
الهزيمة من الداخل – عبدالكريم يحيى الزيباري
تبدأ، والنصر كذلك. وتظل الهزيمة والانتصار مفاهيم نسبية متغيرة:
نابليون، هتلر، صدام، وأفضالهم على شعوبهم بأحلام العصافير: شعبٌ يقوده صدام مكانه الذُّرَى، والذرى جمع ذروة أعلى الشيء وقمته.
قبل ألفي سنة، كتبَ الحكيم الصيني صن تسو عن أهمية الحرب النفسية في تحقيق النصر، وإخضاع العدو دون قِتال، ويبدأ الصراع النفسي بقاعدة: اعرف نفسك، اعرف عدوك.
كتبَ ميكافيللي سؤالاً: مَن الأحقُّ بالأمن؟ الأمير الذي يريدُ أنْ يُحَب أم الذي يريد أنْ يفوز؟ القوة هي الحق.
كتبَ كلاوزفيتز: “الحرب استمرارٌ للسياسة”، والسياسة استمرارٌ للحرب، مع اختلاف الوسائل والأدوات، وتقضي الاستراتيجية: نتراجع إذا أوغلَ العدو في التقدم، وحالما يرقد مستأمناً طالباً الراحة والاستجمام، نباغته ونقضُّ مضجعه، ومِن مأمَنِهِ يُؤتى الحَذِر، استراتيجية حرب العصابات التي نجحت مع كاسترو وغيفارا في كوبا 1956- 1959 وفشلت فشلاً ذريعاً في بوليفيا التي أعدمت غيفارا 1967، لسبب بسيط وغير متوقَّع استطاعت الاستخبارات المركزية الأمريكية تجنيد الكوبي المنفي فيليكس رودريغيز مخبراً في قسم النشاطات الخاصة.
السلطة الحكيمة لا تفعلُ شيئاً، دون النَّظر في العواقب والاستعداد لأسوأ الاحتمالات والتأثيرات على الاستقرار والأمن، وفي صحيح مسلم (لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم فإنَّ قريشا حين بنت البيت استقصرت ولجعلت لها خلفا) وفي صحيح البخاري (دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه). والنظر في العواقب تلقيح للعقول، وليس للأمور بصاحب من لم ينظر في العواقب، والعاقل يعرف الكتاب من عنوانه، يرى مقر سهمه من رميته. لكنَّ النتائج قد تكون غير محتملة، ولا واقعية، من مثل:
بدأ غورباتشوف البيروسترويكا 1987 بغية إحياء الاتحاد السوفيتي وليس تدميره، وعبثاً حاول إيقاف العجلة التي خرجت عن السيطرة، وانهارَ الاتحاد كله في غضون خمس سنوات.
كانت اليونان القديمة منقسمة إلى مدن متحاربة ومتنافسة على الموارد والسلطة، والصراع القديم بين أثينا وإسبارطة، مما أغرى ملك الفرس خشايارشا الأول إلى غزوهم 480 قبل الميلاد، مع العصبية والرؤية الموحدة وعدم السَّماح بأدنى اختلاف في بلاطه وهو الابن الأصغر للملك داريوس الأول، تسبب بالاندحار أمام أول هزيمة. وقفَ ملك إسبارطة ليونيداس مع قوةٍ صغيرة لسد مضيق ثيرموبيلاي، مضحيَّاً بنفسه ومَن معه، وتقدم الجيش الفارسي (180) ألفاً مقابل سبعة آلاف مقاتل، ليدمر مؤخرة الجيش اليوناني بالكامل، وأحتلَّ أثينا وأحرقها، انسحبت القوات اليونانية إلى جزيرة سالاميس وبدأت الاستعدادات لمعركة بحرية حاسمة، بقيادة ثيمستوكوليس الذي قرَّر الانسحاب وعدم المقاومة لامتصاص التفوق الفارسي 800 سفينة بحرية مقابل 380 سفينة، إلى مضيق يبدَّد التفوق العددي ويمنع الحركة والمناورة، كما وأرسلَ ثيمســـــــتوكوليس رسالة إلى خشايارشا الأول يتعهد بالانضــــــمام إليه وترك التحالف اليوناني مقابل أنْ يحكم اليونان باسمه، ثمَّ هاجمَ الأسطول الفارسي وبدده وذهبت المؤونة وتفرق الجيش، وكل ذلك بسبب وحشية خشايارشا الأول التي وحَّدت مدن اليونان.
رفضَ بوش الأب 1991 التوغُّل في العراق لإزاحة صدام حسين عن السلطة، لم يكن يملك رؤية سياسية واضحة لعراق ما بعد صدام، الذي اعتبر بقاءه في السلطة، رغم الهزيمة الساحقة، نصراً سياسياً يحتفل به كل عام! واعتبر ذلك نصراً عسكرياً لأمريكا وخسارة سياسية، لأنَّ صداماً ظلَّ مصراً على سياسته وتهديداته ليشيع بخطورته على أم المنطقة! لكن الهزيمة من الداخل حطَّمت الشعب العراقي
أصرَّ بوش الابن على إزاحة صدام عن السلطة، وفرح بنصره معلناً انتهاء العمليات العسكرية ونهاية عقدة فيتنام، وبسبب الفوضى والفساد أعتبر ذلك نصراً عسكرياً وهزيمة سياسية كبيرة، حيث أنَّ عقدة بغداد أسوأ من عقد فيتنام، فلم يعد بالإمكان أنْ تحتلَّ أمريكا بلداً آخر لأيَّة أسباب وإنْ كانت صادقة، وصار الطغاة يهددون شعوبهم: هل ترونَ ما حلَّ في العراق من خراب؟ ألا تتعظون؟


















