بيت جني ولحظة الوعي – اضواء – علوان السلمان

عندما يكون الوهم إبداعاً

بيت جني ولحظة الوعي – اضواء – علوان السلمان

 المنجز الابداعي تعبير عن واقع ثقافي وحضاري هدفه احداث تغيير الفكر والموقف من الوجود..والنص السردي بوصفه مجموعة من البنيات التي تنتظمه وتشكل هيكليته البنائية طاقة ايحائية لعالم افتراضي  تخييلي بخيوطه الناسجة لعوالمه على مدى وجوده التاريخي مع ما شهد من تحولات بنيوية في اجناسه..كونه نصا متمردا على الثبات لكن مضامينه الانسانية ظلت تيمته الاساس..باعتباره ضربا ادبيا يقوم على سرد الاحداث وتطورها وحركة شخوصها مع عناية بتصوير الابعاد الفنية والزمكانية ..

    و(بيت جني)..المجموعة القصصية التي نسجت عوالمها انامل مبدعها القاص حميد الربيعي واسهمت دار امل الجديدة في نشرها وانتشارها/2015..بصفتها تجربة تجسد الواقع الحياتي وتحاكيه بابعاد تاملية تشد متلقيها اليها..لانها مفعمة بالخيال المؤجج للوقائع المرتبطة بالحدث من اجل اضفاء جمالية تحقق المتعة والمنفعة..

  (روى ملا عبود انه في يوم قائظ امطرت السماء ضفادع ناقعة بالماء ومقصوصة الارجل من خلاف..جلدها لم يكن مخضرا ولا اسنا..بل يميل الى الاسود الفاقع كانها ظلت في شواية الشمس اطول فترة ممكنة..اهل الرصافة بعدما سمعوا بالضفادع النازلة من الفضاء لم يصدقوا واعتبروا اهل الكرخ يبالغون في الوصف..لكن بعد يومين من رواية الملا انزلت السماء عليهم قططا لا سمينة ولا نحيفة..كانت منتوفة الشعر كانها جزت قبل هطولها على هيأة زخات..اضطر اهل الصوبين الهروب من الشوارع واللجوء الى ضفة النهر..تجمهروا هنالك يسألون عما يجري..خاصة انهم لم يعهدوا في حياتهم او كتب التاريخ ان حدثا مماثلا  قد وقع في بغداد.. بالاضافة لاشهر الصيف التي تمر عليهم ثقيلة بسبب انحسار الامطار مواسم عديدة..الجمهرة كانت في البداية للقيل والقال..لكنها بعدما استانست لعدم انهيار الجرف الطيني من شدة الزحام تحولت لتبادل الاخبار..فلقد انقطعت الانباء ما بين الصوبين..منذ رحيل امراة المطر..)ص16..

   فالقاص يحاكي ما هو كائن وما يمكن ان يكون من خلال سعيه لتحقيق المشابهة بين الواقع المرئي والمتخيل باعتماد التنوع الاجناسي والتشكلات الاسلوبية التي تكشف عن التجاوز والتمرد على المعمارية والقوالب الجاهزة..فتستفز الوعي لما تحمله من بلاغة وعمق فكري ..فضلا عن انشطار الحكي الى عالمين متداخلين:اولهما خارجي انحصر في (المرئيات والمسموعات..)..وثانيهما داخلي تمثل في (البوح والتداعي والاستذكار والاسترجاع..)..

    (انا العارف باخبار امراة الماء..ابن عم احمد المسعودي..جدي ذو الحدبة..المدون لاخبار ملا عبود بكل حياته..صديق طارق الانباري..اقول:ثمة افك بهذا الحدث..الناس تخشى الحديث فيه..مخافة ان يكون واقعا حقيقيا..يحاولون اللف والدوران ويتحاشون عن عمد طرق الموضوع لقد تاكد بما لا يقبل الشك ان المدينة داخلة على قحط المراة التي كانت تكلل فرحهم بوجود النهر والماء قد ذهبت..لقد قالت لي بمنتهى الوضوح:سارحل…. ) ص20..

   فالنص يعتمد التكثيف النسبي مع استرسال في الافضاء بالمشاعر المتدفقة عبر ضمير المتكلم(انا) الكاشف عن الراوي العليم الذي يستعير من الشعر التوتر والكثافة الجملية والايحائية.. ومن الدراما الحوار وسرعة الايقاع..مع اعتماد عناصر القص ( حدث/ شخصية/فضاء مكاني(مفتوح ومغلق)/نسق زمني (استباقي واسترجاعي)/ رؤية/صياغة اسلوبية تطغى عليها تقنية الانزياح..)لتخلق الخيال المفاجيء الممزوج بالواقع المتميز بتنوع متنه الحكائي(اجتماعي/عاطفي/سياسي/نفسي..)..

