تجربة الحطاب الشعرية.. الدلالة والفلسفة والتناظر

اسماعيل ابراهيم عبد

ومن‭ ‬يأبه‭: ‬الدلالة،‭ ‬الفلسفة،‭ ‬التناظر،‭ ‬المحو‭ ‬

‭ ‬لتجربة‭ (‬الحطاب‭) ‬الشعرية‭ ‬قدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الخصوصية،‭ ‬فهو‭ ‬لم‭ ‬يخل‭ ‬بشروط‭ ‬المذكرات‭ ‬عند‭ ‬كتابته‭ ‬للمظاهر‭ ‬والأحداث‭ ‬اليومية،‭ ‬وبذات‭ ‬الوقت‭ ‬لم‭ ‬يخل‭ ‬بنظام‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬وبعض‭ ‬شؤونها‭ ‬السردية‭. ‬ليس‭ ‬له‭ ‬هم‭ ‬تشكيلي‭ ‬لفن‭ ‬التصميم‭ ‬البصري‭ ‬عندما‭ ‬كتب‭ ‬قصيدة‭ (.. ‬ومن‭ ‬يأبه‭)‬،‭ ‬لكنه‭ ‬وضع‭ ‬الشكل‭ ‬الكتابي‭ ‬بامتحان‭ ‬بصري‭ ‬يعمد‭ ‬عبره‭ ‬إعطاء‭ ‬مكانة‭ ‬للعين‭ ‬ان‭ ‬تدرك‭ ‬الشعر‭ ‬قبل‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الحواس‭. ‬بينما‭ ‬ـ‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬الدلالة‭ ‬ـ‭ ‬وظف‭ ‬الظاهر‭ ‬الفلسفي‭ ‬لدفع‭ ‬العمق‭ ‬الدلالي‭ ‬للقصيدة‭ ‬لتعلو‭ ‬على‭ ‬الفلسفة‭ ‬وعلى‭ ‬الشاعرية‭ ‬النمطية‭. ‬

لنجرب‭ ‬بقصيدة‭ (‬ومن‭ ‬يأبه‭): ‬

أولاً‭ : ‬بعض‭ ‬من‭ ‬دلالات‭ ‬القصيدة‭ ‬لنقرأ‭ : ‬

‭( ‬ومن‭ ‬يأبه‭.. ‬ما‭ ‬كان‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أسجن‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬كهذا‭ ‬

‭*‬اعتقدت‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬البدء‭ ‬–‭ ‬ان‭ ‬الشرطة‭ ‬جاءوا‭ ‬لإلقاء‭ ‬التحية‭ ‬حتى‭ ‬اني‭ ‬أوشكت‭ ‬ان‭.. ‬

لكنّ‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬رأيت‭ ‬فيها‭ ‬المفرزة،‭ ‬ايقنت‭ ‬انهم‭ ‬جاءوني‭ ‬لإلقاء‭ ‬القبض‭  ‬مع‭ ‬اني‭ ‬اوشكت‭ ‬ان‭..‬،‭ ‬وحسنا‭ ‬فعلت‭ ‬الشرطة

وان‭ ‬كنت‭ ‬غير‭ ‬مهيّأ‭ ‬لأن‭ ‬اسجن‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬كهذا

لم‭ ‬أجد‭ ‬التاريخ،‭ ‬بكتاب‭ ‬القبض‭ ‬عليّ

وشاورني‭ ‬الضابط‭ : ‬انه‭ ‬أشبه‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬بيوم‭ ‬كهذا‭)‬

‭.‬يتمتع‭ ‬هذا‭ ‬المشد‭ ‬الافتتاحي‭ ‬بصورتين‭ ‬لقيم‭ ‬التصميم‭ ‬الكتابي،‭ ‬انهما‭ ‬قيمة‭ ‬الصدق‭ ‬الدلالي،‭ ‬وقيمة‭ ‬التصميم‭ ‬البصري،‭ ‬ولمتابعة‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬سنضعهما‭ ‬بوحدتين،‭ ‬هما‭:‬

أ‭ ‬ـ‭ ‬تركيب‭ ‬متعدد‭ ‬الوجوه‭: ‬يؤكد‭ ‬القول‭ (‬ما‭ ‬كان‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أسجن‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬كهذا‭) ‬على‭ ‬التركيب‭ ‬الدلالي‭ ‬لقيمة‭ ‬الشك،‭ ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬يوم‭ ‬السجن‭ ‬مختلفا‭ ‬عن‭ ‬غيره؟‭. ‬ان‭ ‬قيمة‭ ‬القول‭ ‬تتجه‭ ‬الى‭ ‬انه‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬السجن‭ ‬للفرد‭ ‬بشكل‭ ‬مطلق،‭ ‬وهو‭ ‬يشكك‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬يوم‭ (‬ما‭) ‬يصلح‭ ‬لسجن‭ ‬الناس‭. ‬ثمة‭ ‬قيمة‭ ‬تركيبية‭ ‬أُخرى،‭ ‬هي‭ ‬ان‭ ‬الشاعر‭ ‬ربما‭ ‬يختار‭ ‬لنفسه‭ ‬يوماً‭ (‬ما‭) ‬للسجن،‭ ‬وهذه‭ ‬القيمة‭ ‬دلالة‭ ‬تحيل‭ ‬الى‭ ‬سخرية‭ ‬عميقة‭ ‬تشبه‭ ‬ضحكة‭ ‬محكوم‭ ‬قبل‭ ‬الشنق‭!. ‬كذلك‭ ‬يضمر‭ ‬القول‭ ‬قيمة‭ ‬ثالثة‭ ‬ـ‭ ‬بحسب‭ ‬فهمنا‭ ‬ـ‭ ‬هي‭ ‬وجود‭ ‬يوم‭ ‬له‭ ‬خصوصية‭ ‬كيوم‭ ‬عيد‭ ‬الميلاد‭ ‬او‭ ‬عيد‭ ‬الوجود‭ ‬أو‭ ‬عيد‭ ‬الزواج،‭ ‬لكن‭ ‬السجن‭ ‬عطل‭ ‬فرحة‭ ‬الشاعر‭ ‬بهذا‭ ‬اليوم‭. ‬وخلاصة‭ ‬فهمنا‭ ‬هي‭: ‬ان‭ ‬العمق‭ ‬الدلالي‭ ‬يحيل‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬أي‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬هو‭ (‬عيد‭) ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الحاكم‭ ‬سجاناً‭!. ‬ونعتقد‭ ‬ان‭ ‬الخلاصة‭ ‬الأخيرة‭ ‬للتركيب‭ ‬الدلالي‭ ‬تحيل‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬اليوم،‭ ‬يوم‭ ‬السجن،‭ ‬لم‭ ‬يأبه‭ ‬به‭ ‬أحد‭ ‬وكأن‭ ‬من‭ ‬الاعتيادي‭ ‬وجود‭ ‬يوم‭ ‬للسجن‭ ‬أفضل‭ (‬سيأبه‭) ‬به‭ ‬الناس،‭ ‬فيجبروا‭ ‬السجان‭ ‬على‭ ‬إطلاق‭ ‬سراح‭ ‬السجين‭. ‬

