الهبوط من المطعم التركي مشاركة ادبية في التظاهرات – حمدي العطار

الروائي مشتاق عبد الهادي

الهبوط من المطعم التركي مشاركة ادبية في التظاهرات – حمدي العطار

اثارت هذه الرواية الكثير من التساؤلات المشروعة تتلخص في :-هل يمكن كتابة رواية متكاملة من الناحية الفنية عن الحراك الشعبي المستمر والمتغيير بالاحداث والمواقف ومجهول النتائج والمتطور في كل يوم بل كل لحظة ؟ وهل يمكن للروائي ان يمسك بكل المحاور والخيوط الدرامية والفلسفية والشخصيات الروائية  لتكون في قالب روائي تاريخي معاصر من دون ان تنجلي عن سماء الاحداث كل الغازات المسيلة للدموع وتجف الدماء وتبرد الرصاصات في اجساد الشهداء؟ وهل يمكن أن  تتبلور الفكرة لدى المبدع ليكون قادراً على افراز رواية ناجحة حتى لو كانت تعبوية!

قصة طويلة

رواية (الهبوط من المطعم التركي) للقاص “مشتاق عبد الهادي” الصادر من دار الورشة الثقافية للطباعة والنشر والتوزيع – بغداد ، تعد مفاجأة في الوسط الادبي خاصة وان الكاتب قاص له ثلاثة مجموعات قصصية (ولادات ) 1999 و(حربيات)2011 و(سيرة ال…هذا) 2014 وهو في هذا العمل الذي اطلق عليه رواية وانا ارى فيه نوعا من القصص الطويلة اكثر من الرواية حيث تقع السردية في (77 صفحة) .

السبق الادبي

كما في الصحافة التي تعترف بالسبق الصحفي اراد الكاتب ومعه دار النشر ان  يسجلوا سبقاً (روائي) لذلك كانت هذه (السردية) التي قد لا تروق لشريحة الروائيين في العراق، لأنهم يرون ان ادوات التعبير الادبية والفنية الانية والسريعة والتي من الضروري ان تواكب الثورات والانتفاضات والحراك الشعبي في العراق هي قد تكون في مجال غير الرواية (قصيدة- قصة-مسرحية- مقال) وهي كلها كان لها حضورا في التظاهرات والتي لا زالت ساخنة في بغداد والمحافظات الجنوبية، بينما لا يسأل الروائي عن مساهمته في مجال كتابة الرواية او تقاعسه عن المشاركة في هذا الحقل الادبي الصعب! لذلك تتأخر الرواية عن مواكبة الاحداث حتى تصبح الاحداث في ذمة التاريخ وتكون الخميرة جاهزة عندها الروائي يتصدى برؤيته  الفنية للاحداث التاريخية.

النقد المسبق

رواية الهبوط من المطعم التركي كتبت ونشرت بسرعة فائقة – استغرقت كتابتها 41 يوما- البعض في مواقع التواصل الاجتماعي حكم على الرواية حتى من دون الاطلاع عليها (غير ناضجة) اخرون من باب التعجب (بهذه السرعة) يمكن كتابة رواية، وهؤلاء من وجهة نظرهم يرون ان كتابة الرواية تحتاج الى التأمل والكتابة المدروسة بعيدا عن الانفعال حتى تصبح سردية متكاملة من النواحي الفنية والادبية.

المطعم التركي

مكان للرواية بالاضافة الى اماكن خيالية وواقعية اخرى في هذه السردية، ويجد نفسه الروائي بين اتجاهين في مثل هذه الروايات وعليه ان يتعامل مع الاتجاه الاول وهو (التاريخ) وهنا هو- الحاضر- وليس الماضي، قريب جدا ،ومعاصر، ويمثل (الحقائق) اي التظاهرات، اما الاتجاه الثاني فهو (الادب) وينطلق من الخيال واظن من وجهة نظري ان الروائي توفق في عرض الاتجاهين في بداية الرواية فيبدأ السارد وهو بطل الرواية بهذه البداية المشوقة واصفا المطعم التركي ومكانته في الانتفاضة الشعبية “اجتمعت فيه كل الأديان والطوائف والقوميات، لنكون من خلاله أيقونة تضج بآلاف الألوان، وتجعل الوطن أكثر بريقا وأجمل، إنه المطعم التركي البناية التي قصفت من قبل التحالف الدولي في عام 2003 وظلت مهملة حتى يبنت أحلام شباب ثورة أكتوبر الحانقين على هدر ثروات البلد مسألة إعاد تأهيله، ليكون مجسما لوطن نريده، وقرروا أن يصيروه وطنا بديلا، وحدث ذلك ولكن، اقتحمت قوات مكافحة الشغب المكان، وانتشرت بيننا حالات من الهلع، انسحبت ووجدت قدمي تقوداني الى إحدى المقابر…هل تراني قتلت؟؟؟ لا أعرف ..”ص10

شحن الواقع

حاول الكاتب أن يشحن الواقع الذي نتعايش معه يوميا من خلال التظاهرات والاعتصامات ومحاولة تغيير النظام السياسي بالصمود والحب وسلمية التظاهرات، نقول حاول ان يشحنه بدلالات (فوق واقعية)- فنتازيا-  لكنه لم يتناول الاحداث بإشارات فنية كي تبدد الدلالة الحاضرة دوما، وهي وظيفة الادب بالرواية التاريخية التي تفتقر اهمها معالمها في هذه الرواية وهو ما يصطلح عليه (نقول التاريخ ولا نقوله)،يمكن وفرة المعلومات الواقعية عن المطعم التركي وما تنقله يوميا الفضائيات عن التظاهرات هذه الوفرة من المعلومات جعلت الروائي لا يقول جديدا اذا ذكرها لذلك لجأ الى (الخيال الجامح) في جعل الشخصيات (السارد وحبيبته احلام) غائبين عن الواقع لكنهما حاضرين في الاحداث ومؤثرين في نجاح الثورة. لقاء البطل مع والدته المتوفية والحوار حول ما بعد الموت والجنة والنار اعطى بعدا فلسفيا للرواية