  (كانت قد اباحت لخطيبها بعض الوان الملامسة في بدء العلاقة..بيد ان الخطوبة قد امتدت لاكثر من عام..ما وفرت فرصة له لتعويض حرمانه الجنسي..هي في البدء تصورت ان رغبته آنية ستزول ما ان يعتاد على رؤيتها لكنها اكتشفت على مر ايام الخطوبة ان ثمة رغبات في داخلها بدات تطفو على السطح..في الليل تختمر على هياة احلام لكنها في النهار تتحول الى ضاغط على الاعصاب ومن ثم تصير استسلاما امام ملاطفاته عند اللقاء..الملاطفات كانت عابرة منذ ان امسك الاصابع وهي ما زالت كل حين تعدهن وتحس نعومة الجسد الذي اشرق بعد تلك الرحلة الصباحية في الشوارع القريبة من الجامعة…) ص39..

    فالنص ينطلق من لحظة وعي يحققها السارد فيتجاوز الواقع الذي سلبت فيه ارادة الانسان وسحقت تحت تاثير الالة الحديثة وما افرزته من تداعيات وصراعات اجتماعية معبرة عن رؤية انسانية تقوم على التركيز الدلالي والرمز النابش للخزانة الفكرية للمستهلك بالفاظ موحية تثير التاويلات بتجاوزها المعنى الاحادي..ابتداء من العنوان الدلالة السيميائية التي بمجساته يستبطن الحدث وينضمر خلفه المنتج بكل خلجاته واحلامه.. كونه عنصرا بنائيا يسهم في مقاربة النص واستنطاقه ومنحه الهوية… بلونه الاحمر الدال على حركية الذات المازومة والواقع فضلا عن انه يشكل نصا موازيا وعتبة كاشفة عن هوية المنجز الابداعي المحققة لوظيفتها السايكولوجية..فهو يميل الى  حمولات فكرية ومرجعية اجتماعية.. وقد علاه الجنس الادبي وتوسد اسم النتج..وقد فرشت هذه النصوص روحها على لوحة فنية كانت الخيط الدلالي المتعالق وتيمات المتن عبر الوانها وحركة شخوصها وموجوداتها..  فهو مستل من بين العنوانات الفرعية التي توزعت ما بين لفظ منفرد يعلو هام النص كما في (استبدال/انتشاء/شغف/مدخرات/اسرار/احتفاء..) ..او لفظتين(صانعة الاحلام/رغبة ملحة/سروالي وردي/بيت جني/يازردالي/في البدء.)او ثلاثة الفاظ(اذن من طين/غسالة صاحبها سرحان..).. فضلا عن النصوص الموازية التي تعد استهلالات تصاحب المتن وتؤطره ضمن تداولية معرفية وثقافية..والتي كان اولها نص متناص وقول برتولد بريخت(غص الى الاعماق فهناك ينتظرك الدرس..)(كلما توغلت في العمق تكتشف بهاءها وروعتها وفتنتها..)..ص9..ومقدمة للدكتور الناقد حاتم الصكر يكشف فيها عن هوية الكاتب الابداعية وما يتبناه..(يتبنى حميد الربيعي رؤى (ماركيزية) بقاسم  مشترك هو الاستعانة بالعجائبي او الغرائبي من الوقائع.)ص8..

  (التقطني من طابور السيدات المتشحات بالسواد والذي يمتد طويلا امام بوابة دائرة الرعاية الاجتماعية يوميا..لم تكن نظرتي الى بنطلونه الضيق تثير الريبة فهو عادة ما يرتدي الملابس الضيقة وبالذات عند منطقة الورك حتى يبدو ما بين فخذيه كانه على وشك القفز الى الخارج..)ص69

    فالقاص يوظف الوصف الشاعري المقتضب والرمز الموحي باحداثه وافعاله المتوترة عبر لغة موحية خالقة لرؤية تتشابك فيها الفنون الادبية مع مسحة شبقية وتلذذ ايروسي..فضلا عن انه يثري نصه بتنويع الضمائر متنقلا ما بين ضمير المتكلم الى المخاطب فالغائب عبر جدلية الالتفات السردي وتغيير المنظورات الانعكاسية التي تكشف عنها فضاءات السرد متمثلة  بالفضاء المغلق(غرفة/منزل..)والمفتوح(محطة/شارع..)..

    وبذلك قدم القاص نصوصا متعددة الاشكال تكشف عن تمكن السارد من ادواته الفنية وتقنياته الحكائية مع دقة تصوير وتعبير وتشخيص..فضلا عن توظيفه الرمز الدال بلغة موحية بفعل مجازية الصور ودقة التراكيب المكتظة بالاستعارة والتشبيه للكشف عن النسيج النفسي والسلوكي للشخصية..