
كلام أبيض
باب الجرذان – جليل وادي
لم يكن أمامي من سبيل سوى التوقف والاستدارة نحو اليمين لاغير اتجاه مسيري بالرغم من طول المسافة نحو مبتغاي، كنت قبل ذلك قررت أن أختصر الطريق وأسلك الدرب المعتاد، لم يبق لدي الكثير من الوقت، الظلام كان دامسا، والجرذان تتقافز بين قدمي، كما تتقافز الذكريات في ذهني، تحسست ابتسامة على محياي لوقائع حدثت في هذا المكان لا يمكن أن تنسى، لكن نباح عشرات الكلاب المتجمعة حول شي ما أعادني من التجول في الذاكرة للروائح النتنة التي زكمت أنفي، لا أعرف بالضبط أين أضع قدمّي، فكل الاشياء منزلقة، لم يكن بمقدوري تحديدها بالضبط، قد تكون أحشاء خراف او سمك، أجول بنظري يمينا وشمالا، المكان خال تماما من الناس، موحش ويبعث على الريبة، مع ان الوقت لا يتجاوز سوى نصف ساعة بعد الغروب، من يسمع استغاثتي اذا حدث امر ما في هذا الظلام الحالك، ما كان علي ان أسلك هذا الطريق، هذا ما قلته لنفسي في النهاية.
ربما بدأ بعضكم يفسر هذا الكابوس، ويذهب الى ان اعتراض الكلاب دلالة خير، بينما الجرذان علامة نحس،وان الاحشاء الحيوانية تحت قدمّي تعني رزقا سيأتيني، لا، لست أحلم، ولو كان كذلك لما كتبت لكم عنه، بل لاتصلت مباشرة بالعلامة علي الشيباني الذي فاقت شهرته بين العراقيين شهرة عبد الفلاح السوداني وماجد النصراوي وأيهم السامرائي الذين ينعمون الان بفراش وثير ونسيم عليل على الشواطيء التي يحبون، وتركونا بين حرقة البطاقة التموينية ولوعة الكهرباء الوطنية، علي الشيباني هو الوحيد الذي يجعل الناس تهيم بالخيال وتسبح في بحر من الخرافة، فله من القدرات ما ليس لغيره، ألم يوظف الاعلامي المبدع فيصل الياسري في مشروعه الخرافي الذي يحظى بمتابعة الملايين، بينما لا تحظى برامج قناة العراقية التي لا ادري كم تنفق من الخزينة دون ان تحقق اثرا ملموسا.
دعوني اقطع سلسلة أفكاركم، واؤكد لكم ثانية ان ما تعرضت له ليس حلما، بل واقعا، وفي منطقة الباب المعظم بدءا من المجسر وانتهاء بالمرآب، والذي لا يصدق فليذهب الى هناك الساعة الثامنة مساء، فالمرآب يغلق أبوابه عند الغروب مباشرة، أما السوق القذر الذي يخلو من المتبضعين في هذا الوقت فالحديث عنه يطول، لكني اجزم ان وزارة الصحة وأمانة بغداد لم يطلعا على المكان البتة، بالرغم من قناعتي انهما لن يعملا شيئا له، لان صحة الناس ليست من بين مشاغلهما، قذارة المكان جعلته مرتعا للجرذان، وأي جرذان انها بالمئات، وقد جعلت من النهار سباتا ومن الليل معاشا، منظر مقزز، ولو رأى الناس هذا المنظر ما تبضعوا من السوق أبدا، لذلك أدعو السيدتين وزيرة الصحة وأمينة بغداد لزيارة المكان ليلا والاستمتاع بروائحه وتشنيف آذانهما بنباح الكلاب السائبة، واذا لم يكن بمقدورهما معالجة حاله المزري، والحرص على أرواح الناس وغالبيتهم من الفقراء، فأن من العيب ان يبقيا في منصبهما، لا أشك اطلاقا في ان ما يكسبه الناس المارون من هذا السوق يذهب مباشرة الى الاطباء الذين تزدحم عياداتهم بالمراجعين طوال أيام السنة، كما هو حال مستشفياتنا، وكنا منذ نعومة الاظفار قد حفظنا مقولة (ان الوقاية خير من العلاج)، فكيف يكون حال الوقاية والبيئة مكتظة بالنفايات، وتعرف السيدة وزيرة الصحة التي تستورد (نعلا) بدل مواد التخدير التي تعاني المستشفيات شحتها الى درجة قللت من اجراء العمليات الجراحية بمعدل عملية واحدة لكل طبيب، ما جعل المواطن ينتظر أشهرا لاجراء عملية، او يرفع عينيه الى السماء مكسورا ويذهب الى المستشفيات الأهلية التي أضحت مكانا للسلب المشرعن، ان تقليل الزخم على المؤسسات الصحية يبدأ من الأهتمام بالبيئة، فباب المعظم لم يعد معظما، وأرجو ألا يظل قدره وقدرنا مرهونا بين جرذان البيئة وجرذان السياسة.
ديالى


















