بارونات الإعلام.. روبرت مردوخ إنموذجاً – سعد كاظم الطائي

بارونات الإعلام.. روبرت مردوخ إنموذجاً – سعد كاظم الطائي

تعد ظاهرة احتكار وسائل الاعلام بواسطة قلة قليلة من الاشخاص ظاهرة خطرة أي مجتمع من المجتمعات الديمقراطية، ذلك ان هذا الامر يعرض حرية تداول المعلومات وحرية التعبير والرأي العام لوضع مقلق قد يصل الى درجة الخطر وذلك بفعل سيطرة مجموعة محدودة من الاشخاص على وسائل الاعلام التي هي ادوات او وسائل ثقافية ومعلوماتية وفكرية وتفاعلية في المجتمع.   وفي هذه الحالة فان هؤلاء الاشخاص ملاك وسائل الاعلام سيعملون على توجيه الاعلام بشكل عام فيما يصب في مصلحتهم ويؤثر بصورة كبيرة جداً على القيم الاخلاقية للاعلام وعلى اهداف ووظائف وسائل الاعلام، لان غاية ما يطمحون اليه هو تحقيق  مكاسبهم الاقتصادية او الشخصية.      وروبرت مردوخ هو احد هؤلاء الاشخاص الذين يشكلون ظاهرة على الساحة الاعلامية الغربية والذين تتوافق اهدافهم ومطامحهم ورؤهم مع تذهب اليه العولمة بكل ابعادها.

العولمة الاولى:

          ولد روبرت مردوخ في آذار 1931 في ملبورن في استراليا لاب وام اسكتلنديين وبدأ حياته المهنية في استراليا بمجموعة من الاعمال ثم ما بث ان وسع اعماله لتشمل الاستحواذ على وسائل الاعلام لاسيما المتعثرة منها وذلك لادراكه اهمية الاعلام في المجتمعات الحديثة وما باتت تشكله من دور حيوي ورئيسي في حياة الناس بحيث اصبحت لا يمكن ان يستغنوا عنها.

فاشترى العديد من الصحف وقنوات التلفزيون في استراليا. ولم يكتف بالاستحواذ على حصة كبيرة من السوق الاعلامية الاسترالية بل عمل على التوجه الى العالمية فكانت اول محطاته بريطانيا، مهد الصحافة الليبرالية والمدرسة الاعلامية العتيقة حيث اشترى سنة 1969 صحيفة نيوز اوف ذي وورلدالاسبوعية والتي كان يبلغ حجم توزيعها 2,6  مليون شحنة ثم عمل على شراء صحيفة النص ولم يكتفي بذلك بل عمل على تملك العديد من الصحف ووسائل الاعلام الاخرى ليوسع امبراطوريته الاعلامية.        ويعد النجاح المهم الذي يسجل له سيطرته على صحيفة “التايمز” في نهاية السبعينات من القرن الماضي والتي تعد اقدم واعرق الصحف البريطانية اذ استغل مرور هذه الصحيفة بازمة مالية حادة وتراجع مبيعاتها وحدوث مشكلات عديدة مع عمال المطابع فيها مما عرقل صدورها لفترة معينة، ما قدم على شراءها رغم احجام الكثيرين على الاستثمار فيها او مساعدتها بسبب الظروف الصعبة التي كانت تمر فيها وخوفهم من المستقبل الذي كان ينتظر هذه الصحيفة.

          وتعود محاولات مردوخ لتملك صحيفة التايمز لادراكه التام لما تمثله من ثقل كبير في تاريخ الاعلام بشكل عام وما تقوم به من دور كبير ومهم جداً ومؤثر في كثير من الاحيان في عالم السياسة. ثم عمل على الانتقال الى السوق الاعلامية الامريكية بكل ما تشكله من حجم كبير ووزن اعلامي لا يقارن بالدول الاخرى بسبب اهمية الاعلام الامريكي داخلياً وخارجياً في العالم اجمع، فاستحوذ سنة 1973 على صحيفة سان انطونيو اكبرس ثم صحيفة ستنار بعدها استحوذ على صحيفة نيويورك بوست وذلك سنة 1976 فضلاً عن استحواذه على وسائل اعلامية امريكية اخرى.

السياسة الاعلامية لربورت مردوخ:

          ينظر مردوخ لوسائل الاعلام على انها مشاريع اقتصادية الهدف منها جلب الربح فقط من دون النظر اطلاقاً الى واجبات ووظائف الاعلام المثالية، فهي لا تهمه بشيء لا من قريب ولا بعيد ما دام انها لا توصله ما دام انها لا توصله الى هدفه الاساس الربح فقط وليس غير ذلك.