ب‭ ‬ـ‭ ‬التصور‭ ‬التشكيلي‭ ‬البصري‭: ‬عند‭ ‬تتبع‭ ‬أسطر‭ ‬الكتابة‭ ‬الثمانية‭ ‬الأُول،‭ ‬بضمنهم‭ ‬سطر‭ ‬العنوان،‭ ‬سنجد‭ ‬شكل‭ (..) ‬نقطتين‭ ‬قبل‭ ‬القول،‭ ‬و‭ (..) ‬بعد‭ ‬القول،‭ ‬و‭ (..) ‬ضمن‭ ‬متن‭ ‬السطر‭ ‬الواحد،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬علامة‭ (*) ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬السطر‭ ‬الأول‭ ‬والأسطر‭ ‬التي‭ ‬تليه،‭ ‬وأُخرى‭ ‬قبل‭ ‬السطرين‭ ‬الأخيرين‭.‬‭ ‬يوجد‭ ‬كذلك‭ ‬شكل‭ ‬بصري‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ (‬ـ‭ ‬في‭ ‬البدء‭ ‬ـ‭)‬،‭ ‬ثم‭ ‬هناك‭ ‬شكل‭ ‬بصري‭ ‬يخص‭ ‬القول‭ ‬هو‭ (:). ‬

‭- ‬اننا‭ ‬نعتقد‭ ‬بوجود‭ (‬شعرية‭ ‬دلالية‭) ‬لهذه‭ ‬التشكيلات‭ ‬البصرية،‭ ‬نراها‭ ‬تُسْتَثْمَر‭ ‬على‭ ‬الوجه‭ ‬الآتي‭:‬

1ـ‭ ‬نقاط‭ ‬البدء‭ ‬تشير‭ ‬الى‭ ‬أعمال‭ ‬سابقة‭ ‬مريبة‭ ‬وقاسية‭ ‬ومخجلة‭ ‬لرجال‭ ‬الشرطة،‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬الشاعر‭ ‬ذكرها‭ ‬مباشرة،‭ ‬ولا‭ ‬يريد‭ ‬اهمالها‭ ‬تماماً،‭ ‬لذا‭ ‬وضع‭ ‬النقاط‭ ‬كشفرة‭ ‬توجه‭ ‬القارئ‭ ‬الى‭ ‬فهم‭ ‬بطانة‭ ‬الكتابة‭ ‬للوصول‭ ‬الى‭ ‬ظاهر‭ ‬وباطن‭ ‬الأفعال‭ ‬المشينة‭ ‬للشرطة‭.‬

2ـ‭ ‬النقاط‭ ‬المتأخرة‭ ‬لها‭ ‬ذات‭ ‬الأغراض‭ ‬المشار‭ ‬اليها‭ ‬في‭ ‬الفقرة‭ (‬1‭)‬،‭ ‬لكنها‭ ‬تخص‭ ‬أعمالاً‭ ‬شائنة‭ ‬محتملة،‭ ‬شبه‭ ‬أكيدة‭ ‬لم‭ ‬ينفذها‭ ‬الشرطة‭ ‬بَعْدُ‭!.‬

3‭ ‬ـ‭ ‬النقاط‭ ‬المزدوجة‭ (..) ‬في‭ ‬متن‭ ‬الجمل‭ ‬تؤكد‭ ‬معنى‭ ‬الأغراض‭ ‬ذاتها‭ ‬المشار‭ ‬إليها‭ ‬في‭ (‬2‭)‬،‭ ‬لكنها‭ ‬تريد‭ ‬القول‭ ‬ان‭ ‬المحتمل‭ ‬قد‭ ‬وقع‭ ‬وتكرر‭.‬

4‭ ‬ـ‭ ‬علامة‭ ‬النجمة‭ (*) ‬تشير‭ ‬الى‭ ‬الانتقال‭ ‬بالقول‭ ‬الكتابي‭ ‬من‭ ‬صفته‭ ‬الشعرية‭ ‬الى‭ ‬مخمن‭ ‬جديد‭ ‬للشعرية،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬تهجيساً‭ ‬مسرحياً‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬المسرحيات‭ ‬الدموية‭ ‬التي‭ ‬يخلقها‭ ‬سياسيو‭ ‬البلاد‭.‬

5‭ ‬ـ‭ ‬عبارة‭ (‬ـ‭ ‬في‭ ‬البدء‭ ‬ـ‭) ‬خصصها‭ ‬الشاعر‭ ‬لتقول‭ ‬فهماً‭ ‬حصيلته‭ : ‬ان‭ ‬التعذيب‭ ‬والتنكيل‭ ‬بجسد‭ ‬وكرامة‭ ‬السجين‭ ‬تأتي‭ ‬على‭ ‬مراحل‭ ‬؛‭ ‬مرحلة‭ ‬البدء،‭ ‬والمرحلة‭ ‬المتوسطة،‭ ‬والمرحلة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬بحسب‭ ‬مقاومة‭ ‬السجين‭ ‬وبمقدار‭ ‬ما‭ ‬يبث‭ ‬من‭ ‬وشايات‭ ‬عن‭ ‬أهله‭ ‬ورفاقه‭.‬

