تحية لثورة الرابع عشر من تموز المجيدة – حسن عاتي الطائي

تحية لثورة الرابع عشر من تموز المجيدة – حسن عاتي الطائي

من اغرب ما قرأته عن ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 التي يحتفل شعبنا العراقي العظيم بذكراها التاسعة والخمسين انها كانت مجرد انقلاب عسكري اطاح بالدستورية الشرعية التي كانت قائمة قبل الثورة ..فهل حقا ان النظام السياسي الذي كان قائما في العهد الملكي كان نظاما ديمقراطيا وبالتالي فانه كان يمتلك شرعية دستورية استمدها من انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة قضى عليها الانقلاب العسكري؟ان الانصاف والانتصار للحقيقة يحتمان علينا ان نكون صادقين في التحليل ولاتجرفنا العواطف في الحكم على مثل هذا الراي ولذلك نقول:ان النظام الملكي الذي اسقطته ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة لم يكن نظاما ديمقراطيا منذ انشائه في العام 1921 بل كان نظاما ملكيا تقليديا تم التوافق عليه بين العراقيين ضمن شروط ووقائع تلك المرحلة التاريخية التي عاشها العراق في ظل الاحتلال البريطاني مع كامل التقدير والاحترام للدور الوطني البارز الذي نهض به الملك فيصل الاول وابنه الملك غازي رحمهما الله.كان نظاما مستبدا وخاضعا بصورة كاملة سياسيا واقتصاديا للسيطرة الاستعمارية ومعاديا لحركة التحرر الوطني والعربي وخاصة منذ بداية اربعينيات القرن الماضي..كانت ديمقراطية النظام شكلية بالاسم والصورة وليس بالمحتوى والمضمون اذ ان من ابسط الشروط التي يجب ان تتوفر في اي نظام ديمقراطي هي ان تكون هناك تعددية سياسية وان يكون هناك تداول سلمي للسلطة بين الاحزاب المتعددة الاتجاهات والمنطلقات الفكرية عبر عملية انتخابية حرة ونزيهة تتنافس فيها للوصول الى سدة الحكم بالاضافة الى توفر حرية سياسية  تضمن حرية الراي والراي الاخر وحرية الصحافة والسماح بتشكيل الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني بكافة اشكالها والاقرار بحقوق الانسان الاساسية وغيرها فهل كل ماذكرناه كان موجودا ومعمولا به في ظل النظام الملكي؟ان الاحزاب التي كانت قائمة انذاك كانت مجرد تجمعات صورية لاتتوفر فيها ابسط مقومات الحزب السياسي تستمد بقاءها ووجودها من كونها جزءا لايتجزأ من ذلك النظام الذي تحميه القوات البريطانية ولاوجود لها في الشارع الشعبي فعليا يقودها رجال سياسة تقليديون تحركهم الاوامر الاجنبية ..كما ان الانتخابات التي كانت تجري لم تكن اكثر من عملية اجرائية روتينية لاتقدم ولاتؤخر في مسيرة المشهد السياسي في وقت يعرف فيه الجميع بما في ذلك زعماء تلك الاحزاب والشعب والنظام برمته ان نتيجة الانتخابات محسومة ومعروفة حتى قبل ان تبدأ وان الفائزين فيها يعرفون انهم فائزون قبل ان تجري ..الى جانب هذا فانه لم يحدث منذ عام 1921 وحتى ساعة سقوط ذلك النظام ان حزبا سياسيا معارضا قوميا او يساريا او وطنيا استطاع ان يفوز في تلك الانتخابات او ان يشكل حكومة وطنية فكيف يمكن ان يقال اذن ان الثورة قد اطاحت بالشرعية الدستورية؟ من اين استمد ذلك النظام تلك الشرعية التي يتباكى عليها البعض..ان الشرعية الدستورية كما هو معروف تستمد شرعيتها من وجود نظام حكم ديمقراطي حقيقي يستند الى الشعب يسمح باجراء انتخابات دورية نزيهة بين احزاب وقوى سياسية مختلفة فكريا لها برامج خاصة بها تسعى للوصول الى سدة الحكم عبر التوجه الى صناديق الاقتراع فهل كان النظام الملكي ديمقراطيا بالمعنى السياسي والفكري للديمقراطية؟بالطبع لا فكيف يمكن ان يقال ان الثورة قد اجهضت التجربة الديمقراطية القائمة انذاك .. ان هذا الادعاء او الراي ليس الا افتراء لا مبرر له على تلك الثورة التي اعادت للعراق مكانته الطبيعية وللعراقيين حريتهم وحققت لهم استقلالا سياسيا واقتصاديا حقيقيا بعد ان كان العراق في ظل ذلك النظام مجرد دولة ضعيفة خاضعة للنفوذ الاجنبي لا يستطيع حكامه ان يتخذوا موقفا وطنيا يتعارض مع رغبة المحتلين .