

ريشة مارون عبود تتطهر من سواد الحقد
الناقد الساخر في نقدات عابر – شكيب كاظم
لا يكاد هذا الحديث ينتهي عن الناقد اللبناني الراحل مارون عبود ( 1886-1962)، الذي ترك أثرا لا يكاد يمحى في الحياة الثقافية العربية، ولاسيما في الجانب النقدي منها، وعلى الرغم من مضي عقود على كتابة أحاديثه النقدية تلك، والتي جمعها وبوبها وأصدرها في كتب بعينها، وعلى الرغم من دخول مفاهيم ما عرف بالمدارس النقدية الأوربية إلى حياتنا الثقافية، ولاسيما البنيوية والتفكيكية في سنوات الثمانين من القرن العشرين، وغيرها من مدارس النقد، فما زالت كتب مارون عبود تقرأ، وما زلت اجد فيها رايا نقدياً جميلا وتوجيها حاذقا صادقا، ولعل أهم ما يميز هذا الناقد الذي اتسم أسلوبه بالملحة الطريفة والفكاهة العذبة؛ هو الصدق في القول بعيدا عن سخيمة النفوس وعمليات تصفية الحساب، وهذا ما أشار إليه الشاعر نزار القباني، في نقاشه المهذب معه، إذ كتب حديثا نقديا عن ديوان (قصائد) للقباني، واصفا إياه بالناقد الذي تطهرت ريشته من سواد الحقد، وتبرأ جسده من حليب الكراهية العكر، وان لمن دواعي سروره أن كتب شعرا في عصر مارون عبود.
لعلها تأثيرات الكتاب الأول
هل إن شغفي بهذا الناقد الصادق يعود إلى أن أول كتاب جاد قرأته في حياتي، وانا يومذاك في الثالثة عشرة من عمري، طالبا في الصف الأول من متوسطة فيصل الرسمية بكرخ بغداد، في العطلة الربيعية في شباط 1958هو من تأليفه؟
قد، أقول قد مدخلا إياها على فعل مضارع! إذ شدني وأنا أقرأ كتابه (أمين الريحاني) وهو من خزانة كتب المرحوم أبي، والصــــــادر سنة 1952 في ضمن سلسلة (إقرأ).
تقرأ كتابه (نقدات عابر) فتجد الصدق ذاته، والتوجيه الدقيق الرفيق، فلا سرف ولا إسراف، بل كل بمقدار، فتقرا أحاديث عن بشارة خليل الخوري؛ أول رئيس للبنان بعد استقلاله عن فرنسة، واقفاً عند خطبته الرئاسية، معرجاً على المؤسس للمجمع العلمي العربي بدمشق محمد كرد علي ناعيا إياه سنة 1939،فما أكثر المصاب فيه، وهو لا ينسى الوقوف عند الكاتب الفلسطيني أكرم زعيتر (1909-1996 ) الذي كان يواصل الكتابة الجادة في مجلة (الأديب) اللبنانية في عقدي الستينات والسبعينات من قرننا العشرين الفارط.
ثم يعرج على الدكتور فؤاد صروف (1900-1985 ) واقفا عند كتابه المترجم (جبروت العقل) مستعيداً ذكرى عمه يعقوب صروف ( 1852- 1972 ) ومجلته التنويرية الرائدة (المقتطف) وإذ قال ابن العميد: إن كتب الجاحظ تعلم العقل أولا والأدب ثانياً، فمارون عبود يرى أن مجلدات مجلة (المقتطف) لصروف العم إنما تعلم العلم أولا وكل شيئ ثانيا!
وهو كما قلت يطلق رأيه مقوما مقيما حانيا حادباً، يقدم قراءة للديوان الأول للأديب العراقي يوسف نمر ذياب (1931-2005) وعنوانه (اباطيل) وتستقري أن المقالة المارونية هذي إنما نشرت سنة 1956أيام شبابه الأول وناقدنا لا يدون تاريخ نشر مقالاته ولا أماكن نشرها، وهذا أمر دأب عليه الكثيرون، وهو ما يربك القارئ، بله الناقد الفاحص، وبعد تفلية مجموعته الشعرية هذه يقرر “إنك ستكون شاعرا، يا يوسف، حين تنضج لأنك كما يبدو، موهوب. اما الان فشعرك ما زال فجا” ص57.