6‭ ‬ـ‭ ‬اما‭ ‬تركيب‭ ‬الشكل‭ (:) ‬فاستثمر‭ ‬لتبيان‭ ‬أُسلوب‭ ‬الشرطة‭ ‬في‭ ‬استدراج‭ ‬السجناء‭ ‬كي‭ ‬يقولوا‭ ‬ما‭ ‬يُطلب‭ ‬منهم‭. ‬الغريب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬انه‭ ‬شكل‭ ‬توضيحي‭ ‬لهمس‭ ‬الضابط‭ ‬لا‭ ‬غيره،‭ ‬يخبره‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬يوم‭ ‬أزلي‭ (‬وشاورني‭ ‬الضابط‭ : ‬انه‭ ‬أشبه‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬بيوم‭ ‬كهذا‭). ‬والفكرة‭ ‬التقنية‭ ‬لهذا‭ ‬السطر‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬لازمة‭ ‬تقفل‭ ‬القول‭ ‬وتفتحه‭ ‬أيضاً،‭ ‬تقفله‭ ‬كونها‭ ‬تنهي‭ ‬تشكك‭ ‬الشاعر،‭ ‬وتفتح‭ ‬القول‭ ‬على‭ ‬قيم‭ ‬وتقنيات‭ ‬وأفكار‭ ‬القصيدة‭ ‬الأخرى،‭ ‬مثلما‭ ‬سنلاحظ‭ ‬في‭ ‬الفقرات‭ ‬اللاحقة‭.‬

ثانياً‭ : ‬شعر،‭ ‬فلسفة‭ ‬ان‭ ‬المتوقع‭ ‬لأي‭ ‬نشاط‭ ‬فكري‭ ‬أو‭ ‬فني‭ ‬أو‭ ‬معرفي‭ ‬ان‭ ‬يحاط‭ ‬بمموه‭ ‬فلسفي‭ ‬لغرضه‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬يحتفظ‭ ‬به‭ ‬سراً‭ ‬او‭ ‬إيماء‭ ‬او‭ ‬علناً‭. ‬وبما‭ ‬ان‭ ‬الكتابة‭ ‬مظهر‭ ‬شكلها‭ ‬لا‭ ‬يعطي‭ ‬لها‭ ‬دلالة‭ ‬أكيدة،‭ ‬والشعر‭ ‬منها،‭ ‬لذا‭ ‬فله‭ ‬فلسفة‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬خاص‭. ‬والشاعر‭ ‬جواد‭ ‬الحطاب‭ ‬وضع‭ ‬غرضه‭ ‬الشعري‭ ‬كله‭ ‬بمجمع‭ ‬قيمي‭ ‬فيه‭ ‬الجود‭ ‬والفروسية‭ ‬بلفظة‭ (‬جواد‭)‬،‭ ‬والنار‭ ‬والاشتعال‭ ‬بلفظة‭ (‬حطاب‭)‬،‭ ‬بل‭ ‬جعل‭ ‬لفظة‭ ‬حطاب‭ ‬معرفة‭ (‬بأل‭) ‬وكأن‭ ‬الاحتطاب‭ ‬والحطب‭ ‬والنار،‭ ‬يخصونه‭ ‬فقط‭… ‬أردتُ‭ ‬القول‭ ‬ان‭ ‬الحطاب‭ ‬في‭ ‬شعره‭ ‬جعل‭ ‬لاسمه‭ ‬سمة‭ ‬شاعرية‭ ‬فلسفية،‭ ‬تجعل‭ ‬لألفاظ‭ ‬الاسم‭ ‬شعرية‭ ‬تجر‭ ‬القارئ‭ ‬ليتلمس‭ ‬أغراض‭ ‬الحكمة‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬اسم‭ ‬الشاعر‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬المقطوعة‭ ‬الشعرية،‭ ‬فالعنوان‭ ‬مثلاً‭ ‬يحيل‭ ‬مباشرة‭ ‬الى‭ (‬ومن‭ ‬يأبه‭ ‬بالجواد‭ ‬الفارس‭ ‬حين‭ ‬يهوي‭ ‬بالنار‭ ‬التي‭ ‬تحرق‭ ‬حطب‭ ‬كرامته‭)‬،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬سيأبه‭ ‬بكل‭ ‬جواد‭ ‬كبا‭ ‬وفارس‭ ‬ترجل‭ ‬وشريف‭ ‬سُجن‭ ‬وثائر‭ ‬غُيِّب؟‭!. ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬خارج‭ ‬سياق‭ ‬القصيدة،‭ ‬لكنني‭ ‬أراه‭ ‬لا‭ ‬ينفصل‭ ‬كثيراً‭ ‬عنها‭. ‬وثمة‭ ‬زوايا‭ ‬أُخرى‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬فضيلة‭ ‬المعرفة‭ ‬والحكمة‭ (‬القصد‭ ‬الفلسفي‭)‬،‭ ‬سنلتقط‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬يعرضه‭ ‬المقطع‭ ‬الآتي‭ : ‬لنقرأ‭..‬

‭(‬وحسنا‭ ‬فعل‭ ‬الضابط،‭ ‬فأنا‭ ‬لا‭ ‬آبه‭ ‬بالأيام‭ ‬كثيراً،‭ ‬وأوشكتُ

حين‭ ‬توقفت‭ ‬المفرزة‭ ‬بأمر‭ ‬الإلقاء‭.. ‬

كان‭ ‬كتابي‭ : ‬من‭ ‬دون‭ ‬فوارز،‭ ‬ونقاط،‭ ‬وهزيل‭ ‬الديباجة

الا‭ ‬ان‭ ‬الضابط‭ ‬شاورني‭ ‬‮«‬‭ ‬ومن‭ ‬يأبه‭ ‬‮«‬‭..‬

وحسنا‭ ‬فعل‭ ‬بالتأكيد

فالفارزة‭ ‬ستذكّرني‭ ‬بـ‭ ‬”المفرزة”‭ ‬والنقاط‭ ‬بـ‭ ‬”نقطة‭ ‬التفتيش‮»‬‭).‬

‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجزئية‭ ‬من‭ ‬القصيدة‭ ‬خلط‭ ‬معرفي‭ ‬بين‭ ‬تقنية‭ ‬‮«‬الشعرية‮»‬،‭ ‬وتقنية‭ ‬‮«‬المجسّد‭ ‬الكتابي‮»‬،‭ ‬يهدف‭ ‬الشاعر‭ ‬عَبره‭ ‬التوصل‭ ‬الى‭ ‬ثيمة‭ ‬الخوف‭ ‬الحكيم‭. ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬ذلك‭ ‬بالتداخل‭ ‬الآتي‭ : ‬

