الشودري: توظيف الكلمة واللحن لخدمة الفن
الموهبة تتكشف معالمها من الطفولة وتثبّتها الإيجابيات
قصائد الملائكة والسياب تتالق بألبوم سلوى
عصمت شاهين الدوسكي
الموصل
الفنون المختلفة لها أسس ومبادىء منهجية خاصة بها، التعامل معها نابع من جمال الفكر وصفاء الروح ونقاء الوعي الإنساني، رغم صعوبة الدخول في عوالمه والخوض في أمواجه الصاخبة حيناً والهادئة حيناً والتي تتجلى من تقلبات التجدد العصري وإشراقة الأساليب والطرق الحديثة، ممزوجة بالموهبة والرغبة الإنسانية السامية والمبادىء الفكرية الأصيلة والذوق الرفيع والجمال الروحي والأحساس المرهف والأدراك الواعي في كل ما يدور حولنا، وذلك لا يأتي من فراغ، بل أنها أسس بنيانية أخلاقية تبدأ معالمها من الطفولة الأولى مع إيجابيات البيئة والمجتمع.
من النادر أن نرى فنان يتمسك بالأصالة والفن الأخلاقي الرفيع، والبحث المستمر عن الكلمة الرصينة واللحن الجميل والأداء الراقي من أجل مبادىء إنسانية وأهداف قيمة تظهر معاناة هذا الكائن البشري، وينقل صورة حية من المآسي والآلام والجراحات التي يعاني منها في بقاع الأرض من خلال الكلمة واللحن والأداء الشجي الجميل، رغم كل المعاناة التي تقف في طريق الفن الأصيل وتوظيفه بشكل صحيح لخدمة المجتمع، الفنانة المغربية المتألقة سلوى الشودري أخذت على عاتقها هذا النهج الصعب الذي جعلها تواجه المجتمع بكل ما فيه من القيود والمعوقات وتصر على المواجهة والأستمرار لتضع بصمتها القدرية الفكرية القيمة وتحقق مبادئها الأنسانية السامية في رسالة فنية أصيلة من خلال ملكة التلحين والصوت الشجي العذب لخدمة المجتمع بعيداً عن الشهرة والذاتيه والأضواء والمادية، يقول فلوبير،” إني لا أحبذ أن يهتم الجمهور بشخصيتي ” وهذه رسالة تعني إن ما يقدمه الإنسان من عطاء فكري وعملي أصيل هو الأهم، وهو النور الذي يزيل غشاء الغمامة على الأعين والنبض الذي يجعل القلب يحس بما يدورحوله بعيدا عن الذاتية والقوقعة الروحية.
سلوى الشودري فنانة مغربية ذات موهبة متقدة وملتزمة،من مواليد تطوان شمال المغرب تنحدر من أسرة أندلسية الجذور ترعرعت وتربت في أسرة مولعة بالشعر والموسيقى الأندلسية والعربية،عشقها للفن الطربي الأصيل جعلها تنحو في دراستها نحو المعهد الموسيقي بتطوان لدراسة الصولفيج والنظرية، ثم إنتقلت الى المعهد الوطني للموسيقى بالرباط كي تتعلم غناء الموشحات العربية وحبها للغة جعلها تتخصص في مادة الأدب العربي بجامعة عبد الملك السعدي بتطوان، وهذا التدرج العلمي أدركت من خلاله أدق التفاصيل الفنية العلمية والتدرج الأدبي أدركت من خلاله أدق التفاصيل الأدبية لتوظفها في العالم الخارجي نابعاً من موهبة وإحساس مرهف ووعي راق من الأعماق قامت الفنانة سلوى الشودري في عام 2007م بأصدار أول البوم في الغناء الديني لكبار الشعراء مثل أبي الحسن الشاذلي والزاهدة الورعة رابعة العدوية وغيرهم، وفي عام 2010م قامت بأصدارالبوم بعنوان (قصائد المتنبي ) وهي من أختيار والحان الدكتور والموسيقار العراقي المبدع (علي عبد الله ) وهو باحث وأكاديمي عراقي قام بأهدائها هذا العمل الرائع لما لمسه فيها من التزامها وعشقها للتراث العربي الأصيل، ولاشك ان الأداء العذب الشجي لهذه القصائد العظيمة لهو من الأثار والأعمال القيمة التي ليس بأمكان أي فنان أن يجازف في التقرب منها، لأن قصائد العظماء لا يلقيها ويلحنها إلا من هو يحمل تلك العظمة الرهيبة لأصحاب هذه القصائد الرائعة التي تلقي من خلالها الضوء على المشكلات المعاصرة، إنها جرأة فكرية واعية من الفنانة سلوى الشودري من الأبحار في بحور قصائد هؤلاء العظماء من الشعراء، وإنها مسؤولية كبيرة جدا على عاتقها لتوصل رسائلها الفنية القيمة في هذا العصر المضطرب المليء بالمشاكل العصرية، في النهضة الإيطالية كان محور النقل الفكري للصور العصرية هو من خلال أشكال النحت والمعمار والرسم وذلك من خلال معرفة الفنان بالدراسات الكلاسيكية والأرث الأدبي الجميل وسواء تمشى مع ذوقنا المعاصر معها أم لا،فينبغي لنا أن ندرك إن المعرفة الماضية فيها فائدة قيمة مع مايقدم من إبداع في الوقت الحاضر لأنها نقل صورة الواقع الحالي في الشعر والرسم والنحت والمسرح وغيرها لخدمة المشكلات المعاصرة، لأنها تتضمن نصاً إنسانياً راقياً وصورة حقيقية للمجتمع للفكر وللحدث وللتواصل الروحي والفكري والأخلاقي، وللأستمرار في هذا النهج الصعب والأصرار على تقديم وتوظيف الكلمة واللحن والأداء الشجي لخدمة المجتمع.
