
اسماعيل ابراهيم عبد
ومن يأبه: الدلالة، الفلسفة، التناظر، المحو
لتجربة (الحطاب) الشعرية قدر كبير من الخصوصية، فهو لم يخل بشروط المذكرات عند كتابته للمظاهر والأحداث اليومية، وبذات الوقت لم يخل بنظام قصيدة النثر وبعض شؤونها السردية. ليس له هم تشكيلي لفن التصميم البصري عندما كتب قصيدة (.. ومن يأبه)، لكنه وضع الشكل الكتابي بامتحان بصري يعمد عبره إعطاء مكانة للعين ان تدرك الشعر قبل غيرها من الحواس. بينما ـ من زاوية الدلالة ـ وظف الظاهر الفلسفي لدفع العمق الدلالي للقصيدة لتعلو على الفلسفة وعلى الشاعرية النمطية.
لنجرب بقصيدة (ومن يأبه):
أولاً : بعض من دلالات القصيدة لنقرأ :
( ومن يأبه.. ما كان عليّ أن أسجن في يوم كهذا
*اعتقدت – في البدء – ان الشرطة جاءوا لإلقاء التحية حتى اني أوشكت ان..
لكنّ اللحظة التي رأيت فيها المفرزة، ايقنت انهم جاءوني لإلقاء القبض مع اني اوشكت ان..، وحسنا فعلت الشرطة
وان كنت غير مهيّأ لأن اسجن في يوم كهذا
لم أجد التاريخ، بكتاب القبض عليّ
وشاورني الضابط : انه أشبه ما يكون بيوم كهذا)
.يتمتع هذا المشد الافتتاحي بصورتين لقيم التصميم الكتابي، انهما قيمة الصدق الدلالي، وقيمة التصميم البصري، ولمتابعة كل منهما سنضعهما بوحدتين، هما:
أ ـ تركيب متعدد الوجوه: يؤكد القول (ما كان عليّ أن أسجن في يوم كهذا) على التركيب الدلالي لقيمة الشك، فما الذي يجعل يوم السجن مختلفا عن غيره؟. ان قيمة القول تتجه الى انه لا يجوز السجن للفرد بشكل مطلق، وهو يشكك في وجود يوم (ما) يصلح لسجن الناس. ثمة قيمة تركيبية أُخرى، هي ان الشاعر ربما يختار لنفسه يوماً (ما) للسجن، وهذه القيمة دلالة تحيل الى سخرية عميقة تشبه ضحكة محكوم قبل الشنق!. كذلك يضمر القول قيمة ثالثة ـ بحسب فهمنا ـ هي وجود يوم له خصوصية كيوم عيد الميلاد او عيد الوجود أو عيد الزواج، لكن السجن عطل فرحة الشاعر بهذا اليوم. وخلاصة فهمنا هي: ان العمق الدلالي يحيل الى ان أي يوم في الحياة هو (عيد) لو لم يكن الحاكم سجاناً!. ونعتقد ان الخلاصة الأخيرة للتركيب الدلالي تحيل الى ان هذا اليوم، يوم السجن، لم يأبه به أحد وكأن من الاعتيادي وجود يوم للسجن أفضل (سيأبه) به الناس، فيجبروا السجان على إطلاق سراح السجين.
ب ـ التصور التشكيلي البصري: عند تتبع أسطر الكتابة الثمانية الأُول، بضمنهم سطر العنوان، سنجد شكل (..) نقطتين قبل القول، و (..) بعد القول، و (..) ضمن متن السطر الواحد، فضلاً عن علامة (*) الفاصلة بين السطر الأول والأسطر التي تليه، وأُخرى قبل السطرين الأخيرين. يوجد كذلك شكل بصري آخر هو (ـ في البدء ـ)، ثم هناك شكل بصري يخص القول هو (:).
- اننا نعتقد بوجود (شعرية دلالية) لهذه التشكيلات البصرية، نراها تُسْتَثْمَر على الوجه الآتي:
1ـ نقاط البدء تشير الى أعمال سابقة مريبة وقاسية ومخجلة لرجال الشرطة، لا يريد الشاعر ذكرها مباشرة، ولا يريد اهمالها تماماً، لذا وضع النقاط كشفرة توجه القارئ الى فهم بطانة الكتابة للوصول الى ظاهر وباطن الأفعال المشينة للشرطة.
2ـ النقاط المتأخرة لها ذات الأغراض المشار اليها في الفقرة (1)، لكنها تخص أعمالاً شائنة محتملة، شبه أكيدة لم ينفذها الشرطة بَعْدُ!.
