
رحيل يوسف حبي
بريق لم يخفت برغم السنين
– سامر الياس سعيد
تمر في الخامس عشر من تشرين الاول من كل عام ذكرى رحيل الاب العلامة الدكتور يوسف حبي حيث توفي سنة 2000في عمان بحادث سير مؤسف على رحيله وبرغم مرور كل تلك الاعوام فان بريقه لم يخفت من على الساحة الثقافية خصوصا تلك المقترنة بما ارتبط بالمسيحيين في العراق من لغة وفلسفة اضافة لتاريخ حواضرهم المسيحية من خلال اهتمام الراحل بها ومتابعته لادق المحطات التي مرت بها وحسنا فعل الكاتب ادمون لاسو حينما اعاد الحياة للراحل من خلال الاهتمام بطبع دراساته وابحاثه عبر ضمها بكتب متخصصة وبعناوين تبرز دقة حدس الاب حبي وتنبؤه بما سيعيشه اقرانه بعد عقد من رحيله وقبل الدخول في سلسلة الكتب التي اعدها لاسو عن فكر الاب الراحل يوسف حبي تستقصي ما رسخ بذاكرة مجايلي الاب وما كتبوه عنه في كتبهم التي اختصت بالبحث والتقصي عن وجوه موصلية لاسيما المؤرخ الموصلي عبد الجبار محمد جرجيس حيث ذكر الاخير بانه زاره في مقره ببطريركية الكلدان بمحلة خزرج قرب كنيسة مسكنتة حيث كان يومها يراس تحرير مجلة بين النهرين والتي اصدر العدد الاول منها عام 1973 وجاء بترويستها انها مجلة فصلية حضارية تراثية وتوسع جرجيس في ذكر عدد من المحطات التي طرزت سيرة الاب حبي لاسيما سعيه لتاسيس كلية بابل اللاهوتية للدراسات التاريخية والدينية والفلسفية وختم في سياق حديثه عبر كتاب جرجيس المعنون بوجوه موصلية بان الاب يوسف حبي من الرجال الذين خدموا العلم والفكر والتراث والثقافة ولم يكن متعصبا بل كان يعمل من اجل الحقيقة بينما اكتفى الاب سهيل قاشا وعبر كتابه عن مسيحيي العراق بايراد جوانب يسيرة من سيرة حبي الشخصية لاسيما حصوله على ماجستير في الفلسفة واكثر من دبلوم عال من روما اضافة لمناصبه التي تسنمها ومنها عميد كلية بابل ومسؤول لجنة النشر الدولية للنصوص القانونية المشرقية ونائب بطريرك الكلدان للشؤون الثقافية وبلغت عدد مؤلفاته نحو عشرين كتابا وعشرات البحوث والمقالات والدراسات حيث نشر اغلبها في المجلات العراقية والعربية والعالمية ومن ضمن الذين تناولوا سيرته الدكتور ابراهيم العلاف الذي ذكر بان حبي خدم الفكر والتراث والثقافة العراقية والعربية بكل جد واخلاص ولم يكتف بالتركيز على الاضافات النوعية لحضارة ما بين النهرين الى الحضارة الانسانية وانما ركز على القيم الايجابية في تراثنا وتاريخنا وحضارتنا ولاسيما قيم الخير والتسامح والسلام والمحبة والعمل والاخلاص والحكمة والتواضع والايثار والاحترام وقد توسع المؤرخ بلاوي الحمدوني في سرد تفاصيل من محطات الاب يوسف حبي حيث ذكره في سياق كتابه المعنون سدنة التراث الموصلي والذي صدر عام 2018.
تقصي المنجزات
ومما يشار اليه في سيرة الاب حبي انه بالاضافة للكتب التي اصدرها في حياته والتي ناهزت على ال20 كتابا فانه يذكر له ان الباحث ادمون لاسو اضطلع بمهمة تقصي المنجز الثقافي والادبي للاب يوسف حبي من خلال اصداره لكتب ضمت دراسات وبحوث الراحل في ظرف الاعوام السابقة وسنوجز ما احتوت تلك الكتب من تلك الدراسات القيمة والمهمة فعلى سبيل المثال احتوى كتاب مستقبل المسيحية في العراق والذي اعده لاسو في عام 2014 على ثلاث دراسات تاملية استشفافية عميقة دبجها يراع الاب حبي حيث اشار لاسو الى تلك الدراسات مثلت وثائق مهمة للمرحلة الصعبة التي كان الشعب العراقي يجتازها عموما ابان تسعينيات القرن العشرين فقد نشر الاب حبي الدراسة الاولى بعنوان نحو رؤية واضحة وذلك في مجلة الفكر المسيحي بالعدد 370 الصادر في كانون الاول 1991 وفي تلك الرؤية دعا الاب حبي لتحريك الكنيسة بطاقات الامل والرجاء والتنبيه بمستقبل علينا بنيانه بالفكر والحمية والسواعد ومما ضمته تلك الدراسة تساؤل اطلقه الاب حبي في كيفية التوفيق بين واقع بلد وكنيسة منتهيا الى اننا باجة الى ومضات امل ولاشك ان تلك الومضات ستتحول نيرانا تحرق الفاسد فضلا