وما وجود العراق كعضو فعّال في الحلف الاستعماري الذي عرف بـ (حلف بغداد)الذي كان يضم مجموعة من الدول التي تقع تحت الهيمنة الاستعمارية التي تناهض التوجه العربي الثوري القومي الذي كان يقوده الزعيم الخالد جمال عبد الناصر الا مثال حي على لا ديمقراطيته و تبعيته للنفوذ الاجنبي..لقد حدثت الكثير من الانتفاضات الشعبية التي قام بها العراقيون ضد ذلك النظام واسياده الاجانب الذين كانوا يفرضون عليه الكثير من المعاهدات والاتفاقيات الجائرة التي لم يستطع رفضها اوحتى الاحتجاج عليها ..ونتيجة لوقوع العراق في قبضة الاحتلال الاجنبي وقيام النظام الملكي الذي كان يهيمن عليه في تلك الفترة الثنائي عبد الاله|نوري السعيد بقمع الحركة الوطنية العراقية وزج المعارضين من مدنيين وعسكريين في السجون والمعتقلات فقد قامت العديد من التظاهرات والانتفاضات الشعبية الرافضة للاحتلال وللقمع والظلم الاجتماعي الذي يمارسه النظام الملكي ومن ابرزها  ثورة عام 1941 التي فجّرها العقداء القوميون الاربعة رحمهم الله ..ولم تستطع تلك الثورة ان تحقق اهدافها بسبب تدخل جيش الاحتلال البريطاني الذي كان يمتلك من الاسلحة والمعدات مالم يمتلكه الجيش الوطني ودفع الضباط الشجعان حياتهم الغالية ثمنا للدفاع عن حرية وطنهم واستقلاله.. لقد كانت ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة امتدادا طبيعيا واصيلا لانتفاضات وثورات الشعب العراقي المتواصلة.. ولهذا فقد حصلت الثورة على تأييد جارف وشعبية فورية هائلة منذ ان اعلن العقيد الركن عبد السلام محمد عارف الذي دخل بغداد بلوائه العشرين عن تفجرها من خلال اذاعته للبيان الاول للثورة التي اعلن فيها الاطاحة بالملكية واعلان النظام الجمهوري.. وهذا دليل واضح على عدم تمتع النظام الملكي باية شرعية دستورية.. وقد حققت الثورة التي كانت وماتزال علامة فارقة في التاريخ السياسي العراقي والعربي المعاصر الكثير من المكاسب والمنجزات التي لاحصر لها فهي معروفة وواضحة وابرزها قيام النظام الجمهوري والخروج من حلف بغداد الاستعماري وطرد قوى الاحتلال وقواعده من ارض الوطن وامتلاك الارادة السياسية الحرة والخروج من المنطقة الاسترلينية والتاكيد على القيم والثوابت الوطنية وبناء جيش وطني كفوء واصدار الدستور الوطني المؤقت عام 1958 والغاء الاتفاقيات والمعاهدات الجائرة التي عقدها النظام الملكي مع الدول الاستعمارية اضافة الى القضاء على الاقطاع وصدور قانون الاصلاح الزراعي الذي حرر الفلاحين وتشكيل نقابات العمال والجمعيات الفلاحية والروابط والاتحادات الشبابية والطلابية والنسائية وتوفر جو من الحرية الذي سمح بحرية الصحافة والتعبير عن الرأي.

كما قامت الثورة باصلاحات عديدة في مجال الصناعة والزراعة والاهتمام بالتعليم الى جانب دعم حركات التحرر العربي وانتهاج سياسية خارجية وطنية مستقلة قائمة على الحياد وعدم الانحياز وغيرها من الانجازات الكثيرة.

وبكلمة مختصرة فان ماجرى في الرابع عشر من تموز عام 1958هو ثورة وطنية قومية  ديمقراطية تحررية اعادت للعراق وجهه الوطني والعربي وحررته من الاحتلال والوصاية والتبعية وجعلت منه وطنا حرا كريما ملكا لابنائه لانها عبرت بصدق عن ارادة الشعب وتطلّعه لبناء مستقبل جديد يكون فيه العراقيون اسيادا لانفسهم.

تحية لثورة الرابع عشر من تموز المجيدة في ذكراها التاسعة والخمسين وكل التقدير والاحترام لضباطها الاحرار الشجعان وفي مقدمتهم الزعيم الركن عبد الكريم قاسم والعقيد الركن عبد السلام عارف ..

حسن عاتي الطائي