3 ـ النقاط المزدوجة (..) في متن الجمل تؤكد معنى الأغراض ذاتها المشار إليها في (2)، لكنها تريد القول ان المحتمل قد وقع وتكرر.
4 ـ علامة النجمة (*) تشير الى الانتقال بالقول الكتابي من صفته الشعرية الى مخمن جديد للشعرية، قد يكون تهجيساً مسرحياً على طريقة المسرحيات الدموية التي يخلقها سياسيو البلاد.
5 ـ عبارة (ـ في البدء ـ) خصصها الشاعر لتقول فهماً حصيلته : ان التعذيب والتنكيل بجسد وكرامة السجين تأتي على مراحل ؛ مرحلة البدء، والمرحلة المتوسطة، والمرحلة الأخيرة، بحسب مقاومة السجين وبمقدار ما يبث من وشايات عن أهله ورفاقه.
6 ـ اما تركيب الشكل (:) فاستثمر لتبيان أُسلوب الشرطة في استدراج السجناء كي يقولوا ما يُطلب منهم. الغريب في هذا انه شكل توضيحي لهمس الضابط لا غيره، يخبره بأن هذا اليوم يوم أزلي (وشاورني الضابط : انه أشبه ما يكون بيوم كهذا). والفكرة التقنية لهذا السطر ان يكون لازمة تقفل القول وتفتحه أيضاً، تقفله كونها تنهي تشكك الشاعر، وتفتح القول على قيم وتقنيات وأفكار القصيدة الأخرى، مثلما سنلاحظ في الفقرات اللاحقة.
ثانياً : شعر، فلسفة ان المتوقع لأي نشاط فكري أو فني أو معرفي ان يحاط بمموه فلسفي لغرضه الأساس الذي يحتفظ به سراً او إيماء او علناً. وبما ان الكتابة مظهر شكلها لا يعطي لها دلالة أكيدة، والشعر منها، لذا فله فلسفة من نوع خاص. والشاعر جواد الحطاب وضع غرضه الشعري كله بمجمع قيمي فيه الجود والفروسية بلفظة (جواد)، والنار والاشتعال بلفظة (حطاب)، بل جعل لفظة حطاب معرفة (بأل) وكأن الاحتطاب والحطب والنار، يخصونه فقط… أردتُ القول ان الحطاب في شعره جعل لاسمه سمة شاعرية فلسفية، تجعل لألفاظ الاسم شعرية تجر القارئ ليتلمس أغراض الحكمة بدءاً من اسم الشاعر حتى نهاية المقطوعة الشعرية، فالعنوان مثلاً يحيل مباشرة الى (ومن يأبه بالجواد الفارس حين يهوي بالنار التي تحرق حطب كرامته)، بل من سيأبه بكل جواد كبا وفارس ترجل وشريف سُجن وثائر غُيِّب؟!. قد يكون هذا خارج سياق القصيدة، لكنني أراه لا ينفصل كثيراً عنها. وثمة زوايا أُخرى تتجه نحو فضيلة المعرفة والحكمة (القصد الفلسفي)، سنلتقط منها ما يعرضه المقطع الآتي : لنقرأ..
(وحسنا فعل الضابط، فأنا لا آبه بالأيام كثيراً، وأوشكتُ
حين توقفت المفرزة بأمر الإلقاء..
كان كتابي : من دون فوارز، ونقاط، وهزيل الديباجة
الا ان الضابط شاورني « ومن يأبه «..
وحسنا فعل بالتأكيد
فالفارزة ستذكّرني بـ ”المفرزة” والنقاط بـ ”نقطة التفتيش»).
في هذه الجزئية من القصيدة خلط معرفي بين تقنية «الشعرية»، وتقنية «المجسّد الكتابي»، يهدف الشاعر عَبره التوصل الى ثيمة الخوف الحكيم. يتجه نحو ذلك بالتداخل الآتي :
1ـ ان للضابط فلسفة الحاكم، اذ ينظر للأيام نظرة ديمومة وظيفية، فكل الأيام صالحة لممارسة الاضطهاد، وعلى السجين ان يقرَّ بذلك، وها هو السجين قد سلّم مصيره لقدر الضابط.. فما فائدة التفريق بين سجان وآخر، حتى وان اختلفت جغرافية السجون، بل يزداد السجين بوحاً واضطراباً، ليرحب بهذا اليوم، يوم السجن، ويطري على الضابط بـ (وحسناً فعل الضابط).