عن ان تلك الومضات تنمي فينا بذار الحياة الحقة فتمد غرسات يانعة تحمل ازهارا فواحة وثمارا شهية نغذي بها انفسنا وشعبنا والعالم اما الدراسة الثانية فحملت عنوان قراءة معمقة في مستقبل مسيحية العراق ونشرها الاب حبي في مجلة بين النهرين باحد اعدادها الصادرة عام 1995 وقد استهلها بايضاحات مشيرا بان هذا الموضوع صعب التناول وتتطلب معالجته الكثير من الدقة والفطنة مضيفا بانه لايجوز فصل مسيحية العراق عن مسيحية بلدان مجاورة ولا التغاضي عن توزع المسيحيين العراقيين في الشتات محاولا الاشارة الى ان المسيحية ليست روحا مجردة بل تجسدا يتفاعل مع الازمنة والامكنة والحضارات وفي ثالث تلك الدراسات وضع الاب يوسف حبي اصبعه على جرح المسيحية في العراق ليحاول عبر دراسته التي نشرها بمجلة بين النهرين في احد اعدادها التي صدرت عام 1998 الاجابة حول سؤال الهجرة نعمة ام نقمة محاولا الاشارة الى ان موضوع الهجرة هو في قلب كل منا فلاعجب ان تاتي التشخيصات والاحكام متغايرة وما نتمناه عبر تلك الدراسة الاتفاق على الاساسيات وقد اهتم الاب حبي في اللغة ايضا فالى جانب ما انتجه من مؤلفات اثناء حياته والتي اختصت على سبيل المثال بكتاب حنين بن اسحاق والذي اصدره عام 1974 وترجمته لكتاب طريق الى الفرح عام 1970 فضلا عن ترجمته لكتاب علوم البابليين واصداره لكتاب الانسان في ادب وادي الرافدين وكنيسة المشرق بجزئها الاول وتاريخ ايليا وبرشنايا تحقيقه لكتاب تواريخ سريانية سنة 1983 فضلا عن تحقيقه لكتاب الدلائل لحسن بهلول.
ومما يشار لاهتمامه باللغة ان الباحث ادمون لاسو جمع كل ما اختص بدراسته حبي في ادب السورث ليصدر بذات العنوان في عام 2014واحتوى الكتاب المذكور الى بحث مترجم كتبه برونو بوازا وترجمه الاب حبي تحت عنوان الارامية السريانية السورث حيث نشرها بمحلة بين النهرين في عددها المرقم 17 والصادر عام 1977 ونشرت له مجلة المثقف الاثوري دراسة بعنوان قواعد السورث ومعاجمها وذلك بعددها الصادر في خريف عام 1977 كما تقصى الاب حبي عددا من ادباء السورث الاوائل ليكتب عنهم مقالة نشرها بمجلة مجمع اللغة السريانية عبر مجلدها الرابع والصادرة في بغداد عام 1978كما اضاء حبي في مقالة اخرى نشرها في مجلة المجمع العلمي العراقي الهيئة السريانية بعددهاالصادر 1979 عن تراث السورث الادبي في القرن التاسع عشر وكانت خاتمة تلك المقالات التي احتواها كتاب ادب السورث مقالة لحبي عن تاريخ الادب السرياني في العصور المتاخرة والحديثة وهي مقالة في الاصل لرودلف ماسخ ترجمها حبي ونشرها بمجلة المجمع العلمي العراقي الهيئة السريانية بعددها الصادر عام 1981 ومما يشار اليه في هذا الاستعراض اصدار لاسو لكتاب اخر من ضمن مشروع احياء الارث الفكري للاب يوسف حبي حيث كان ذلك الكتاب بعنوان الفلسفة السريانية وقد صدر ايضا عام 2014ومما ضمه الكتاب المذكور دراسات ومقالات لحبي منها اصالة السريانية ومساهتمها في البناء الحضاري وقد نشرت في مجلة المجمع العلمي والصادرة عام 1983كما ضم الكتاب دراسة حول الفلسفة السريانية وكان حبي قد نشرها بمجلة المجمع العلمي بمجلده الثامن الصادر عام 1984كما تقصى حبي لاسهام السريانية في الحضارة العربية والعالمية والدراسة منشورة بمجلة بين النهرين في عددها المزدوج 73-74 والصادر عام 1991 فضلا عن دراسات اخرى عديدة وما يشار اليه بان الاب الراحل يوسف حبي كانت له المئات من الدراسات والبحوث .
اصدار كتب
وقد استقصى لاسو عددا منها ليضمها في متون الكتب التي اصدرها قبل نحو خمس سنوات او ما يزيد وبرغم اهمية ذلك المشروع فان مسؤولية احياء الدور الانساني والفكري للاب حبي يضطلع بمحاولات اخرى نجدها اكثر مقبولية وتقع على عاتق المؤسسات سواء تلك الخاصة بالمسيحيين او ما يتعلق بالشان الثقافي العام كون ان المؤرخين والباحثين اجمعوا على اهمية ما قدمه الاب حبي للساحة الثقافية العراقية.























