحالمون
(5) ص 14 . الكلمات
(6) ص 20 – 21 . ما ارتدى غير ريشه .
(7) ص 22 . بائع الورد .
(8) ص 23- 24 . أنا لست أنت .
(9) ص 26 – 27 . رامسر
(10) ص 31 . الخريف























