بين الشعر والسرد في الأجنحة والكشف
رؤية ملتزمة بكتلة متجانسة
يوسف عبود جويعد
تشير الشاعرة مريم الترك في مقدمتها التي كتبتها مستهل أول في المجموعة الشعرية القصصية (الأجنحة والكشف) مع القاص والشاعر طارق لحمادي، إلى إنها تجربتهما الثانية، إذ كان قبل هذه المجموعة عمل مشترك تحت عنوان (طائر بلا روح).
بينما جاء في المقدمة الثانية التي كتبها القاص والشاعر طارق لحمادي: (الأعمال التي تقترب من الكمال هي الأعمال التي تسقط عنها مقدماتها، وتستغني عن مفاتيح القيادة لأبواب النصوص، وتأتي من ذاتها ولذاتها لتقول ما تود قوله، وتلكم هي النصوص الكبيرة التي تزدان بقوة الحقيقة، وعمق التجربة، وسعة التأمل، وقيمة الفن)، في هذه الإشارة تبرير لوجود هذه المقدمة، كونها توضح إشكال وأساليب وأنماط وطرق تناول هذه النصوص، وهي تنوب عن المتلقي والمتذوق، لتوضيح معالم هذه المجموعة المشتركة، والتي أجدها لا ضرورة لها، كون النصوص التي ضمت بين دفتي هذه المجموعة تعرف نفسها بنفسها دون ان يكون هنالك ضرورة واجبة لتدخل أحد كاتبيها للتعريف بها،وأن الأعمال الكبيرة والصغيرة لا تحتاج إلى تعريف، إذ إن في ذلك ضعفًا في عملية البناء، وتوجس من عدم إدراك المتلقي الفحوى الأساسية لتلك النصوص، بينما أجدها بدون هذه المقدمتين أكثر قرباً، وأكثر إحساسا، وأكثر معرفة، بإمكان المتلقي أن يستغني عنهما ليكتشف عالم هذه النصوص المشتركة.
الشاعرة مريم الترك في القسم الأول من هذه المجموعة تناولت القصيدة الشعرية النثرية، التي يختفي في أنساقها المضمرة السرد إلا أنه ينتمي إلى اللغة الشعرية، والمفردة المنتقاة بتأنٍّ لتشكل وحدة البنية النصية لهذه النصوص الشعرية، وكذلك تسهم في توضيح الثيمة، وترتبط ارتباطاً جذرياً بوحدة الموضوع، حتى تصبح كتلة متجانسة متماسكة لشد وتقوية البناء النصي لكل قصيدة، كون نصوصها تنطلق من خيال خصب، ورؤية شعرية ملتزمة لجعلها تنتمي إلى عالم الشعر، دون أن نشعر بانزياحها أو تغيير مسارها، أو انحرافها إلى جنس آخر، بل إن الجانب الحكائي والأحداث التي وظفت داخل مبنى القصيدة منحتها قوة إيصال وجذب كبيرة لتصل إلى المتلقي كما تريدها قصيدة مفعمة بالشاعرية والشعر والأحاسيس المرهفة، والانزياحات الصورية والتعبيرية الرمزية والدلالات والاستعارات، التي جعلت النص الشعري غارقاً بالمشاعر الجياشة التي تريد إيصالها في النص الشعري دون سواه، بينما نحت نصوص القاص والشاعر طارق لحمادي “هكذا أريد أن أشير إليه “، كونه قدم في البنية النصية، قصة قصيرة جداً، حيث البناء، الشكل، المضمون، الزمان، المكان، اللذان كانا افتراضيين، الأحداث، الشخوص، وقد تناولها بأسلوب السرد الذي ينتمي إلى جنس القصة القصيرة جداً، من حيث التعريف، الحبكة، التأزم، الانفراج، إلا أنه كتبها بالطريقة الانزياحية،أي أنه ابتعد عن السرد الاعتيادي لهذا الجنس، واعتمد اللغة الشعرية الانزياحية التعبيرية كبديل له، أي أنه وظف المفردة النثرية في السياق الفني السردي لبنية النص القصصي، وقد وفق إلى حد بعيد في ذلك، وهو من الأساليب الحديثة المتبعة الآن في صناعة القصة القصيرة جداً.
