
بين واشنطن وأربيل – عبدالكريم يحيى الزيباري
روابط وثيقة تعتمد علاقة واشنطن مع طهران وبغداد ودمشق وأنقرة، أنقرة ودمشق أنكرتا تماماً أيَّ وجودٍ للقومية الكردية. ووفق تقرير المجلس القومي الأمريكي للاستخبارات (سوف تتزايد النزاعات الدينية والأثنية في السنوات الخمسة عشرة المقبلة) هكذا اكتسبت القضية الكردية أهميتها، التي بدأت بقرار البرلمان التركي في 1/3/2003 برفض توفير قاعدة للهجمات الأمريكية ضد بغداد.
أثبتت واشنطن مؤخراً، أكثر من مرة، التزامها بحكومة إقليم كردستان، والتي تعتبرها صديقة ومخلصة وضرورية لتنفيذ سياساتها في المنطقة، ضد أيَّة تهديدات عسكرية مباشرة. لكن واشنطن تنفِّذ مخططاتها بأقل الأضرار، بشِعارات وتصريحات هدفها امتصاص زخم الأفكار المعارضة وتهدئة مخاوف تركيا وإيران، واشنطن لا تهتم بالوقت ولا الخسائر ما دامت ليست أمريكية.
كان شعار دول الحلفاء في الحرب العالمية الأولى: سياسياً وبسيطاً (تحرير الشعوب الصغيرة ومنحها الحق في تقرير المصير). كان شعار دول المحور: عسكرياً متغطرساً ومعقداً (التوسع الإقليمي وإيجاد مستعمرات خاضعة عسكرياً) ولهذا حاربَ العرب وصربيا والجبل الأسود وبلجيكا ورومانيا والبرتغال واليونان وبقية الشعوب الصغيرة إلى جانب الحلفاء.
وبحسب عبارة المؤرخ الإغريقي ثوسيديديس (460 – 395) قبل الميلاد، في كتابه (تاريخ الحرب البلوبونيزية) الشهيرة (وكأنَّ التاريخ يعيد نفسه)، وعبارة بينيديتو كروتشه (1866-1956) الفيلسوف الإيطالي (التاريخ كله تاريخ معاصر)، كذلك هو اليوم شِعار أمريكا وحلفائها بريطانيا وفرنسا سياسي وبسيط: منح الشعب الكردي حقَّهُ في تقرير المصير، بينما شعارات طهران وأنقرة وبغداد المعارضة والمقاومة، عسكرية ومعقدة ومتغطرسة، إلى درجة تبدو وكأنَّها مسرحية سيئة التأليف والإخراج والأداء!
بعد الحرب العالمية الأولى، حدثت نقلة تاريخية لعلم السياسة، من النظرة الميكافيلية لأمن الأمير حول ثنائية (السلطة/ الطاعة خوفاً)، إلى المفهوم الحديث للأمن القومي أو أمن المجتمع (السلطة/ المصلحة)، المجتمع الذي هو قاعدة صراعات بين أحزاب متنافسة، المجتمع الذي بضياعِ وحدته أو تخلخل أمنهِ، يضيع الحزب ويضيع الاقتصاد ويضيع كلُّ شيء. وخوفاً من هذا الضياع، واستناداً إلى هذا الخوف: تظهر السياسات الخاطئة التي تفكر في قيادة المجتمع دون تطويره، لأنَّهُ يقوم بتحويل المواطن إلى فردٍ يائس وعاجز بلا طموح ولا أهداف.
لم تعد السلطة بحاجة إلى وسائل تعذيب وإطلاق الرصاص على المتظاهرين، بقدر حاجتهم إلى مؤسسات تحمي المجتمع وتمنع القمع السياسي، بواسطة تقنيات أيديولوجية مغلَّفة بأوامر إدارية وصور إعلامية تبذرُ أفكاراً جديدة وتطرد القديمة باستمرار، لأنَّ الصراعات السياسية الحديثة لا يمكن أنْ تحدث إلا في مجال الأفكار وحركتها صعوداً ونزولاً، فأينَ نحنُ من تاريخ الأفكار؟
لم تعد السلطة، ومفكروها يناقشون مسألة الخير والشر كمسألة أخلاقية، بل بوصفها مسألة سياسية تتعلق بدواعي المصلحة العليا والمكتسبات التي غالباً ما تجيز انتهاك القوانين، وفعل كل شيء من أجل تحصين المجتمع ضد الفوضى واللاأمن، قال وزير داخلية فرنسا شارلز باسكوا في شباط 1987 (على الديمقراطية أنْ تتوقف حيث تبدأ مصلحة الدولة العليا).
لم تعد السلطة، ومفكروها يناقشون الحوادث ، صاروا يناقشون الاحتمالات التي تفرضها مجموعة من التحديثات السياسية بشعارات جديدة بعيدة عن الأيديولوجيات القديمة، وكلما زادت السلطة من استخدام أدوات القمع السياسي، كلما زادت احتمالات إحلال سلطة سياسية أخرى مكانها تحت شِعار تحرير المجتمع.
لم تعد السلطة، ومفكروها يناقشون التنظيمات والأعداد والأرقام، صاروا يناقشون نظريات الدفاع عن المجتمع، وبحسب فوكو، لم تعد القوة حصراً على السلطة السياسية، لانتشار الفرضية القمعية إلى النفوذ الأيديولوجي الذي تمارسه السلطة مؤسساتياً بدءاً بالمدارس والكليات والمستشفيات ووسائل الإعلام وانتهاءً بالقضاء والسجون والشرطة ورجال الأمن، وأنَّ القوة في جزءٍ كبير منها منحصرة في انقلابات فجائية في منظومة التقاليد والعادات الاجتماعية والصراعات العائلية والتربوية والإشاعات السياسية والأفكار التي تمنح العقل قوته وتقوده، وما زال طيف ماركس يُرعِبُ أوربا باحتمالات وقوع انقلاب اجتماعي سياسي، تخسر السلطة سلطتها وتصبح مسيطراً عليها، بتحريض مثقفين ثوريين.


