‭ ‬1ـ‭ ‬ان‭ ‬للضابط‭ ‬فلسفة‭ ‬الحاكم،‭ ‬اذ‭ ‬ينظر‭ ‬للأيام‭ ‬نظرة‭ ‬ديمومة‭ ‬وظيفية،‭ ‬فكل‭ ‬الأيام‭ ‬صالحة‭ ‬لممارسة‭ ‬الاضطهاد،‭ ‬وعلى‭ ‬السجين‭ ‬ان‭ ‬يقرَّ‭ ‬بذلك،‭ ‬وها‭ ‬هو‭ ‬السجين‭ ‬قد‭ ‬سلّم‭ ‬مصيره‭ ‬لقدر‭ ‬الضابط‭.. ‬فما‭ ‬فائدة‭ ‬التفريق‭ ‬بين‭ ‬سجان‭ ‬وآخر،‭ ‬حتى‭ ‬وان‭ ‬اختلفت‭ ‬جغرافية‭ ‬السجون،‭ ‬بل‭ ‬يزداد‭ ‬السجين‭ ‬بوحاً‭ ‬واضطراباً،‭ ‬ليرحب‭ ‬بهذا‭ ‬اليوم،‭ ‬يوم‭ ‬السجن،‭ ‬ويطري‭ ‬على‭ ‬الضابط‭ ‬بـ‭ (‬وحسناً‭ ‬فعل‭ ‬الضابط‭). ‬

2ـ‭ ‬ان‭ ‬الضابط‭ ‬والسجين‭ ‬لم‭ ‬يأبها‭ ‬ليوم‭ ‬السجن‭ ‬لأنه‭ ‬لن‭ ‬يأبه‭ ‬له‭ (‬أي‭ ‬فرد‭)‬،‭ ‬بل‭ ‬كاد‭ ‬السجين‭ ‬ان‭ ‬يشكر‭ ‬الضابط‭ ‬كونه‭ ‬جاء‭ ‬مبكراً‭ ‬ولولا‭ ‬ذلك‭ ‬لذهب‭ ‬المسجون‭ ‬بنفسه‭ ‬الى‭ ‬السجن‭!. ‬

3ـ‭ ‬أمرُ‭ ‬التوقيف‭ ‬كان‭ ‬بلا‭ ‬كتاب‭ ‬رسمي،‭ ‬ليس‭ ‬فيه‭ ‬تاريخ‭ ‬ولا‭ ‬رقم‭ ‬صدور،‭ ‬وهذا‭ ‬يعطي‭ ‬شعوراً‭ ‬بأن‭ ‬سَجن‭ ‬أي‭ ‬مواطن‭ ‬محكوم‭ ‬برغبة‭ ‬ومزاج‭ ‬السجّان،‭ ‬ولا‭ ‬يحتاج‭ ‬السجّان‭ ‬في‭ ‬تغييبه‭ ‬حيوات‭ ‬الناس‭ ‬إلّا‭ ‬الى‭ ‬مزاج‭ ‬فقط‭!. ‬والسبب‭ ‬واضح‭ ‬ان‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يحاسب‭ ‬مسؤول،‭ ‬أي‭ ‬مسؤول،‭ ‬فما‭ ‬بالنا‭ ‬مع‭ ‬مسؤول‭ ‬برتبة‭ ‬ضابط‭ ‬في‭ ‬الشرطة‭!.‬

4ـ‭ ‬كتاب‭ ‬أمرِ‭ ‬السجنِ‭ ‬غير‭ ‬الرسمي‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬يُسجن‭ ‬به‭ ‬أي‭ ‬فرد،‭ ‬رديء‭ ‬الأُسلوب‭ ‬ورديء‭ ‬القواعد،‭ ‬وبلا‭ ‬بلاغة،‭ ‬ولهذا‭ ‬الأمر‭ ‬دلالتان،‭ ‬تخلّف‭ ‬الشرطة‭ ‬معرفياً،‭ ‬وسادية‭ ‬الشرطة‭ ‬سلوكياً‭.‬

5ـ‭ ‬لازمتا‭ (‬وحسناً‭ ‬فعل‭ ‬الضابط‭)‬،‭ ‬ثم،‭ (‬وحسناً‭ ‬فعل‭ ‬بالتأكيد‭) ‬تؤديان‭ ‬فعل‭ ‬الاشهار‭ ‬والفضح‭ ‬وليس‭ ‬التأكيد‭ ‬البلاغي‭ ‬فقط‭. ‬

6ـ‭ ‬حكمة‭ ‬تضمين‭ ‬المشاعر‭ ‬السابقة‭ ‬في‭(‬1،2،3،4‭) ‬هي‭ ‬التوصل‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬شكل‭ ‬الاضطهاد‭ ‬يشبه‭ ‬شكل‭ ‬الكتابة،‭ ‬كلاهما‭ ‬يحصران‭ ‬ويضغطان‭ ‬ويضطهدان‭ ‬الفضيلة‭ ‬في‭ ‬الحرية‭ ‬والمعرفة‭ ‬والتحرر‭ ‬من‭ ‬قيود‭ ‬المشاعر‭ (‬وحسنا‭ ‬فعل‭ ‬بالتأكيد

فالفارزة‭ ‬ستذكّرني‭ ‬بـ‭ ‬”المفرزة”‭ ‬والنقاط‭ ‬بـ”نقطة‭ ‬التفتيش‮»‬‭ ).‬

بمعنى‭ ‬ان‭ ‬تجسيد‭ ‬المظهر‭ ‬الكتابي‭ ‬للمضمر‭ ‬الدلالي‭ ‬بآليات‭ ‬الكتابة‭ ‬هو‭ ‬اشتغال‭ ‬معرفي‭ ‬فلسفي‭ ‬مقصود‭ ‬لذاته‭ ‬وبذاته‭. ‬

ثالثا‭ : ‬موجهات‭ ‬التناظر‭ ‬ان‭ ‬الوجود‭ ‬المادي‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬يتخلى‭ ‬عن‭ ‬ماديته‭ ‬ولا‭ ‬يتخلى‭ ‬عن‭ ‬أثره‭ ‬الإدراكي‭. ‬بمعنى‭ ‬ان‭ ‬الادراك‭ ‬تحققه‭ ‬موجهات‭ ‬التناظر‭ ‬الدلالية‭ ‬ذات‭ ‬التركيب،‭ ‬الذي‭ ‬يترك‭ ‬دلالته‭ ‬لحسن‭ ‬ادراك‭ ‬القارئ،‭ ‬وهو‭ ‬تركيب‭ ‬لتناظر‭ ‬الاحتمالات‭ ‬الدلالية‭ ‬متعددة‭ ‬المضامين‭. ‬