2ـ ان الضابط والسجين لم يأبها ليوم السجن لأنه لن يأبه له (أي فرد)، بل كاد السجين ان يشكر الضابط كونه جاء مبكراً ولولا ذلك لذهب المسجون بنفسه الى السجن!.
3ـ أمرُ التوقيف كان بلا كتاب رسمي، ليس فيه تاريخ ولا رقم صدور، وهذا يعطي شعوراً بأن سَجن أي مواطن محكوم برغبة ومزاج السجّان، ولا يحتاج السجّان في تغييبه حيوات الناس إلّا الى مزاج فقط!. والسبب واضح ان ليس هناك من يحاسب مسؤول، أي مسؤول، فما بالنا مع مسؤول برتبة ضابط في الشرطة!.
4ـ كتاب أمرِ السجنِ غير الرسمي الذي يمكن ان يُسجن به أي فرد، رديء الأُسلوب ورديء القواعد، وبلا بلاغة، ولهذا الأمر دلالتان، تخلّف الشرطة معرفياً، وسادية الشرطة سلوكياً.
5ـ لازمتا (وحسناً فعل الضابط)، ثم، (وحسناً فعل بالتأكيد) تؤديان فعل الاشهار والفضح وليس التأكيد البلاغي فقط.
6ـ حكمة تضمين المشاعر السابقة في(1،2،3،4) هي التوصل الى ان شكل الاضطهاد يشبه شكل الكتابة، كلاهما يحصران ويضغطان ويضطهدان الفضيلة في الحرية والمعرفة والتحرر من قيود المشاعر (وحسنا فعل بالتأكيد
فالفارزة ستذكّرني بـ ”المفرزة” والنقاط بـ”نقطة التفتيش» ).
بمعنى ان تجسيد المظهر الكتابي للمضمر الدلالي بآليات الكتابة هو اشتغال معرفي فلسفي مقصود لذاته وبذاته.
ثالثا : موجهات التناظر ان الوجود المادي يمكن ان يتخلى عن ماديته ولا يتخلى عن أثره الإدراكي. بمعنى ان الادراك تحققه موجهات التناظر الدلالية ذات التركيب، الذي يترك دلالته لحسن ادراك القارئ، وهو تركيب لتناظر الاحتمالات الدلالية متعددة المضامين.
ان الشاعر جواد الحطاب يجاور بين خلق الوظيفة الدلالية للثيم مع الملموس المادي ذي المنظور متناصف الإداء بين الفني والثقافي. لنتابع.
أ ـ وجود متناظر الدلالة
خلاصة هذه الجزئية ان (الادراك/ يناظر/ التأثير) = حرية القراءة.
وللتوضيح نقول : ان مكونات الادراك المحسوسة في القصيدة تعادل نظيرها في المعنى المؤثر، وهما معاً يؤلفان القراءة المتحررة من الشروط المسبقة، كالنظريات والفرائض القسرية الشبيهة بالنظريات.
لنقرأ:
(ما كان بأمر إلقاء القبض عليّ أيّ اسم
وشاورني الضابط، من يأبه بخواء بشريّ
أتظنّ الأسماء ستعترض الشرطة ؟!!
الأسماء بلا معنى..).
لنثبت بعض الملاحظات عن مقطع القصيدة هذا.
1ـ ينتهي المقطع بنقطة منفردة. وتعدُّ النقطةَ في نهاية السطر الكتابي من عناصر الكتابة الخاصة بالمعنى وتحيل الى التوقف والانتهاء.
2ـ من الملموسات المادية في المقطع ؛ السجين، وورقة القبض على السجين، والضابط، والشرطة.
3ـ من المدركات غير المادية في المقطع السابق ؛ اسم السجين، المشاورة (الهمس)، الخواء البشري، الظن، الاعتراض، الأسماء.
4ـ عند الجمع بين كائنات الفقرات الثلاث سنتوصل الى حصول تناظر يوازن بين عنصر وآخر، بالآلية الآتية :
ـ النقطة الكتابية / تناظر/ السجين، وورقة القبض على السجين، والضابط، والشرطة.
ـ الملموسات المادية / تناظر/ المدركات غير المادية، التي هي (اسم السجين، المشاورة (الهمس)، الخواء البشري، الظن، الاعتراض، الأسماء).
ـ من وجهة نظر رياضية ودلالية، يكون التناظر بحسب منظومة خاصة هي : (النقطة / تناظر/ السجين، وورقة القبض على السجين، والضابط، والشرطة / تناظر/ اسم السجين، المشاورة ـ الهمس ـ، الخواء البشري، الظن، الاعتراض، الأسماء).