“- انت ميته؟\ – اومأت برأسها وتمتمت- اخفض صوتك..\- هل تعملون؟؟\همست بي..- نعم وهنا من لا يعمل لا طعام له، إلا إذا قدم الطعام في ذلك العالم للمساكين فهو يصلنا جميعا..\ هل وصلتك الحلويات في شهر رمضان؟\ لا ..علمت بأنكم منحتموها لدجال يغلف عهره في الدين والتدين”ص14 لعل ما ينقذ الرواية تلك اللمحات الذكية في الحوار”- شلون الصياد؟؟؟ تلعثمت كأبله عتيق، ضحكت وجلست بجانبي، سألتني عن سبب عشقي لصيد الأسماك؟ \- صيد الأسماك يا أحلام، انتظار وصبر ودراسة للآخر الذي لا تراه ويبعد عنك أمتارا في عمق المياه… صيد الأسماك هو النشوى بالفوز بعد جهد التعب والانتظار والملل.. صيد الأسماك هو ان تمسك بالذي لا تراه وتنتظره ويعتقد الآخرون بأنك بطر وجنون لمجرد تفكيرك بالظفر بشيء لا تراه.. صيد الأسماك يا أحلام هو ثورة أكتوبر التي ولدت من رحم الغموض والفوضى واستهتار الآخر بأحلامنا..صيد الاسماك هو الانتظار رغم قساوة الظروف”ص31.

الغموض والرمزية

سيطر السارد وهو البطل (الشاعر) على مجمل عملية السرد وسط تكثيف لدور الشخصيات الاخرى ما عدا حبيبته (احلام) وهي ايضا التي استشهدت معه في المطعم التركي وتلتقي به بالعالم الاخر ،تحس احيانا يكون الحوار رمزيا يقبل التأويل ” ربما في عالم آخر مخصص لهم، وقد يكون عالما يختلف عن عالمنا، ربما لا يسمح بأختلاط العالمين، تذكر إنك رأيت والدي رغم أني فقدتهم وأنا طفلة في حادث سير، ألم تسأل نفسك عن سبب رحيلهم عنا..؟ أنهم في عالم آخر قد لا يخصنا..”ص44 ! هنا يوجد نوعان من الاموات (ام البطل ووالدي احلام) الموت الطبيعي وفي عالم اخر (هو واحلام) في عالم خاص (كأن السارد يعاتب الجيل القديم لأنه لم يثور على النظام  السابق وينهي معاناة الاجيال الحالية على الرغم من ان الموت مصير كل انسان ،وهو ايضا اشارة الى ان ثورة اكتوبر هي ثورة الشباب ) ،كذلك هناك شخصية صديقه (الشاعر) في المطعم التركي، حينما يكتشفا السارد واحلام قدرتهم على مساعدة ثوار الارض بالاتحاد مع ثوار السماء (الاموات) عن طريق التواصل بالاحلام “سألت أحلام، ومن غير وعي سحبتها من كفها، واقتحمنا معا هالة أحلامه، وعندما شعرت من خلال ملامحه بأنه تنبه لنا، أخبرته أن نحن معكم، وغادرنا هالة أحلامه الضاجة، ورأيت قبل مغادرتنا المكان دمعته التي انساحت على خده، والتي اعتبرتها دليلا على نجاحنا في الاتصال به”ص70  وهي اشارة الى ان الشهداء احياء ليس عند ربهم فقط بل في قلوب الناس!، ويعطي الكاتب قوة مادية خارقة للبطل وحبيبته في كشف مخططات الحكومة للقضاء على الثورة ويعد ما يقدمه (ثوار السماء) هو السبيل لأنجاح (ثوار الارض) “من خلال هذه الطريقة كنت أبلغ صديقي أشياء كثيرة، منه اماكن اختطاف الناشطين والناشطات …وفعلا تم تحرير معظم الناشطين والناشطات.. وتم في الايام اللاحقة تطوير اساليب الاتصال بيننا من خلال تخصيص غرفة للاتصال بنا من خلال مختصين بتحضير الأرواح، ونجحت الخطة وحققت مكاسب كثيرة للثورة والثوار الذين صارت تصلهم أخبار المنطقة الخضراء.. بل واستطاعت ثورة السماء أن تخترق الأفكار والقرارات الفردية، التي كان يفكر بها بعض القيادات الفاسدة”ص74 لم اجد ان الكاتب كان موفقا في هذا التخريج الخيالي المبالغ به! لقد فرطت الرواية بأهمية الواقع والصعوبات التي توجه الثوار والتضحيات التي يقدمونها وتحول الامر بما يشبه (المعجزات) في قصص الف ليلة وليلة ولكن ليس بالبساط  والفانوس السحري او القوة الخارقة للشخصيات الخرافية بل بما يلائم عصر العولمة وثورة واهمية الاتصالات (بتوفير المعلومات) و(كشف الاسرار).

الخاتمة

لا يمكن الاسترسال بالكلام عن هذه الرواية القصيرة جدا التي اعتمد فيها الكاتب على مفهوم ما بعد الحداثة التي تدعو الى حرية التفكير والتعبير وابتكار اساليب جديدة تكسر القوالب التقليدية،وما يميز الرواية انها كتبت واحداث انتفاضة اكتوبر مازالت مستمرة  لذلك خلق لها الكاتب نهاية سعيدة واطلق عليها توصيف معبر – إنها ثورة السماء والأرض.