ان‭ ‬الشاعر‭ ‬جواد‭ ‬الحطاب‭ ‬يجاور‭ ‬بين‭ ‬خلق‭ ‬الوظيفة‭ ‬الدلالية‭ ‬للثيم‭ ‬مع‭ ‬الملموس‭ ‬المادي‭ ‬ذي‭ ‬المنظور‭ ‬متناصف‭ ‬الإداء‭ ‬بين‭ ‬الفني‭ ‬والثقافي‭. ‬لنتابع‭.‬

أ‭ ‬ـ‭ ‬وجود‭ ‬متناظر‭ ‬الدلالة

خلاصة‭ ‬هذه‭ ‬الجزئية‭ ‬ان‭ (‬الادراك‭/ ‬يناظر‭/ ‬التأثير‭) = ‬حرية‭ ‬القراءة‭. ‬

وللتوضيح‭ ‬نقول‭ : ‬ان‭ ‬مكونات‭ ‬الادراك‭ ‬المحسوسة‭ ‬في‭ ‬القصيدة‭ ‬تعادل‭ ‬نظيرها‭ ‬في‭ ‬المعنى‭ ‬المؤثر،‭ ‬وهما‭ ‬معاً‭ ‬يؤلفان‭ ‬القراءة‭ ‬المتحررة‭ ‬من‭ ‬الشروط‭ ‬المسبقة،‭ ‬كالنظريات‭ ‬والفرائض‭ ‬القسرية‭ ‬الشبيهة‭ ‬بالنظريات‭. ‬

لنقرأ‭: ‬

‭(‬ما‭ ‬كان‭ ‬بأمر‭ ‬إلقاء‭ ‬القبض‭ ‬عليّ‭ ‬أيّ‭ ‬اسم

وشاورني‭ ‬الضابط،‭ ‬من‭ ‬يأبه‭ ‬بخواء‭ ‬بشريّ

أتظنّ‭ ‬الأسماء‭ ‬ستعترض‭ ‬الشرطة‭ ‬؟‭!!‬

الأسماء‭ ‬بلا‭ ‬معنى‭..).‬

‭ ‬لنثبت‭ ‬بعض‭ ‬الملاحظات‭ ‬عن‭ ‬مقطع‭ ‬القصيدة‭ ‬هذا‭. ‬

1ـ‭ ‬ينتهي‭ ‬المقطع‭ ‬بنقطة‭ ‬منفردة‭. ‬وتعدُّ‭ ‬النقطةَ‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬السطر‭ ‬الكتابي‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬الكتابة‭ ‬الخاصة‭ ‬بالمعنى‭ ‬وتحيل‭ ‬الى‭ ‬التوقف‭ ‬والانتهاء‭.‬

2ـ‭ ‬من‭ ‬الملموسات‭ ‬المادية‭ ‬في‭ ‬المقطع‭ ‬؛‭ ‬السجين،‭ ‬وورقة‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬السجين،‭ ‬والضابط،‭ ‬والشرطة‭. ‬

3ـ‭ ‬من‭ ‬المدركات‭ ‬غير‭ ‬المادية‭ ‬في‭ ‬المقطع‭ ‬السابق‭ ‬؛‭ ‬اسم‭ ‬السجين،‭ ‬المشاورة‭ (‬الهمس‭)‬،‭ ‬الخواء‭ ‬البشري،‭ ‬الظن،‭ ‬الاعتراض،‭ ‬الأسماء‭.‬

4ـ‭ ‬عند‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬كائنات‭ ‬الفقرات‭ ‬الثلاث‭ ‬سنتوصل‭ ‬الى‭ ‬حصول‭ ‬تناظر‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬عنصر‭ ‬وآخر،‭ ‬بالآلية‭ ‬الآتية‭ :‬

ـ‭ ‬النقطة‭ ‬الكتابية‭ / ‬تناظر‭/ ‬السجين،‭ ‬وورقة‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬السجين،‭ ‬والضابط،‭ ‬والشرطة‭. ‬

ـ‭ ‬الملموسات‭ ‬المادية‭ / ‬تناظر‭/ ‬المدركات‭ ‬غير‭ ‬المادية،‭ ‬التي‭ ‬هي‭ (‬اسم‭ ‬السجين،‭ ‬المشاورة‭ (‬الهمس‭)‬،‭ ‬الخواء‭ ‬البشري،‭ ‬الظن،‭ ‬الاعتراض،‭ ‬الأسماء‭).‬

ـ‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬رياضية‭ ‬ودلالية،‭ ‬يكون‭ ‬التناظر‭ ‬بحسب‭ ‬منظومة‭ ‬خاصة‭ ‬هي‭ : (‬النقطة‭ / ‬تناظر‭/ ‬السجين،‭ ‬وورقة‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬السجين،‭ ‬والضابط،‭ ‬والشرطة‭ / ‬تناظر‭/ ‬اسم‭ ‬السجين،‭ ‬المشاورة‭ ‬ـ‭ ‬الهمس‭ ‬ـ،‭ ‬الخواء‭ ‬البشري،‭ ‬الظن،‭ ‬الاعتراض،‭ ‬الأسماء‭). ‬

‭ * ‬ان‭ ‬الذي‭ ‬تقدم‭ ‬فهمه‭ ‬هو‭ ‬قراءة‭ ‬حرة‭ ‬غير‭ ‬مقيدة‭ ‬بأي‭ ‬شرط‭ ‬مسبق،‭ ‬ونرى‭ ‬انها‭ ‬قراءة‭ ‬تلائم‭ ‬قول‭ ‬الشاعر‭ ‬المُسْتَخِف‭ ‬بالمصائر‭ ‬وكل‭ ‬شيء‭ ‬له‭ ‬اهمية‭ ‬ما‭ /‬

‭(‬أتظنّ‭ ‬الأسماء‭ ‬ستعترض‭ ‬الشرطة‭ ‬؟‭!!‬

الأسماء‭ ‬بلا‭ ‬معنى‭..) ‬

ويقصد‭ ‬الشاعر‭ ‬ان‭ ‬الوجود‭ ‬الانساني‭ ‬بلا‭ ‬معنى‭ (‬بنظر‭ ‬الشرطة‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬وجدتْ‭ ‬ـ‭ ‬بالخطأ‭ ‬ـ‭ ‬الشاعر‭ ‬نظيراً‭ ‬لسلطتها‭!.‬