رأيه بجبرا
ويقرا نقديا رواية (صراخ في ليل طويل) للروائي جبرا إبراهيم جبرا، والتي كتبها في مدينته القدس سنة 1946، وقد لمست أن المصطلح النقدي لدى ناقدنا ما كان واضحا، فهو مرة يسميها قصة، وتارة يصفها رواية ليختم حديثه النقدي هذا كاتبا” لا أقول إنه سارتري، ولكن أقول إنه شاب يصف ميوله ونزواته، ولم يفكر إلا بماكنا نفكر فيه في عز الشباب. واراني مجبرا على التصريح للمؤلف إنه لم يتعبني أثر أدبي كما اتعبتني قصة جبرا، وديوان (ثلاثون قصيدة) للأستاذ توفيق صايغ. وعبقرية الإثنين من مقلع واحد” تراجع ص66.
وإذ يقف عند ديوان (نداء الأعماق) للشاعر عبد الخالق فريد (1932- ) فإن له وقفة أخرى عند الشاعر موسى النقدي (. ؟. ) وديوانه (أغاني الغابة) الذي يعاني الغموض الايليوتي الذي ضرب الموجة الشعرية الحديثة إبان بواكيرها بداية خمسينات القرن العشرين، ولقد أفسد عبد الوهاب البياتي شعره بهذا الغموض المفتعل، واراه للتغطية على ضعف الأداة الشعرية، وشح الموهبة، وانتقل هذا الإفساد إلى من تأثر بشعره، ولعل وباء الغموض الذي يحتاج إلى منجّم، كما يقول الناقد مارون عبود قد سرى إلى العراق من لبنان، الثغر المفتوح ولا محجر صحي فيه!
مؤكدا أن الشعر موسيقا أولا، والرنة الموسيقية بعيدة عن الشعر الحر.
قد أختلف مع الناقد الكبير، فان الرنة الموسيقية موجودة في شعر التفعيلة، ويسميه هو (الشعر الحر) لكن الفرق بين شعر العمود وشعر التفعيلة، هو الانتقالات العروضية ضمن القصيدة الواحدة، فضلا عن تنويع القافية وتغييرها.
كما يشير إلى المجموعة الشعرية (وجد) التي أصدرها أستاذي الدكتور رزوق فرج رزوق (1919-؟. ) يوم كان طالبا في الجامعة الأمريكية ببيروت، مؤكدا ضرورة أن يبتعد عن تكرار البياتي الممل وصوره القذرة، وهذا وصف الناقد مارون.
رأيه بالقاصة سميرة عزام
يحدثنا الناقد مارون عبود عن قصص القاصة الفلسطينية سميرة عزام، متناولا مجموعتها القصصية (الظل الكبير) لكن المؤسف في أحاديثه النقدية هذه، انه لا يدون تاريخ صدور الكتاب ولا دار النشر، هل كان يعد هذا دعاية لدور النشر، فَأنِف أن يشوب عمله النزيه شائبة؟ هل ساوره هذا الشعور؟ سميرة عزام التي خسرها فن القصة القصيرة سراعا، إثــــــــــــــــــــر كارثة حزيران 1967والمذيعة ذات الصوت الجميل، التي عملت في الإذاعة العراقية أواخر العهد الملكي، وقرأت مجموعتيها القصصيتين (العيد في النافذة الغربية) و(الساعة والإنسان) والصادرتين عن اتحــــــــــــاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين سنة 1982 .