نعود إلى الشاعرة مريم الترك لنكتشف مدى قدرتها وتمكنها في توظيف السرد كمحور مكمل لبناء القصيدة النثرية، وكان ذلك جلياً واضحاً في النص النثري الشعري (سدر المنتهى) وهي تنقلنا إلى حالة التداعيات الروحية الشعرية الحسية المبهرة:
من ورط الرّيح في طريق اللوز؟
قلبي هنا بلا ذاكرة
ما عاد يحفظ نشيد الغزالة..
كي ينجو من قاتلة
هناك فوق تلّة الليل
أقتفي أثر نجمة لأسجن الضوء
قال الذي مر قرب الوطن
لا تلقوا قنبلة في طريقي
ليعبر ظلي إلي
وهي تكشف لنا من خلال هذا النص تردي الحياة، وشعار القوي يأكل الضعيف، وحالة القلق والخوف، الذي اجتاح الإنسان داخل البلد، وهو يرى الموت والدمار والقتل، بينما يقدم لنا النص الشعري (دم الهزيمة)عالم شعري آخر يقدم لنا القصيدة التعبيرية النثرية السردية، برؤية موحشة، مخيفة، قلقة، موشحة بسواد الروح والاكتئاب، سابحة في بحر التيه والضياع:
حقائب سفري تضجّ بالرّحيل
والمحطة باردة كقلبي
لا شيء في طريق الّليل
غبار الإثم فوق أصابعنا
مراسيل الغياب إلى العناوين القديمة
لا مجيب…
أجلس فوق ظلّي
كي أراني لست وحدي..
وهكذا فأننا نجد أن بناء النص الشعري للشاعرة مريم الترك، لا يحتاج إلى تعريف، بل أنه تذكرة سفر ثمينة للولوج إلى عالمها الشعري، أما الشاعر والقاص طارق لحمادي فأنه قلب هذه المعادلة، أو عكسها ليقدم لنا نصاً في القصة القصيرة جداً موشحاً بإطار المفردة النثرية كانزياح للسرد الاعتيادي، نكتشف ذلك في القصة القصيرة جداً(الحياة):
(عدت من المستشفى تحت وابل المطر. كانت أمّي ما تزال مقرفصة بعجزها الكامل في رأسي. قلبت بيني وبين نفسي .. لأشارك خلق الله نخب اليتم فلست الأول ولا الأخير، ومررت بمتسوّل يتبوّل على جدار آيل للسقوط فتاقت نفسي إلى سؤاله، ولكن الظلمة ابتلعته ولم تبق منه غير صدى كلماته.. أولاد القحبة ما يخلوكش حتى تبول…)
وهكذا فإن المسار السردي هو الغالب، وأن استخدام المفردة النثرية الشعرية ضمن السياق الفني للبنية النصية، وهو يعتمد الحس الشعري في السرد حسب ما تقتضيه الضرورة في بناء النص، كما نكتشف ذلك في قصة (الحطاب):
(المرأة… أقطعها بفأس الرّغبة فتهوى على ظلّها، يتطاير غبار السرير، وترفرف من أعشاش جسدها فراخ لذة لم يكتمل نمو ريش أجنحتها بعد، فتسقط على حافة الليل..
تبكي الشجرة من فرحة قتلها، فقد خلّفت على تراب السرير نواة الشهقة، ويقول رجل:
– لقد أخفى فأسه بين ثيابه، وهو يبرح الغابة..)
ضمت النصوص المشتركة (الأجنحة والكشف) للشاعرة مريم الترك، والقاص والشاعر طارق لحمادي، أربعة وثلاثين نصاً شعرياً للشاعرة مريم الترك، وأربعة وأربعين نصاً قصصياً للقاص والشاعر طارق لحمادي،وهي نصوص ناضجة تنتمي إلى الحداثة والتجديد والتجريب، وفيها جهد فني واضح، وعمل مشترك متعاون في جعل النصوص، تحكي لنا واقع الحياة بأوسع مدياتها.
{
الشاعرة مريم الترك – من لبنان
الشاعر والقاص طارق لحمادي – من الجزائر
من إصدارات (غوايات) عن مركز الطب الطبيعي للطباعة والنشر والتوزيع
صيدا – بناية صباح – الطابق الأول – البوليفار الشرقي لعام 2015
