ب‭ ‬ـ‭ ‬تناظر‭ ‬غير‭ ‬عادل‭ ‬

للمقطع‭ ‬الآتي‭ ‬مهاجع‭ ‬حضارية،‭ ‬يفترض‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬نظيراً‭ (‬إنسانياً‭ ‬ثقافياً‭) ‬بين‭ ‬جغرافيتين،‭ ‬لكن‭ ‬الشاعر‭ ‬جعلها‭ ‬مهاجع‭ ‬لأفكار‭ ‬سابقة‭ ‬فات‭ ‬أوانها،‭ ‬فهي‭ ‬نظائر‭ ‬غير‭ ‬متعادلة‭ ‬دلالياً‭. ‬لنقرأ‭: ‬

‭(‬كنتُ‭ ‬أفكّر‭ ‬بالهجرة‭ ‬لليونان‭..‬

بزوربا‭..‬

بمساءات‭ ‬راقصة،‭ ‬ووجوه‭ ‬كاملة‭ ‬الدسم

وحين‭ ‬الشرطة‭ ‬جاءتني‭ ‬بقيود‭ ‬دايت

قلت‭ ‬لنفسي‭: ‬حسناً‭ ‬فعلت

فأنا‭ ‬يقلقني‭ ‬دوار‭ ‬البحر

وانتوني‭ ‬كوين،‭ ‬لم‭ ‬يتعر‭ ‬في‭ ‬ساحل‭ ‬‮«‬ايجة‮»‬‭).‬

‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬هنا‭ ‬ان‭ ‬نقول‭ :‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬تقارب‭ ‬سابقتها‭ ‬الفقرة‭ (‬أ‭)‬،‭ ‬لكن‭ ‬الفرق‭ ‬بينهما‭ ‬ان‭ ‬هذه‭ ‬منظومة‭ ‬ملاذ‭ ‬مفترض،‭ ‬لو‭ ‬تحقق‭ ‬لحصلنا‭ ‬على‭ ‬تناظر‭ ‬تام‭ ‬بين‭ ‬الحرية‭ ‬والسعادة،‭ ‬تناظراً‭ ‬متعادلاً‭ ‬مبهجاً،‭ ‬والشاعر‭ ‬يتحجج‭ ‬بدوار‭ ‬البحر‭ ‬وانتوني‭ ‬كوين‭ ‬وساحل‭ ‬إيجة،‭ ‬لينتهي‭ ‬بآلية‭ :‬

‭(‬نقطة‭ ‬نهاية‭ ‬المقطع‭/ ‬تناظر‭ ‬ـ‭ ‬لا‭ ‬تناظر‭/ ‬مركز‭ ‬الشرطة‭) ‬المحتوي‭ ‬لعناصر‭ ‬الظالم‭ ‬والمظلوم‭.‬

رابعاً‭ : ‬ارباك‭ ‬ان‭ ‬كلَ‭ ‬جملة‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الشعري‭ ‬يفترض‭ ‬بها‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬نافعةً‭ ‬ومفيدةً،‭ ‬وتشكل‭ ‬طبيعة‭ ‬متفردة‭ ‬للفهم،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬شرط‭ ‬الصواب‭ ‬البلاغي‭ ‬والاملائي،‭ ‬والصرفي‭. ‬وثمة‭ ‬قوانين‭ ‬حفظها‭ ‬لنا‭ ‬تاريخ‭ ‬اللغات‭ ‬كلها‭ ‬ولجميع‭ ‬سكان‭ ‬الأرض،‭ ‬لكن‭ ‬التطور‭ ‬الجديد‭ ‬للسانيات‭ ‬قد‭ ‬أوجد‭ ‬فسحة‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬طريقة،‭ ‬يتجاوز‭ ‬بها‭ ‬المبدعون‭ ‬تقاليد‭ ‬اللغة‭ ‬الصارمة‭. ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬نبتعد‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬موضوعنا‭ ‬ان‭ ‬قلنا‭ ‬ان‭ ‬الازاحة‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬تدخل‭ ‬هذا‭ ‬المنعرج‭ ‬الثقافي‭ ‬لّلغة،‭ ‬فاللحظة‭ ‬المعلقة‭ ‬بين‭ ‬الزوال‭ ‬الى‭ ‬ماض‭ ‬عدمي‭ ‬والتحفز‭ ‬لأجل‭ ‬افتراق‭ ‬في‭ ‬نظم‭ ‬وشروط‭ ‬الفائدة‭ ‬من‭ ‬جمل‭ ‬الشعر،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬قصيدة‭ ‬تقصم‭ ‬ظهر‭ ‬التوافق‭ ‬الدلالي‭ ‬كونه‭ ‬ـ‭ ‬بالمنطق‭ ‬التقليدي‭ ‬ـ‭ ‬أهم‭ ‬عناصر‭ ‬الشد‭ ‬القرائي،‭ ‬ومحتوى‭ ‬الفهم‭ ‬الفني‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭.‬

‭ ‬هذا‭ ‬الكسر‭ ‬احتياج‭ ‬لغوي،‭ ‬يهتم‭ ‬بما‭ ‬يُستجمع‭ ‬من‭ ‬هيكل‭ ‬الفكرة،‭ ‬له‭ ‬علاقة‭ ‬بالدلالة‭ ‬الموجهة‭ ‬نحو‭ ‬ارباك‭ ‬نمط‭ ‬الكتابة‭ ‬التقليدية‭. ‬بمعنى‭ ‬اننا‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬نشكل‭ ‬بيئة‭ ‬تؤلف‭ ‬كياناً‭ ‬إبداعياً‭ ‬متجدد‭ ‬الحيوية‭ ‬بشروطنا‭ ‬الخاصة‭ ‬بنا،‭ ‬وأرى‭ ‬ذلك‭ ‬يحدث‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الآتي‭ :‬

