باصات السيد وحدود الغضب 

 

رافد جبوري

 صورة الباصات السورية وهي تنقل مقاتلي تنظيم داعش كانت صادمة ومحيرة لكل من شاهدها. نتيجة اتفاق بين حزب الله اللبناني و تنظيم داعش يؤدي الى اجلاء المئات من عناصر التنظيم الى مأمنهم في مدينة البوكمال على الحدود العراقية السورية. الحدود التي هي ساقطة عمليا اذ ان جانبيها يقعان في ولاية الفرات بحسب التقسيم الاداري لتنظيم داعش الذي يسيطر على تلك المناطق.

مع الصدمة والحيرة جاءت ردود الافعال الغاضبة لعراقيين من كل الاطياف وبضمنها الوسط الشيعي. لا ادري كم هو دقيق وصف احد مقدمي البرامج العراقيين بان الشباب الشيعة العراقيين يضعون صور الامين العام لحزب الله حسن نصر الله خلفية لاجهزة هواتفهم النقالة, فالعراقيون عموما ليسوا مودلجين الى هذه الدرجة بسبب تجاربهم الطويلة المريرة. لكن الواضح والمهم ان لا حزب الله ولا حليفه الكبير وراعيه المتمثل بايران استطاعوا تسويق قضية الاتفقا مع تنظيم داعش واجلاء عناصره بالباصات المكيفة اعلاميا للجمهور الذي يهتمون به في العراق.

رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي اعلن ان الاتفاق غير مقبول ووصفه بالمهين للشعب العراقي. لكنه طلب من الحكومة السورية التي وافقت وسهلت تنفيذ الاتفاق بالتحقيق فيه! وسائل الاعلام العالمية تلقفت هذا الموقف رغم انه تقريبا لا يشكل موقفا عمليا لان الاتفاق جرى وكان. ورغم ان موقف العبادي وصف بالبارد الا انه كان كالعادة محظوظا اذ بدا متمايزا عن موقف سلفة نوري المالكي الذي امتدح الاتفاق رغم الغضب الشعبي واشاد بالامين العام لحزب الله.

جاءت بعدها رسالة نصر الله الى العراقيين لتبرير الاتفاق. وفرت الرسالة دفاعا انتظره انصار التيار المتحالف مع ايران ومحورها في العراق لكنه لم يكن مقنعا للغاضبين. ولكن ماهي حدود الغضب الذي نتحدث عنه؟ من اجل نعرف ذلك علينا ان نثبت ان الاتفاق كان نتيجة الواقعية السياسية التي يتحرك حزب الله استنادا لها وان كان يرفع شعارات المقاومة والقدسية التي استوردتها منه احزاب ومجموعات مسلحة عراقية. الاتفاق حقق لحزب الله اكثر من مكسب لكن اهمها تخليصه من جيب لتنظيم داعش في القلمون وجرود عرسال كان من الصعب على الحزب التعامل معه في ظل انتشاره في جبهات اخرى في سوريا وفي المقابل من الصعب تركه لانه قريب من العمق اللبناني وبامكانه  ان يوفر لتنظيم داعش فرصة للهجوم على المدن اللبنانية وخصوصا في سهل البقاع القريب ذي الغالبية الشيعية.

مع موقف العبادي المشار اليه اعلاه لم يبرز رد فعل مندد لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر, رغم تصدر انصاره للغاضبين من الاتفاق. فالصدر صديق لنصر الله ومقيم احيانا في بيروت بضيافته مما يجعله محرجا على المستوى الشخصي من ان يدين الاتفاق رغم انه معروف بصراحته. من غير المرجح اذن هنا ان يتحول الغضب الشعبي الى تيار يحدث تغييرا استراتيجيا في المعادلات العسكرية في موجهة تنظيم داعش وخصوصا الجزء الذي تقوده وتتحكم فيه ايران.في المقابل من المتوقع ان تستوعب القوى المتحالفة مع ايران في العراق لشيء من الصدمة الاعلامية التي حدثت وتعيد استيعاب جمهورها واقناعه.

اما الهزة والشرخ الذي احدثه اتفاق حزب الله-داعش فقد حركا مياه راكده في المعادلة الطائفية. لكن هذه الحركة تنتظر من يحولها الى قضية ومبادرة وتعزيز للهوية الوطنية ودور عراقي مستقل موثر. دور لا يدخل بالضرورة في توترات ومهاترات مثلما كان يحدث داخليا وخارجيا في السنوات السابقة, لكن يتمتع بقوة الردع التي تجعل الاخرين يحسبون حسابه. وكل تلك امور مازالت بعيدة.