الهنا  والهناك في قطارات تصعد نحو السماء لفاتح عبدالسلام

الهنا والهناك في “قطارات تصعد نحو السماء” لفاتح عبدالسلام

عوالم طالبي اللجوء والهجرة

خالد بريش

يشكل المكان للمهاجرين قسراً، الهاربين من أوطانهم، الباحثين عن اللجوء، مأساة حقيقية. فهم يعيشون في بلاد الغربة القسرية، حيث سهولة الحياة قياسا ببلدانهم. وحيث الاحترام لإنسانيتهم، ولحقوقهم كبشر. ولكن أرواحهم في ال « هناك »? بكل يومياته وتفاصيله. حتى في لقيمات الخبز المبللة بالمهانة وبالدماء أحيانا. والـ « هنا » لهم عربة قطار ركبوها، لترجعهم يوما إلى الـ « هناك ». فهم كانوا يظنون أنها مرحلة، أو مرحلتين. وبمقاييس الزمن سنة، أو سنتين. والقطار يصل إلى بر الأمان. وتمر الأيام، وتطوي بعضها، دون أن يُحسوا. فلا الـ « هنا »? بكل ما فيه من مباهج، وزينة، وحريات، وحقوق، استطاع استيعابهم، وطيّهم تحت جناحيه، وجعلهم ينسون، ويغيرون مفاتيح قلوبهم المعلقة في الـ « هناك » بكل آلامه… ولا استطاع الـ « هناك » أيضا أن يفتح ذراعيه مجددا ليضمهم أحياء، من قبل أن يأويهم رحمه في صناديق خشبية، أجسادا لا حراك فيها.

 الـ « هنا »? غربة مُرّة، تعتصر القلوب والمشاعر، مع كل خبر يتساقط على الرؤوس عبر الإعلام، ووسائل التواصل… والـ « هناك »? غدا حُلماً يتجدّد مع نسيمات الهواء، وضربات القلوب. وبالتالي كُتِبت على اللاجئ الغربة والاغتراب. فيحس في كل لحظة بحسرات تكويه. يريد الصراخ بأعلى صوته في وجه الزمن، ممزقاً جدار الصمت، وحواجز الغربة:

– أنا هنا يا وطني…!

يلعب القطار دوراً مهماً في تركيبة وديباجة المجموعة القصصية الجديدة « قطارات تصعد نحو السماء »? الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت. للكاتب العراقي فاتح عبد السلام. و تضم  المجموعة عشر قصص كتبت في الـ « هنا »? بينما نبتت حروفها، وأثمرت ترانيمها في الوطن، الرحم، الفردوس، الـ « هناك ». والقطار هو الراحلة، والمكان الذي يُخْتصر فيه الزمن. وتترعرع فيه الأحلام. وتتم اللقاءات. وتكبر الحكايات. وتُرْتكب الحماقات. إنه الـ « هنا »? و الـ « الهناك » في آن معا. تستقله كل عينات المجتمع؛ الصالح والفاسد، والبطل والخائن، والوضيع الذي لا يعرف الأخلاق ولا تعرفه.

والغريب المهاجر على سفر دائم، ولو كان مستلقيا على فراشه. وعليه أن يتخلّى عن رأسه، ويضع مكانه قبعة، ويدوس على قلبه، وفكره، ومشاعره. بل عليه أن ينسى ماضيه وتاريخيه. أعني تكوينه البشري والروحي، الذي بناه في الـ « هناك ». وكأن إنسانية الإنسان، وفكره ومشاعره، مجرد ثوب، أو حذاء، أو قبعة يخلعها ويستبدلها بأخرى…! إنها تراجيديا العبث التي لا يدركها ولا يعرفها إلا مَن انتعل حذاءه، وحمل حقيبته، وركب قطار الغربة واللجوء.

جموعة قصصية، تحتاج إلى أكثر من قراءة، لكي يتمكن القارئ من التسلل عبر سطورها، للإبحار في عوالمها، والتقاط ذبذبات التموجات التي قام الكاتب بإرسالها. لأنها تطرح أسئلة صعبة حول الغربة، والتغريب. وعوالم اللجوء. ومآسي المدنية المعاصرة. والحياة الروتينية التي يتحول فيها الإنسان إلى شبه آلة. وحول لو أننا نرث عن الآباء والأجداد المشاعر من ألم وحب وكره، كما نرث الخصائص الإنسانية، من لون عيون، وتقاسيم وجه وطبيعة. وأيضا حول الأديان التي غدت عامل عزل وإقصاء، عوض أن تكون كما أراد لها الله مرسلها إلى البشرية، عامل أمن وأمان، وبعث أرواح من رقادها، للعمل من أجل الإنسانية وسعادتها، أمنا وأمانا. ولكي تخرج الابتسامات من الأعماق، وتضعها على الشفاه والوجوه. وهي إشكاليات تفرض على القارئ التمهل عند منعطفات الفقرات، وربط الأحزمة.

تداخل العام

يتداخل العام في الخاص في سرديات الكاتب فاتح عبد السلام، وكثيرا من ذكرياته، وأيامه في بغداد المنصور والرشيد والمعتصم. بغداده هو التي تسكن بتفاصيلها المملة دواخله؛ قطار بغداد بمقصوراته وركابه وزبائنه الليليين. والنخيل، والقصب، والناس الأصلاء البسطاء. والصابون الرقي المزيل لوسخ القلوب قبل الجسد. و« أم سبع عيون » التي تدفع الحسد. وبخور بغداد المُسْكر، الساحر، المتصاعد من مباخر محلات سوق الشورجة، فيُغْرق مُسْتنشقيه في سحر عيون المها، المختيئة وراء الشناشيل في الرصافة، والأعظمية، وباب بغداد الشرقي. عيون مُكْتحلات بكحل يعربي، يجلب الهوى من حيث ندري أو لا ندري… ليحملهم في سفر طويل عبر عوالم ألف ليلة وليلة وشهرزاد التي ما زالت تهمس بحكاياتها النجوم كلّما كشف الليل سترها.