تعد الفنانة سلوى الشودري الألبوم الخامس والذي يضم قصائد لشعراء وشاعرات عربيات يحمل مضامين إنسانية وإجتماعية، (قصيدة النائمة في الشارع للشاعرة العراقية نازك الملائكة، قصيدة سيدة الحزن الجميل للشاعرة المصرية شريفة السيد، قصيدة هذا أنا للشاعرة الأردنية سهير داود، قصيدة لا تغلقوا فمي للشاعرة أمل طنانة من فلسطين وقصيدة غريب على الخليج للشاعر الكبير بدر شاكر السياب من ألحان الدكتور والموسيقار العراقي المبدع علي عبد الله) وقام بإنجاز جل أعمالها الفنية كبار الفنانيين المبدعين مهندس الصوت والموزع القدير مصطفى هارون والياس حسني عازف الكمان، و نبيل و محمد رشدي عازف القانون وغيرهم، مع هذا الجمال السحري للكلمة واللحن والأداء وأختيار الشعراء والشاعرات العربيات من مختلف الأماكن لهو عمل شاق بل أكثر من شاق، ولكن الفنانة سلوى الشودري بأدراكها الفني والحسي والفكري وضعت خارطة فنية لأعمالها القيمة وخطوط عريضة مستقيمة لتوجهاتها الفنية وأهدافها الأنسانية النبيلة، ويعتمد التقدير الصحيح لمكانة الأنسانيات في الحياة الحديثة على التمسك الشديد بالمعنى الجوهري، فأي موقف أو نشاط مما له تأثير أيجابي أنساني يدخل في نطاق الأنسانيات الهادفة ما دام يعمل على توسيع عوالم المعرفة وينبه الخيال ويشعل جذوة الفكر والقلب ويلهم الأحساس بالكرامة الأنسانية، بالحلم الأنساني، بحقيقة الوجود الأنساني، وللتواصل الأجتماعي شاركت ونظمت في عام 2006م العديد من الحفلات لدعم الجمعيات الخيرية وفي عام 2010م شاركت في الليلة المحمدية بدار الاوبرا المصرية التي تعتبرها نقلة نوعية مهمة في حياتها الفنية، وايضا مشاركتها مع فرقة الأنشاد الديني بالمسرح الجمهوري بقيادة المايسترو عمر فرحات بأرض كنانة وشهادة كبار الموسيقيين ببراعة أدائها وقوة صوتها، وخاصة الدكتور جمال سلامة الذي عرض عليها تسجيل أغانيه الدينيه بصوتها والتي كانت قد غنتها السيدة ياسمين الخيام ولكن الظروف حالت دون ذلك، لكن رغم ذلك لا تتوانى في تأدية معظمهم في جل حفلاتها وخاصة جنيريك مسلسل محمد يا رسول الله، وحالياً هي رئيسة لجمعية المغربية للثقافة والفنون، وعضوة ومؤسسة لجمعية مرضى القلب والشرايين، متزوجة ولها ولدان، أستاذة بالمعهد الموسيقي لمدينة تطوان، وتنهي دراسة الماستر في الأدب المغربي، شاركت مؤخراً في مؤتمر التشريع الأسلامي والأخلاقي بقطر في موضوع علاقة الفن بالأخلاق وركزت على تجربتها الشخصية، كما شاركت لمدة سنوات متتالية بمؤتمر ومهرجان الموسيقى العربية في القاهرة، وفي مؤتمر المبدعات العربيات بتونس، وبحفلة خاصة بمعهد العالم العربي بباريس كما شاركت في العديد من البرامج الأذاعية الوطنية والدولية في القنوات الفضائية المصرية ولها حوارات عديدة في الجرائد الوطنية الورقية والألكترونية، يتضح هذا الترابط في الأعمال الفنية بجلاء بما تقدمه عملياً، فنياً لتكون مثالاً فريداً على الساحة العربية، المجالات الفنية كثيرة، ولكن التألق والسمو والأرتقاء الروحي والفكري في الأعمال الفنية وتوظيف مايملكه الأنسان لخدمة المجتمع في هذا العصر المتناقض المليء بالمشاكل لهو أساس الوجود، وإمتزج الفن المغربي والفن العراقي من خلال أختيارها وأداءها لكبار الملحنين والشعراء العراقيين، فهي قربت البعيد وألهمت العديد من المختصين والفنيين من الدول العربية وهدفها الأنساني النبيل الرحمة لا للنقمة،العدل لا للأنتقام، السلام لا للظلام، الفنانة السيدة سلوى الشودري أنسانة تستحق منا التقدير والأحترام لما تقدمه من أعمال إنسانية تسلط الضوء من خلالها على المشاكل العصرية في زمن الأنهيار متأملة عودة زمن الأرتقاء والأخيار
