أ‭ ‬ـ‭ ‬لحظة‭ ‬تفكير‭ ‬مرتبك

لنقرأ‭ :‬

‭(‬ـ‭ ‬فكّرت‭..‬

الأسماء‭ ‬ضرورية‭ ‬للرخام

وكدت‭ ‬أسأل‭: ‬هل‭ ‬ستضعون‭ ‬على‭ ‬شاهدتي‭ ‬رقما‭ ‬؟‭!!‬

‭… ‬ومن‭ ‬يأبه،‭ ‬سيقول‭ ‬الضابط

حتى‭ ‬ان‭ ‬الشرطة‭ ‬كانوا‭ ‬مبتهجين،‭ ‬وعزفوا‭ ‬لحناً‭ ‬سوقياً

هرّبني‭ ‬من‭ ‬صندوق‭ ‬السيارة‭..).‬

‭ ‬المتفكر،‭ ‬المرتبك،‭ ‬المتحاور‭ ‬مع‭ ‬الشرطة،‭ ‬يضع‭ ‬خوفه‭ ‬من‭ ‬الموت‭ ‬بطريقة‭ ‬المقامر‭ ‬بعقله‭ ‬وحياته،‭ ‬يعرضهما‭ ‬كتضحية‭ ‬لأجل‭ ‬سعادة‭ ‬الشرطة‭ ‬وتفكيرهم‭ ‬بالبهجة‭. ‬يُصَرِّح‭ ‬بذلك‭ ‬بطريقة‭ ‬الميت‭ ‬الحي،‭ ‬بل‭ ‬ويستثمر‭ ‬بلادتهم‭ ‬الفنية‭ ‬ليخرج‭ ‬من‭ ‬صندوق‭ ‬سيارة‭ ‬السجناء‭ ‬الى‭ ‬الفضاء‭ ‬ـ‭ ‬خارج‭ ‬السيارة،‭ ‬داخل‭ ‬نقطة‭ ‬مركز‭ ‬الشرطة‭. ‬

اننا‭ ‬نرى‭ ‬غرض‭ ‬الشاعر‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬متمثلاً‭ ‬بـ‭ /‬

ـ‭ ‬يمكن‭ ‬للميت‭ ‬ان‭ ‬يفكر‭ ‬بحرية،‭ ‬وحريته‭ ‬تستمد‭ ‬معناها‭ ‬من‭ ‬شاهدة‭ ‬الرخام‭ ‬لاسمه‭ ‬على‭ ‬القبر‭. ‬

ـ‭ ‬الاسم‭ ‬ضروري‭ ‬لفرح‭ ‬الرخام‭ ‬به‭. ‬أي‭ ‬كلما‭ ‬زاد‭ ‬فرح‭ ‬شاهدات‭ ‬الرخام‭ ‬زاد‭ ‬فرح‭ ‬الشرطة‭.‬

ـ‭ ‬بهجة‭ ‬الشرطة‭ ‬تُقرن‭ ‬بعزف‭ ‬سوقي‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬طبيعتهم‭ ‬السادية،‭ ‬اللامبالية‭ ‬بموتى‭ ‬احياء‭ ‬في‭ ‬السجن،‭ ‬موتى‭ ‬معنوياً،‭ ‬أو‭ ‬موتى‭ ‬في‭ ‬القبر‭.‬

ـ‭ ‬الهروب‭ ‬المحدود‭ ‬من‭ ‬صندوق‭ ‬السيارة‭ ‬الى‭ (.) ‬مركز‭ ‬الشرطة‭ ‬لن‭ ‬يشكل‭ ‬أهمية‭ ‬للشرطة‭ ‬او‭ ‬السجين،‭ ‬فهما‭ ‬متفقان‭ ‬ان‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يأبه‭ ‬لأي‭ ‬شيء‭!. ‬

‭* ‬الأفكار‭ ‬المتقدمة‭ ‬أعلاه‭ ‬كلها‭ ‬أفكار‭ ‬لمتشوش‭ ‬مصاب‭ ‬بذهان‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬والوجدان‭. ‬

‭ ‬كلها‭ ‬تلائم‭ ‬ارتباك‭ ‬وتشظي‭ ‬الدلالة‭. ‬نعتقد‭ ‬بأن‭ ‬أوضح‭ ‬تعبير‭ ‬لخليط‭ ‬الارباك‭ ‬يتلخص‭ ‬بـ‭ /‬

‭(‬وكدت‭ ‬أسأل‭: ‬هل‭ ‬ستضعون‭ ‬على‭ ‬شاهدتي‭ ‬رقما‭ ‬؟‭!!‬

‭.)‬ب‭ ‬ـ‭ ‬لحظة‭ ‬قضم‭ ‬

لنقرأ‭ : [‬شاورت‭ ‬الصندوق‭: ‬إنّيَ‭ ‬آنست‭ ‬قيداً،‭ ‬فالداخل‭ ‬والخارج‭ ‬زنزانة

قال،‭ ‬ومن‭ ‬يأبه،‭ ‬فالإنسان‭ ‬بلا‭ ‬معنى‭..‬

والزنزانات‭ ‬مكائن‭ ‬لفرم‭ ‬الوقت‭..].‬

نلاحظ‭ :  ‬1‭ ‬ـ‭ ‬لحظة‭ ‬الارباك‭ ‬السابقة‭ ‬تطورت‭ ‬الى‭ ‬لحظة‭ ‬قضم‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬الصندوق‭ (‬قرين‭ ‬القبر‭)‬،‭ ‬والزنزانة‭ (‬قرينة‭ ‬الموت‭ ‬البطيء‭)‬،‭ ‬واللامبالاة‭ ‬الفلسفية‭ (‬قرينة‭ ‬الثقافة‭ ‬المغدورة‭)‬،‭ ‬واللا‭ ‬معنى‭ (‬قرين‭ ‬التغييب‭ ‬الإنساني‭). ‬

2‭ ‬ـ‭ ‬يتم‭ ‬قضم‭ ‬الروح‭ ‬الإنسانية‭ ‬للسجين‭ ‬بالقيد‭ ‬أولاً،‭ ‬ثم‭ ‬الزمن‭ ‬المفتوح‭ ‬لفرم‭ ‬الزنزانة‭ ‬للوجود‭ ‬الزماني‭ ‬والمكاني‭ ‬ثانيا‭.‬

ج‭ ‬ـ‭ ‬لحظة‭ ‬محو

ان‭ ‬نتيجة‭ ‬التفكير‭ ‬المرتبك‭ ‬والقضم‭ ‬المفتوح‭ ‬لزمن‭ ‬الزنزانة‭ ‬يصل‭ ‬ـ‭ ‬حتماً‭ ‬ـ‭ ‬الى‭ ‬محو‭ ‬يشبه‭ ‬مسخ‭ ‬الإنسان‭ ‬لغة‭ ‬ووجوداً،‭ ‬مثلما‭ ‬في‭:‬