* ان الذي تقدم فهمه هو قراءة حرة غير مقيدة بأي شرط مسبق، ونرى انها قراءة تلائم قول الشاعر المُسْتَخِف بالمصائر وكل شيء له اهمية ما /
(أتظنّ الأسماء ستعترض الشرطة ؟!!
الأسماء بلا معنى..)
ويقصد الشاعر ان الوجود الانساني بلا معنى (بنظر الشرطة)، التي وجدتْ ـ بالخطأ ـ الشاعر نظيراً لسلطتها!.
ب ـ تناظر غير عادل
للمقطع الآتي مهاجع حضارية، يفترض ان تكون نظيراً (إنسانياً ثقافياً) بين جغرافيتين، لكن الشاعر جعلها مهاجع لأفكار سابقة فات أوانها، فهي نظائر غير متعادلة دلالياً. لنقرأ:
(كنتُ أفكّر بالهجرة لليونان..
بزوربا..
بمساءات راقصة، ووجوه كاملة الدسم
وحين الشرطة جاءتني بقيود دايت
قلت لنفسي: حسناً فعلت
فأنا يقلقني دوار البحر
وانتوني كوين، لم يتعر في ساحل «ايجة»).
من المهم هنا ان نقول :هذه المنظومة تقارب سابقتها الفقرة (أ)، لكن الفرق بينهما ان هذه منظومة ملاذ مفترض، لو تحقق لحصلنا على تناظر تام بين الحرية والسعادة، تناظراً متعادلاً مبهجاً، والشاعر يتحجج بدوار البحر وانتوني كوين وساحل إيجة، لينتهي بآلية :
(نقطة نهاية المقطع/ تناظر ـ لا تناظر/ مركز الشرطة) المحتوي لعناصر الظالم والمظلوم.
رابعاً : ارباك ان كلَ جملة في العمل الشعري يفترض بها ان تكون نافعةً ومفيدةً، وتشكل طبيعة متفردة للفهم، فضلاً عن شرط الصواب البلاغي والاملائي، والصرفي. وثمة قوانين حفظها لنا تاريخ اللغات كلها ولجميع سكان الأرض، لكن التطور الجديد للسانيات قد أوجد فسحة لأكثر من طريقة، يتجاوز بها المبدعون تقاليد اللغة الصارمة. وقد لا نبتعد كثيراً عن موضوعنا ان قلنا ان الازاحة في الشعر تدخل هذا المنعرج الثقافي لّلغة، فاللحظة المعلقة بين الزوال الى ماض عدمي والتحفز لأجل افتراق في نظم وشروط الفائدة من جمل الشعر، قد تكون قصيدة تقصم ظهر التوافق الدلالي كونه ـ بالمنطق التقليدي ـ أهم عناصر الشد القرائي، ومحتوى الفهم الفني العام والخاص.
هذا الكسر احتياج لغوي، يهتم بما يُستجمع من هيكل الفكرة، له علاقة بالدلالة الموجهة نحو ارباك نمط الكتابة التقليدية. بمعنى اننا يمكن ان نشكل بيئة تؤلف كياناً إبداعياً متجدد الحيوية بشروطنا الخاصة بنا، وأرى ذلك يحدث على النحو الآتي :
أ ـ لحظة تفكير مرتبك
لنقرأ :
(ـ فكّرت..
الأسماء ضرورية للرخام
وكدت أسأل: هل ستضعون على شاهدتي رقما ؟!!
… ومن يأبه، سيقول الضابط
حتى ان الشرطة كانوا مبتهجين، وعزفوا لحناً سوقياً
هرّبني من صندوق السيارة..).
المتفكر، المرتبك، المتحاور مع الشرطة، يضع خوفه من الموت بطريقة المقامر بعقله وحياته، يعرضهما كتضحية لأجل سعادة الشرطة وتفكيرهم بالبهجة. يُصَرِّح بذلك بطريقة الميت الحي، بل ويستثمر بلادتهم الفنية ليخرج من صندوق سيارة السجناء الى الفضاء ـ خارج السيارة، داخل نقطة مركز الشرطة.
اننا نرى غرض الشاعر من هذه متمثلاً بـ /
ـ يمكن للميت ان يفكر بحرية، وحريته تستمد معناها من شاهدة الرخام لاسمه على القبر.
ـ الاسم ضروري لفرح الرخام به. أي كلما زاد فرح شاهدات الرخام زاد فرح الشرطة.
ـ بهجة الشرطة تُقرن بعزف سوقي يدل على طبيعتهم السادية، اللامبالية بموتى احياء في السجن، موتى معنوياً، أو موتى في القبر.