يفتح القارئ صفحات المجموعة، فتمر أمام ناظريه الذكريات كشريط سينمائي لا يتوقف عرضه على شاشات الروح والفكر. وصياح تفعيلات هوسة تأتي من الماضي: أسبغ وضوءك…! أنت في رحاب عراق العز، والكرامة، والتاريخ، وبدايات الحضارات الإنسانية… عراق التعددية، والثقافة المفتوحة نوافذها على العالم بأجمعه. عراق يفتخر زعيمه يوما بالوقوف إلى جانب الشاعر الكبير طاغور، الذي دعاه من الهند. وطلب من أكبر شعراء العراق حينها، استقباله عند الحدود الإيرانية. وذلك من قبل أن يأتي على العراق زمن يُمْتهن فيه الفكر والإنسان على حد سواء. طاغور الشاعر الفيلسوف، الذي انسابت حكمته في قصائد السياب، وباتت لياليها في شعر البياتي… عراق تسقي مياه دجلته العطاش وترويهم عزة، وشموخاً. عراق لا يفكر أهله بالاختلافات الدينية، والمذهبية. بل بكل ما هو مشترك مع الآخر. ( قصة: من بغداد الى ديفالي).

يقوم الكاتب بعملية فكفكة لواقعنا عامة، وللعراق خاصة. وذلك من خلال تفاصيل سردياته، والشخصيات التي اختارها لكي تلعب في ساحات أقاصيصه، وعلى مسرحها. ومن ثمّ قام بإسقاطاته عليها، معتمدا الترميز اللفظي، أو الحوار المباشر. فعندما تقول إحدى بائعات الهوى، لمفتش التجنيد في القطار الليلي: « أهو دائما نائم… إي نائم… نحن ما ينفعنا غير النائم…! »? يتساءل القارئ عندها بمرارة، فيما لو كانت تقصد فعلا ذلك الجندي البائس الهارب الذي ينام على المقعد بجانبها، والخائف من أن يحملوه إلى الجبهة؟ أم هي تقصد الشعب عموما ؟( قصة: المرأة القطّة والرجل القنفذ)

تحملنا السرديات إلى مجتمع الهجرة واللجوء. طارقة أبواب عالم ما زال موصدا، بالرغم من كل ما كتب عنه. وحديث عن واقع مر مؤلم. وعن نوستالجيا لا تعرف النوم، ولا الدخول في ثلاجات النسيان. حاضرة دائما، لتحدث لوعة، بل حروقا وجروحا دامية في الدواخل. وتطلعنا على قصص حدثت في عربات القطارات، ما بين لندن وضواحيها. وبين بغداد والموصل والبصرة. عالمان مختلفان لإنسان واحد، ومسافات كبيرة تختزلها روح الإنسان التي تعيش في كل تلك الأمكنة، حلما وواقعا في نفس الوقت والآن.

تمزق بشري

تغوص العبارات في أعماق حالة التمزق البشري والروحي للمغترب، لتُدْخل القارئ في عوالم ومأسي طالبي الهجرة واللجوء. الذين ينتقلون من معاناة الموت في البحر غرقا، إلى معاناة الحصول على الأوراق الخاصة باللجوء. وكيف يصبح الإنسان أداة على خشبة مسرح، يؤدي دورا لا يعرفه، ولا يتقنه، ولكن عليه أداؤه. وهناك من يحركه من كل الجهات، ليلعب دوره بما يتفق مع مصالحهم هم. غرباء تعشش أوطانهم في قلوبهم. ولكنهم يبحثون عن أغصان يختبؤون عليها في طريق غربتهم. كالطيور المهاجرة التي لا تبني أعشاشا في أثناء هجرتها، خريفية كانت أم ربيعية…! فاللاجئ لا يعرف اليأس، وعندما يصدر حكم بطرده، يعود مرة أخرى بعد أن يحرق بصماته بالأسيد، ويغير بعضا من ملامحه. ( قصة: لو كانت المحطة الاخيرة قريبة).

توقف الكاتب فاتح عبد السلام كثيرا عند الحرب الظالمة التي فرضت على العراق وشعبه. والتي بدأت بتآمر من الجار القريب، والعدو البعيد. وانتهت بتقاتل الإخوة الذين دخلوا على ظهر الحمار الأمريكي، أعني دباباته. حرب يختفي فيها الناس عن جداول الوجود والحياة. وينتقلون إلى جداول ملك الموت مجانا. في عبثية، لا يعرف فيها المقتول لماذا قتل، ولا بأي ذنب…! حرب عاشها الكاتب بانفجاراتها، ورصاصها الذي يدوي وينسج في الفضاء خيوطا، وعباراتها التي انغرست في أعماقه: رهينة، انبطح، اركض، أمرك سيدي، انتبه لرأسك، الخوف، الرعب، دوي الانفجارات، وأصوات محركات الدبابات الأمريكية، وهي تتجول في شوارع أبو غريب، الخ… الخ.( قصة:العراقي الذي حرّر لندن ). الحرب فاجعة، لا تغادر مخيلة من عاشها بتفاصيلها. إنها فجوة في القلب، والعقل، لا يمكن لأي شيء أن يغلقها، إلاّ الموت . ولكن هذه المجموعة القصصية لا تغادر فكر قارئها بسهولة ولو أغلق دفتيها.

{ كاتب لبناني