برج الفتاة والقدر المحتوم – طالب سعدون

نبض القلم

برج الفتاة والقدر المحتوم   – طالب سعدون

 

من يزر مدينة ( اسطنبول )  التركية يطالع عينيه  ( برج الفتاة) شاخصا عند المدخل الجنوبي لمضيق البسفور من الجانب الاسيوي ، يجلب الانتباه  في إرتفاعه في عرض البحر ، وتدفع اسطورته ( مبنى ومعنى ) ،  الزائر للمدينة لرؤيته عن قرب ، واستطلاع  ليس فقط ما في داخله ، والاستمتاع بما فيه  من وسائل للراحة والترفيه  ، ويجد ما يشتهي  من المأكولات والمشروبات ، وكذلك ما حوله من اجواء خلابه ساحرة  ، وانما للاطلال  منه  ايضا على مدينة اسطنبول ومعالمها  الكثيرة ،  وجسر البسفورالقريب منه ، وحركة البواخر والمراكب التي تمر حواليه  …

 نُسجت عن هذا البرج او ( المنارة ) كما يسمى ايضا  الحكايات ، وأخذ تسميته وأهميته منها ، ومن اشهرها أن أحد السلاطين رأى في المنام  رؤيا ( قضت مضاجعه ) ، وأرقته ، ونغصت عليه حياته ، وجعلته في قلق دائم ،  وتفكير مستمر  لخلاص ابنته  مما رأه ،  وهو أن حية  ستلدغها في عيد ميلادها الثامن عشر وتموت بسببها ..

فكيف يبعدها عن اليابسة ، ويجعلها في مأمن من وصول الحية اليها .. فوصل بتفكيره الى أن يبتي  لها برجا في البحر  ليبعد عنها الخطر ، بعد ردم جزء من مضيق البسفور ، وبذلك تصور أنه سيضمن سلامتها ، ويمنع  وصول ما يقلقه اليها …

 لكن القدر لا يعرف الحواجز والموانع  والحدود ، اذا كتب على الانسان … و( يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ).. فقد تسلل ثعبان اليها مع  سلة  فيها فاكهة قدمت اليها بمناسبة عيد ميلادها الثامن عشر وهي في هذا البرج المنعزل عن ( العالم الخارجي ) ،  عدا والدها طبعا ،  الذي كان في تواصل دائم معها ، ولدغها  هذا الثعبان ( المتسلل ) عبر البحر وماتت …

وبذلك اصبحت  اسطورة أقرب الى الخيال وحكاية تتداولها الالسن والكتب …

ولا نريد في هذه الاسطر أن نتناول هذا البرج  ذا الطوابق الستة ، بارتفاع 23 م ، ومراحل  تقدمه واستخداماته المختلفة الى إن استقر على وضعه الحالي كمعلم سياحي وتاريخي  مهم في اسطنبول  ، بل  أن نأخذ العبرة منه  وهي :

 أنه ليس هناك خلاص من القدر المكتوب والمحتوم مهما حاول الانسان أن يتجنبه ، وقد يأتي  اليه ( من حيث لا يحتسب )  ..

( وما كان لنفس أن تموت الا باذن الله كتابا مؤجلا )  .. الى أن يحين موعده …

 وبهذه القصة المأساوية ..  يمكن أن  يعد برج الفتاة  في اسطنبول  اسطورة  يختصر  فلسفة ( الاقدار والمانيا ) التي يعجز الانسان من أن يجد تفسيرا  لها ،  في بعض  الاحيان ، وفي مواقف معينة غير ان يستسلم لها ويفوض أمره الى الله …

 ولا راد لحكمه …

 وكم من اشخاص فروا من مناطق الخطر في مواقع القتال ، وماتوا (حتف انوفهم) في بيوتهم .. أو في حوادث لا علاقة لها بجبهات القتال ، وكان أسلم لهم ، وآمن لو ظلوا في مواقعهم القتالية  …

وكم من أخرين غادروا بلدانهم  خوفا من الموت بسبب ما تتعرض له من كوارث وحوادث وحروب وماتوا خارجها …

( وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ، وما تدري نفس باي ارض تموت ،  إن الله عليم خبير ).. ..

وبهذه القصة يكون برج الفتاة  قدم درسا  لزائره عن  القدر والقلق والمستقبل  .. فلا يقلق الانسان  كثيرا على غده  ، ما دام  المستقبل  في الغيب ولا يعلمه الا الله .. ويعيش حاضره بكل ابعاده ، ولا يحمله متاعب الامس وقلق الغد  ، فيخسر كل شيء  ، وعليه ان يعيش حياته كما ارادها  سبحانه وتعالى لنا  ببساطة  واطمئنان وتسامح وعدل وتعاون ومحبة  ، ولا يظلم أحدا بما في ذلك نفسه  ، لانه لا يعرف موعده  مع قدره  ، فقد يأتيه بغتة ، او متسللا من مأمن ، ومن حيث لا يدري …

درس أخر …وهو أن المال ليس كل شيء في الحياة ، ولا المنصب ، ولا يمكن ان يدفعا ما كتبه الله …

كلام مفيد :

رب سكوت خير من كلام ..

وضمن هذا المعنى قال الامام الشافعي :

يخاطبني السفيه بكل قبح

فأكره أن كون له مجيبا

يزيد سفاهة واُزيد حلما

كعود زاده الاحراق طيبا

وبالمضمون نفسه قال الشافعي ايضا  :

قالوا سكت وقد خوصمت قلت لهم :

 إن الجواب لباب الشر مفتاح

والصمت عن جاهل أو أحمق شرف

وفيه أيضا لصون العرض إصلاح

ألم تر الاُسد تُخشى وهي صامتة

والكلب يُخزى لعمري وهو نباح