          تعمل بذلك على الهبوط بوسائل الاعلام التي يمتلكها الى ادنى مستوى اخلاقي في سلم اخلاقيات مهنة الاعلام وجعل منها وسائل تتناول موضوعات الاثارة والفضائح واخبار المشاهير وكل ما من شأنه تعزيز الارباح المالية على حساب الارباح المعنوية والخلقية والتي لا تعرف قيمة او سعراً ما في اسواق المال والاعمال، لذا فهي اخر ما يهتم بها او يلتفت اليها او يعيرها ادنى اهتمام.       فهو حينما اشترى صحيفة الصن البريطانية قام بتغير سياستها الاعلامية فاتجهت الى تغطية الموضوعات الهابطة بمستويات القراء ونجحت الصحيفة في الانتشار جماهيرياً على حساب النوع الذي ذهب ادراج الربح والكسب وزيادة المبيعات.

          ويعمل مردوخ على التقرب اكثر ما يمكنه في تغطية الاخبار والموضوعات المختلفة في التقرب الى الاتجاه اليمني المحافظ في عالم السياسة فهو لا يسمح بتناول أي موضوع او خبر او أي حديثمن شأنه المس بالتيار اليمني في الدول الغربية فهو جزء منه بكل الابعاد والمقاييس والمصالح وارتباطه به ارتباط وجودي لا انفصام بينهما. وهو ينحو بوسائل اعلامة ان تماشي السلطات الحاكمة وبالاخص الذي تربطهم به علاقات اقتصادية او سياسية تمكن له المزيد من الاستحواذ على السوق الاعلامية وكثيراً ما وجهت الانتقادات للصحف وشبكات التلفزة التي يملكها بانها تميزت في غالب الاحيان وكأنها وسائل اعلامية ناطقة للحكومات التي يقيم معها علاقات واسعة، فهو يعمل على خدمة مصالح هذه الحكومات اعلامياً بالقدر الذي يسعى الى ان تخدمه في مجالات تحقيق اهدافه ومطامحه.        فاصبح الاعلام في تقديره تغطية لموضوعات الاسفاف والاثارة والهبوط فيما يخص الموضوعات العامة وتغطية كل ما من شأنه عدم التاثير سلبياً على العلاقات الجيدة التي تربطه بالسلطة ولو كان ذلك على حساب الموضوعية والحقيقة لانها بالنتيجة ستؤثر سلباً على علاقاته الاقتصادية وما يطمح في تحقيقه من المزيد من الارباح وتوسيع امبراطوريته الاعلامية المترامية الاطراف حول العالم.

الامبراطورية الاعلامية :

          تقدر ثروة روبرت مردوخ بـ   فهذه الثروة الطائلة مكنته بشكل كبير جداً من المزيد من عمليات الاستحواذ على وسائل اعلام اخرى واضافتها لامبراطوريته الاعلامية المترامية الاطراف حول العالم والممتدة من استراليا الى بريطانيا الى الولايات المتحدة فضلاً عن العديد من الدول الاخرى، الامر الذي مكن له ان يكون سلطة واسعة جداً عمادها الاعلام وقاعدتها علاقاته ومصالحه المتبادلة مع صناع القرار السياسي في الدول الكبرى فامتلك نفوذاً واسعاً ومتزايداً في مختلف دول العالم بواسطة الامبراطورية الواسعة التي يمتلكها فبفعل هذه الامبراطورية مد نفوذه على العديد من فئات الجمهور في العالم واثر فيها وفق مصالحه الشخصية ومطامحه الاقتصادية ووفق ما يراه مناسباً في مجال السياسة الاعلامية ومن المعلوم ان مضمونات وسائل الاعلام التي يمتلكها تتضمن الكثير من الموضوعات والمحتويات الهابطة والمسفة في سلم القيم الانسانية مما اثر سلباً بفئات واسعة من الجمهور ومد نفوذه الاقتصادي في عالم الاقتصاد بشكل كبير جداً بفعل الارباح الكبيرة والمتزايدة التي يحصدها بواسطة وسائل الاعلام التي يمتلكها وتمكن من النفوذ في عالم السياسة بواسطة العلاقات الواسعة التي تمكن من اقامتها مع صناع القرار السياسي في الدول الكبرى فضلاً عن دول مختلفة اخرى.

          وتعد مؤسسة نيوز كوربريشن News Corporation عماد امبراطوريته الاعلامية وهي تاتي بالمرتبة الرابعة حسب تسلسل المؤسسات الاعلامية العشرة الاولى في العالم حسب بعض التقديرات. وتبلغ ميزانية هذه المؤسسة اكثر من 2,28 مليار دولار.

 في حين تبلغ الارباح السنوية التي يجنيها من هذه الامبراطية الواسعة مئات الملايين من الدولارات سنوياً .