مارون عبود الحادب النزيه، يحذرها من (مراسيم) ميخائيل نعيمة ومقدمات سعيد عقل المادحة بلا حساب، وهذا يؤدي إلى ثقة زائدة بالنفس وغير واقعية، فيدفع المبدع أو المبدعة ضريبتها الباهظة، ينصحها أن لا تنام على إكليل الغار، فتظل حيث هي…فعبارتها يجب أن تصفى وتنقى، والحوار الذي تتولى هي أكثره بالنيابة عن شخوصها، يجب أن يترك لهم لتسير الأقاصيص سيرا هينا، وان تهتم بلغتها متجنبة الوقوع في اللحن والخطا اللغوي، وإن كانا قليلين، مسكينة اللغة وقواعدها، وأصبحت لا يسأل عنها، كأنها ليست من مقومات الكاتب والكاتبات. تنظر ص174.
رأيه بشعر توفيق الصايغ
وفي مقال حمل عنوان (ثلاثون قصيدة) يقدم مارون عبود قراءة نقدية لكتاب شعري، حمل العنوان ذاته، للاديب توفيق الصايغ (1923-1979 ) مطففا كيل الكلام غير المسؤول الذي يطلقه سعيد عقل، ويراه مقدمات تغري الشداة، ورأي مارون عبود فيما تسمى قصيدة النثر واضح وأكده مرارا، فهو يرى أن هذا الشعر المنثور بضاعة العاجزين، فالشعر من غير عروض لايكون شعرا، فالإيقاع لا بد منه، ومتى صار الشعر صف كلام، كان النثر المرسل خيرا منه.
هو يقف عند لغة توفيق الصايغ المدججة بالصيغ التوراتية، ناعياً عليه هذه الصياغات البعيدة عن الذوق والفهم مثل: النطنطة، الشحشطة، دفشات، طرطش، فلو كانت في هذه الألفاظ موسيقى شعرية (….) لعذرناك لكن هذه الألفاظ نابية لا تستساغ، مختتماً حديثه معه، ان لا شك عندي في شاعريتك وعبقريتك، ولكنك في هذه الثلاثين قصيدة لست بشاعر. تنظر ص 179.
أما لماذا ليس بشاعر، فلأن أس الشعر هما الوزن والقافية، ومتى خلا منهما فليس ذلك سوى نثر، أما أكذوبة الإيقاع الداخلي في النص فهي من الجلاء والوضوح بحيث لا تحتاج إلى ذلك الطفل، كي يفضح عريها كما فضح عري الإمبراطور!
ويواصل ناقدنا الكبير الأستاذ مارون عبود أحاديثه النقدية الشفيفة، ليقف عند خليل تقي الدين وألفة الإدلبي والباحث عبد اللطيف شرارة والمؤرخ الكبير فيليب حتي، معرجا على المؤرخ موسى سليمان، والقاص محمود تيمور، ولقد لمست من خلال سياحتي في هذا العباب الزاخر (نقدات عابر) إن مارون عبود خلق ناقدا إبداعيا، إنه يفصح عن إمكانات نقدية عالية حين حديثه عن الأعمال الإبداعية، الشعر، القصة، الرواية، المسرحية، لكنه يخفت لدى حديثه عن الأعمال الأخرى ويتحول إلى عارض ومعلق.
كما أن لغته جمعت الجزالة إلى جانب الرواء وكثرة الماء، وزانت كل هذا ثقافة واسعة، فهو يطلق قولته المحملة بالرموز والكنايات والإحالات، وما عليك إلا تشغيل الفكر كي تستجلي معانيها، وها انذا أورد هذه اللمحة الذكية: “جاءني مرة يسألني عن (حتى) حين سمع العبارة العامية: حتى حتحتت قلوب العلماء، فأجبته: تريد يا ابني شرح العلماء أم إلافهام، وبالاختصار تريد سندويش يشبعك أم تريد طبخة هريسة تتخمك؟ فأجاب: الأكل في زماننا دارج على الماشي، فافهمته حتى راح آكلا السمكة حتى رأسها، ولم تعلق في حلقه أقل حسكة”” تراجع ص 298 ومارون عبود واسع القراءات يشير هنا من طرف ذكي إلى مقولة أبي زكريا يحيى بن زياد الفراء النحوي (توفي 207)”” أموت وفي نفسي شيئ من حتى”” للدلالة على عسر معرفة استعمالات (حتى) وإنها تأتي ناصبة وجارة ورافعة.