‭(‬مسح‭ ‬الضابط‭ ‬بكمه‭ ‬الكلمات‭ ‬العالقة‭ ‬من‭ ‬شتائم‭ ‬البارحة

فحين‭ ‬تخصّص‭ ‬لك‭ ‬“مفرزة”

فهذا‭ ‬يعني‭ : ‬إنّكَ‭ ‬صرتَ‭ ‬مهماً

والشرطة‭ ‬صارت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬مقتنياتك‭).‬

ولن‭ ‬يتخلَ‭ ‬الشاعر‭ ‬عن‭ ‬سخريته‭ ‬عندما‭ ‬جعل‭ ‬الكلمات،‭ (‬الشعر‭ ‬والحكمة‭) ‬وسخاً‭ ‬يزيله‭ ‬الضابط‭ ‬بكم‭ ‬لباسه،‭ ‬وسخر‭ ‬السجين‭ ‬بالفجيعة‭ ‬عندما‭ ‬صارت‭ ‬الشرطة‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬مقتنياته‭!.‬

د‭ ‬ـ‭ ‬تفسيخ

نقصد‭ ‬بالتفسيخ‭ ‬ان‭ ‬الأفكار‭ ‬والكلمات‭ ‬والحروف‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬تتوزع‭ ‬على‭ ‬معرض‭ ‬الكتابة‭ ‬بشكل‭ ‬منفرد،‭ ‬منفرط،‭ ‬لكنها‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬نسق‭ ‬الدلالة‭ ‬البانية‭ ‬لمضمرها‭ ‬من‭ ‬المعنى‭. ‬لنقرأ

‭: ‬

‭(‬حتى‭ ‬إني‭ ‬أوشكت،‭ ‬لكنه‭ ‬شاورني‭: ‬ومن‭ ‬يأبه،‭ ‬نحن‭ ‬بلا‭ ‬معنى

والتهديد‭ ‬رتابة‭..‬

ر‭. ‬ت‭. ‬ا‭. ‬ب‭. ‬ة‭..‬

ر‭. ‬ت‭. ‬ا‭. ‬ب‭. ‬ا‭. ‬ت

تا‭ ‬بات‭.. ‬الخارج‭ ‬والداخل‭ ‬زنزانة

قال‭ ‬الضابط‭ ‬ومن‭ ‬يأبه

وحسنا‭ ‬فعل‭..].. ‬في‭ ‬المقطع‭ ‬هذا‭ ‬حالان‭:‬

1ـ‭ ‬الأول‭ : ‬يتمثل‭ ‬بالشك‭ ‬واليقين‭ ‬لبنية‭ ‬الحوار،‭ ‬واعتماد‭ ‬الذات،‭ ‬قرينة‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭.‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬تجود‭ ‬به‭ ‬عبارة‭ : ‬

‭[‬حتى‭ ‬إني‭ ‬أوشكت،‭ ‬لكنه‭ ‬شاورني‭ : ‬ومن‭ ‬يأبه،‭ ‬نحن‭ ‬بلا‭ ‬معنى

الخارج‭ ‬والداخل‭ ‬زنزانة

قال‭ ‬الضابط‭ ‬ومن‭ ‬يأبه

وحسنا‭ ‬فعل‭..). ‬

لقد‭ ‬شمل‭ ‬هذا‭ ‬التفسيخ‭ ‬تفسيخ‭ ‬؛‭ ‬الأفكار‭ ‬الى‭ ‬جمل،‭ ‬والجمل‭ ‬الى‭ ‬كلمات،‭ ‬كلها‭ ‬تخدم‭ ‬العمق‭ ‬البعيد‭ ‬لعلاقة‭ ‬الدال‭ ‬بالمدلول،‭ ‬التي‭ ‬تؤشر‭ ‬قيمة‭ ‬المعنى‭ ‬لمطلق‭ ‬اللا‭ ‬معنى‭!. ‬

2ـ‭ ‬الثاني‭ : ‬ينضوي‭ ‬تحت‭ ‬جزئية‭ ‬تفسيخ‭ ‬الكلمة‭ ‬الى‭ ‬أحرف،‭ ‬لها‭ ‬ثلاثة‭ ‬أهداف،‭ ‬هي‭ :‬

ـ‭ ‬توريط‭ ‬القارئ‭ ‬بتوريات،‭ ‬تحيل‭ ‬الى‭ ‬الطاقة‭ ‬الموسيقية‭ ‬لكل‭ ‬حرف‭.‬

ـ‭ ‬توريط‭ ‬الناقد‭ ‬بقراءة‭ ‬تختبر‭ ‬ذكاءه‭.‬

ـ‭ ‬توريط‭ ‬الكاتب‭ ‬لنفسه‭ ‬بإشكالية‭ ‬الرقم‭ ‬العددي‭ ‬للحرف،‭ ‬وما‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬علاقة‭ ‬بالمعنى‭ ‬الثابت‭ ‬بكل‭ ‬اللغات‭. ‬

‭. ‬النتيجة‭ ‬من‭ ‬التشكل‭ ‬والإشكال‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفقرة‭ ‬هي‭ : ‬

يتحمل‭ ‬وجود‭ ‬الكتابة‭ ‬شروطاً‭ ‬وضعية‭ ‬أساسية،‭ ‬منها‭ ‬الاتفاق‭ ‬العام‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬الصياغة‭ ‬للجملة‭ ‬والكلام‭ ‬والمعنى‭ ‬والمبنى‭ ‬بما‭ ‬يُستجمع‭ ‬من‭ ‬هيكل‭ ‬الفكرة،‭ ‬لتسبيب‭ ‬علاقة‭ ‬الدلالة‭ ‬الموجهة‭ ‬نحو‭ ‬ارباك‭ ‬نمط‭ ‬الكتابة‭ ‬التقليدية‭ ‬للمعنى‭ ‬الذي‭ ‬يشكل‭ ‬بيئة‭ ‬وكياناً‭ ‬إبداعياً‭ ‬متجدد‭ ‬الحيوية‭ ‬للمنتج‭ ‬الأدبي‭. ‬

‭ ‬جواد‭ ‬الحطاب،‭ ‬قصيدة‭ ‬من‭ ‬يأبه،‭ ‬جريدة‭ ‬الزمان،‭ ‬طبعة‭ ‬العراق،‭ ‬في‭ ‬7‭/‬6‭/‬2023‭ ‬