          وللمثال على ذلن فان الارباح التي حصدها في سنة 1994 لوحدها قدرت بـ991 مليون دولار. وتضم مجموعة نيوز كوربريشن اكثر من 132  صحيفة و25 مجلة في الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا و22  محطة تلفزيونية من بينها محطة فوكس التلفزيونية وشركة فوكس Fox  للانتاج السينمائي وشبكة ستار للبث الفضائي فهذه الشركة هي شركة مختصة في مجال الاقمار الصناعية للاغراض لاعلامية وهي تتقاسم السيطرة على والتحكم في نظام الاقمار الصناعية المباشرة في الولايات المتحدة مع شركة كومكاست في مؤشر واضح على مدى النفوذ الهائل الذي تتمتع به هذه الشركة وتحوز هذه الشركة على فضائيات واسعة للبث المباشر في قارات اوربا واسيا وامريكا اللاتينية وبذلك فان سيطرتها تمتد الى افاق واسعة جداً حول العالم.

          وتضم امبراطوريته الاعلامية فضلاً عن ذلك دار هاربر كولينز للنشر في بريطانيا ودار هاربر اندرو في الولايات المتحدة. وهو يحتكر لوحده 40? من الصحافة البريطانية في سيطرته متعاظمة ونفوذ واسع لا يملكه شخص اخر بمفرده على اكبر الاسواق الاعلامية الاوربية واكثر عراقة ومهنية في مجال صناعة الصحافة.

          ولم يكتفي مردوخ بكل هذه الامبراطوريو المترامية الاطراف المكونة مع عدد هائل من وسائل الاعلام بمختلف انواعها في العديد من دول العالم فعمل على مد نفوذه الى الافق الواسع الجديد في مجالات المعلوماتية والاعلام شبكة الانترنت فاقدم على شراء موقع ماي بيس Myspace الالكتروني والذي يتمتع بشهرة واسعة حول العالم بصفقة فاقت النصف مليار دولار.    مما سبق يتضح لنا مدى السيطرة الكبيرة جداً التي يتمتع بها روبرت مردوخ على الكثير من وسائل الاعلام بمختلف اشكالها حول العالم وما له من نفوذ هائل على الصناعة الاعلامية في العالم، هذه الصناعة ذات الاهمية المتنامية والمتعاظمة باستمرار في حياة المجتمعات الانسانية.

          ان ظاهرة الاحتكارات الاعلامية والتي تتم من قبل مجموعة من الشركات الاعلامية وبعض الشخصيات ذات الامكانيات المالية الكبيرة وذات النفوذ الكبير حتى في مجالات السياسة من اجل تسهيل، مطامحهم في المزيد من الاستحواذ والنفوذ من اجل دعم احتكاراتهم الاعلامية المتزايدة حول العالم ان هذه الظاهرة تشكل خطراً كبيراً على الحرية ا لاعلامية بشكل عام وعلى حرية التعبير وعلى التعددية في الاراء وفي طرح الافكار ووجهات النظر حول مختلف القضايا والموضوعات.

مصالح شخصية

          فهذه الشركات وهؤلاء الافراد يغلبون مصالحهم الشخصية ومطامحهم ويعملون على تعزيزها عن طريق وسائل الاعلام التي يمتلكونها، وبما ان وسائل الاعلام الخاضعة لسيطرتهم هي وسائل اعلامية كبيرة جداً وواسعة النفوذ ومتعددة في مختلف دول العالم فان منبع الخطورة سيزداد اذ ان عملية الطرح في الاراء والموضوعات وطريقة نقل الاحداث ستكون ذات وجهة واحدة وبما يرونه مناسباً او متفقاً مع سياستهم الاعلامية وستعمل بذلك وسائل الاعلام هذه على محاولة تشكيل الرأي العام العالمي او فئات واسعة جداً من الجمهور العالمي بالاتجاه الذي يطمحون او يعملون له.

          ان تمركز وسائل الاعلام وخضوعها للاحتكار من قبل قلة قليلة ظاهرة خطرة يجب التصدي لها من المؤسسات السياسية والثقافية وبقية المؤسسات والمنظمات العالمية من اجل العمل على بقاء الاعلام اعلاماً تعددياً في الاراء والافكار والرؤى كما هو الحال عليه في المجتمعات الانسانية المتعددة الثقافات والمرجعيات الحضارية والفكرية وبما يضفي على الفكر الانساني الصفة المميزة له وهي صفة التنوع الفكري والثقافي والحضاري وبما يشكل له عملية تلاقح فكري عن طريق التعددية وبما يسهم في انضاج وبلورة الثقافة العالمية بشكل عام.