المونولوج الداخلي في رواية أرصفة وجدران

المونولوج الداخلي في رواية أرصفة وجدران

الشخصيات ومعاناة عبث الوجود

عبد علي حسن

يُعد الحوار احد من الآليات المهمة التي يتوسل بها الروائي لضخ المزيد من المعلومات عن شخوصه وسماتهم الفكرية والاجتماعية إذ انه – الحوار – يشير في اغلب الأحيان الى توضيح دوافع الشخصيات ومواقفها من خلال العلائق الحوارية بين الشخوص وفق تداولية اللغة في التعرف على ردود الأفعال المادية منها والبيانية ، على ان هنالك نوعاً من الحوار يلجأ إليه الروائي للتوغل الى دواخل شخصياته غير مكتف بما تفصح عنه في علاقتها مع بعض ، وغالباً ما تستخدم هذه الآلية في حالة حاجة الروائي لان يعرف المتلقي الكثير والمتسع حول شخصياته خاصة عند وجود شخصية غامضة أو مأزومة لا تتمكن من الكشف عن دواخلها بشكل صريح وحينئذ يكون مونولوجا داخلياً يُراد منه الكشف عن أفكار الشخصية وإحساسها ومشاعرها وغالباً ما ينبثق هذا المونولوج في النص السردي انبثاقا دون سابق إعلام من الروائي ، ولا ينتظر إجابة أو رد فعل بياني من أحد ، فهو مونولوج مستقل كما استخدمته الدراسات النقدية ، وفي هذه الاستقلالية فارق بين المونولوج والحوار الدائر بين شخصيتين أو أكثر في الرواية ، وهذا ما لجأ إليه الروائي المغربي محمد زفزاف في روايته (أرصفة وجدران ) الصادرة عن دار رؤية للنشر والتوزيع الطبعة الأولى 2013 القاهرة ، وسنحاول فيما يلي من السطور الكشف عن استخدام الروائي لهذه الآلية للدخول الى العوالم الداخلية لشخصية بطل الرواية .تذكرنا الشخصية الرئيسة للرواية ( بو مهدي) كثيراً بأبطال روائيي الحركات الأدبية لما بعد الحرب العالمية الثانية والفرنسية تحديداً كجان بول سارتر والبير كامو وهم أبطال مغتربون ومأزومون يعانون من الإحساس باللاجدوى وعبثية الوجود الحياتي وعدم القدرة على أداء فعل حياتي يسهم في تحول الذات والمجتمع ، إذ يعاني ( بو مهدي ) من انفصال عن المجتمع حاول الراوي العليم تأكيد ذلك منذ الصفحة الأولى للرواية عبر هذا المونولوج الداخلي ( كان شعوري بالاغتراب كبيراً ، هذه الجدران الأربعة التي تتنفس قدراً من الهواء ليس بها هواء .. النص ص 7 ) وإزاء شخصية كهذه  فان الروائي بحاجة الى ضخ المزيد من المعلومات ليكشف عن دواخل هذه الشخصية (المغتربة ) فلجأ الى تقنية المونولوج الداخلي وتحديداً الى (مونولوج الإحساس) وهو نوع من المونولوجات الداخلية للشخصية التي تصرح من خلاله الشخصية بإحساسها إزاء ما يحيطها ، ويتبدى ذلك في أول مونولوج داخلي بدأت به الرواية (ان العالم يبدو لي في بعض الأحيان مهترىء ، جد مهترىء واشعر بدخان داكن ينبت في صدري ، وينطلق الى خياشيمي ببرود ثم الى الفضاء مختلطاً بظلال الأشياء والفراغ الكابوسي الثقيل… النص ص 7 )  فالنص آنف الذكر يكشف منذ بداية الرواية بأننا إزاء شخصية تجد في هذا العالم مبعثاً للقرف وعدم إمكانية التفاعل معه بكونه عالما متهرئ ويشكل فراغا كابوسياً بالنسبة له ، الى ان هنالك رغبة واحتياج الى تغيير هذا العالم الذي يشكل مصدر الفراغ واللاجدوى عند البطل  الذي يؤكد في مونولوج داخلي آخر على ( ان العالم مهترىء وقديم ، بل وعادي جدا ، وما أحوجه الى تغيير .. النص ص 8 ) ويستمر النص في تعزيز معرفة المتلقي بالإحساس الداخلي لبطل الرواية عبر سرد الراوي العليم جاعلا الشخصية تتحدث عن نفسها لتدرك مدى اغترابه وإحساسه بالرتابة المطبقة عليه كالجدران الأربعة لغرفته ، واضعا الشخصية في منطقة السؤال عن سبب كل ذلك ( انني مقيد واشعر ان العالم مقيد كذلك وهذا الزمان وهذه الجدران الأربعة ، وهذه الأوراق الجامدة ، ترى ان توجد مفاتيح هذه القيود جميعا .. النص ص8 ) فالبطل أزاء بحث دائم عن جواب لأسئلة تتعدى الوجود الظاهري الى جوهر إحساسه بالقيد ، كما انه يبحث عن مخرج من هذه القيود التي تكبله وتمنعه من ممارسة حياته التي يرغب ان تكون فاعلة وذات فعل إنساني يؤكد كينونته البشرية ، كما يلخص موقفه من أمه الأرملة التي تعيش معه في البيت ( إني اكرهها واكره حتى البيت الذي يجمعني وإياها ، انها تعطف عليّ ، ولكني اعتقد انها لا تصلح لعطفي عليها ، انها لا تعجبني لست ادري لماذا ؟ النص ص10 )  ان موقفه هذا لا ينفصل عن موقفه من العالم الذي كشفه المونولوج الداخلي آنفاً الذي يؤكد اغترابه عن عالم لا يجد ما يمت بصلة له ، فهي – الأم – دائمة النعيق واللوم على خروجه الدائم وعدم بقائه في البيت نهارا وليلاً ، أما موقفه من صديقه الوحيد ( سالم ) ومشاعره إزئه فيكشف عنها المونولوج التالي ( مهما يكن فان وجودي في غرفة سالم شيء رائع ومسلٍ في آن واحد ، انني احسبني إزاء إنسان يستعمل إرادته بلا مبالاة فيها الكثير من الرضا والحرية ، انه لا يهتم بالمعايير التي لا تصدر عن ذاته ، فهو يعتبر نفسه مركز العالم ، ويعترف لنفسه كما يعترف لزملائه إنه يستطيع ان يعيش بلا حدود .. النص ص 18 ) ويصرح المونولوج الآنف الذكر عن طموح ( بو مهدي ) وتوقه ليتمتع بصفات صديقه سالم من خلال الكشف عنها وهو ما ينقصه فعلا لينهي حالة الاغتراب التي يعيشها ، ولعل تمسكه بصديقه هو محض اعتقاده الشخصي بان سالم الشخصية الغائبة في شخصيته والتي يأمل ان يكونها ، فهو يعاني من عدم تمكنه لاستعمال إرادته ويجد نفسه مقيدا دائما ولا يستطيع ان يعيش بلا حدود وبلا مقاييس وبلا عقبات ، كما لا يتمكن ان يقرر رغباته بإرادة صادقة ، فكل هذه الصفات الشخصية يتمتع بها صديقه سالم ولم يجدها في ذاته وبمعنى آخر فان سبب تمسكه بالصديق الوحيد هو انه يجد فيه شخصيته الأخرى التي يريد ان يكون عليها ، إذ ان سالم يكمل النقص في شخصية التي تعاني من الانفصال الاجتماعي وحتى النفسي دون ان يعرف سبب هذا الشعور كما يصرح هو ذاته ولتكريس بنية الاغتراب في شخصية ( بو مهدي) فان النص يستمر في ضخ المزيد من المشاعر والإحساس بالفراغ واللامبالاة ( آه يا للأيام ويا للفراغ أليس هناك في العالم شيء غير القراءة ؟ حقا انها عالم غريب ولكن في بعض الأحايين نعيش القراءة والاغتراب في الواقع .. النص ص 40 ) ويتبدى في النص الآنف الذكر عدم مبالاته بدروسه التي يتلقاها في الكلية وعدم حضوره المحاضرات بشكل دائم والاكتفاء بنقل دروسه من الآخرين  وهذا السلوك يتساوق وإحساسه بالاغتراب عن الواقع بما في ذلك قراءة دروسه الجامعية وعدم الاكتراث بها ، أما موقفه من فتاة المقصف ( حانوت الكلية) فانه لا يرى فيها سوى جسمها الجميل المتعارض مع وجهها المتواضع الجمال إلا انه يجد في جسدها سببا آخر ( انك تثيرين فيَّ اللذة والرغبة باختصار انك حيوان وأنا لست كذلك بتاتا .. النص ص 53 ) فهو يحدثها من خلال مونولوجه الداخلي الذي يصرح به عن رغبته الجامحة الجنسية دون اهتمامه بشي آخر ، على ان هذه الآلية تتوقف عند منتصف الرواية تقريبا أي عند الوحدة السردية (11 ) وذلك ان المونولوج الداخلي قد استكمل الكشف عن كوامن ومواقف وأحاسيس شخصية ( بو مهدي) التي كانت تمارس دورا انفصاليا واغترابيا انعكس على مجريات أحداث الرواية التي اتسمت بها هي الأخرى بالمحدودية وعدم التأثير على مجمل الشخصيات القليلة ( بو مهدي – سالم – نانسي – صالح – رحمن ) كما اتسمت حركية وسلوك الشخصيات بالأفقية التي لم تتمكن من تصعيد حدث ما الى ذروته ثم نهايته إذ لم يكن هناك أحداث أساسية مهمة با كشفت تلك الأحداث عن الفضاء العام للرواية التي اتسقت تماما والتركيب النفسي للبطل (بو مهدي) في كل ما أرادت ان تقوله من خلال كل ذلك بان كل شيء ليس ذو أهمية ولا يثير الاكتراث ويثير السأم والملل وما تسلل الى المتلقي وارى ان المؤلف كان يخطط الى تنميط شخصياته وأحداثه ليعزز هذا الشعور والإحساس وانتقاله من الرواية الى المتلقي .لقد نجحت رواية ( أرصفة وجدران ) للكاتب المغربي محمد زفزاف في استخدامها الذكي لتقنية المونولوج الداخلي في تكريس معرفتنا بالشخصية المغتربة وهي داخل محيطها معيدة الى الأذهان أجواء الرواية العربية الستينية المتأثر بأدب العبث والوجودية وبطلها المأزوم اللامنتمي والباحث عن جدوى الحياة والحاجة الى تغيير العالم وفي ذلك افتراق بسيط بين هدف رواية زفزاف والرواية الوجودية والعبثية التي لم تخرج من منطقة لا جدوى الوجود وعبثيته دون البحث عن حلول ناجزة لتخرج الإنسان من أزمته في مجتمع ينتهك وجوده الإنساني .