ـ الهروب المحدود من صندوق السيارة الى (.) مركز الشرطة لن يشكل أهمية للشرطة او السجين، فهما متفقان ان لا أحد يأبه لأي شيء!.
* الأفكار المتقدمة أعلاه كلها أفكار لمتشوش مصاب بذهان في العقل والوجدان.
كلها تلائم ارتباك وتشظي الدلالة. نعتقد بأن أوضح تعبير لخليط الارباك يتلخص بـ /
(وكدت أسأل: هل ستضعون على شاهدتي رقما ؟!!
.)ب ـ لحظة قضم
لنقرأ : [شاورت الصندوق: إنّيَ آنست قيداً، فالداخل والخارج زنزانة
قال، ومن يأبه، فالإنسان بلا معنى..
والزنزانات مكائن لفرم الوقت..].
نلاحظ : 1 ـ لحظة الارباك السابقة تطورت الى لحظة قضم يقوم بها الصندوق (قرين القبر)، والزنزانة (قرينة الموت البطيء)، واللامبالاة الفلسفية (قرينة الثقافة المغدورة)، واللا معنى (قرين التغييب الإنساني).
2 ـ يتم قضم الروح الإنسانية للسجين بالقيد أولاً، ثم الزمن المفتوح لفرم الزنزانة للوجود الزماني والمكاني ثانيا.
ج ـ لحظة محو
ان نتيجة التفكير المرتبك والقضم المفتوح لزمن الزنزانة يصل ـ حتماً ـ الى محو يشبه مسخ الإنسان لغة ووجوداً، مثلما في:
(مسح الضابط بكمه الكلمات العالقة من شتائم البارحة
فحين تخصّص لك “مفرزة”
فهذا يعني : إنّكَ صرتَ مهماً
والشرطة صارت جزءاً من مقتنياتك).
ولن يتخلَ الشاعر عن سخريته عندما جعل الكلمات، (الشعر والحكمة) وسخاً يزيله الضابط بكم لباسه، وسخر السجين بالفجيعة عندما صارت الشرطة جزءاً من مقتنياته!.
د ـ تفسيخ
نقصد بالتفسيخ ان الأفكار والكلمات والحروف يمكن ان تتوزع على معرض الكتابة بشكل منفرد، منفرط، لكنها تحافظ على نسق الدلالة البانية لمضمرها من المعنى. لنقرأ
:
(حتى إني أوشكت، لكنه شاورني: ومن يأبه، نحن بلا معنى
والتهديد رتابة..
ر. ت. ا. ب. ة..
ر. ت. ا. ب. ا. ت
تا بات.. الخارج والداخل زنزانة
قال الضابط ومن يأبه
وحسنا فعل..].. في المقطع هذا حالان:
1ـ الأول : يتمثل بالشك واليقين لبنية الحوار، واعتماد الذات، قرينة لكل ما يحدث.
وهو ما تجود به عبارة :
[حتى إني أوشكت، لكنه شاورني : ومن يأبه، نحن بلا معنى
الخارج والداخل زنزانة
قال الضابط ومن يأبه
وحسنا فعل..).
لقد شمل هذا التفسيخ تفسيخ ؛ الأفكار الى جمل، والجمل الى كلمات، كلها تخدم العمق البعيد لعلاقة الدال بالمدلول، التي تؤشر قيمة المعنى لمطلق اللا معنى!.
2ـ الثاني : ينضوي تحت جزئية تفسيخ الكلمة الى أحرف، لها ثلاثة أهداف، هي :
ـ توريط القارئ بتوريات، تحيل الى الطاقة الموسيقية لكل حرف.
ـ توريط الناقد بقراءة تختبر ذكاءه.
ـ توريط الكاتب لنفسه بإشكالية الرقم العددي للحرف، وما له من علاقة بالمعنى الثابت بكل اللغات.
. النتيجة من التشكل والإشكال في هذه الفقرة هي :
يتحمل وجود الكتابة شروطاً وضعية أساسية، منها الاتفاق العام على شكل الصياغة للجملة والكلام والمعنى والمبنى بما يُستجمع من هيكل الفكرة، لتسبيب علاقة الدلالة الموجهة نحو ارباك نمط الكتابة التقليدية للمعنى الذي يشكل بيئة وكياناً إبداعياً متجدد الحيوية للمنتج الأدبي.
جواد الحطاب، قصيدة من يأبه، جريدة الزمان، طبعة العراق، في 7/6/2023






















