المعلم والفلسفة التربوية
تطورت نظريات التربية منذ بدء هذا القرن تطورا عظيما فأصبحت تعتمد في تكوينها وتطبيقها على استعدادات الفرد وحاجاته وحاجات المجتمع ، ونما علم النفس وامتد أثره إلى ميدان التربية مما جعلها علما له قواعده وأصوله وتشكلت التجارب والأبحاث وجدت أراء وطرق للتدريس لم تعرف من قبل وان كانت عرفت من قبل لم تنتظم التنظيم الكافي ولم تقنن تقنينا يضمن لها الذيوع ، ومع انتشار التجارب والأبحاث والطرق الحديثة اليوم إلا إننا نقف بإجلال واحترام لمعلمينا القدامى الذين وان كانوا لا يسترشدون بهذه الحداثة في التعليم إلا أن التفوق العلمي ونسب النجاح العالية على أيديهم وحتى النوعية الممتازة للخريجين مما نفتخر به ونعتز به اعتزازا كبيرا ، فهل كان المعلمون الأوائل يقودون طلبتهم وفق فلسفة التربية التي أصبحت علما قائما بحد ذاته اليوم في عملية التعلم ؟
إننا نرى الحال عكس ذلك في يومنا هذا فالخط البياني للمستوى العلمي أصبح متدنيا وان طرق التدريس لازالت عقيمة والمنهج المدرسي غير مستقر ولم يلبِ حاجات المتعلمين رغم التقدم الذي حدث في بلدان العالم في هذه المجالات ، ونقول : هل الكتاب المدرسي مقود أم قائد ؟ والجواب هو أن المعلم هو العمود الفقري في العملية التعليمية والتربوية ، فالمعلم هو الذي يعمل على صياغة أفكار ورؤى الكتاب ومحتواه بشكل ملائم لحياة التلاميذ ولمتطلبات العصر وفقا للتطورات الاجتماعية والعلمية السريعة التي يشهدها العالم.
المعلم أو المدرس هما اللذان يجددان في طرق التدريس وقيادة تلامذتهم إلى حل المشكلات العلمية أو العملية وفق التفكير السليم أي البحث عن الحقيقة بمعاونة وإرشاد معلميهم والمعلم يدرك جيدا أن المهم هو نوعية التدريس وليس كمية المادة المعطاة لتلامذته حيث يختار المواد المفيدة ويحملهم على الانتباه المستمر بالانتقال من فقرة إلى أخرى وان يقوم بإبعاد عوامل الشك والتردد في تدريسه وهذا ما يعمل على تقوية شخصيته ويزيد من قيمة درسه ويرفع منزلته أمام طلبته .
أن الطرق الحديثة في التعليم تتلخص بالانتقال من التعليم اللفظي الإخباري القائم على الكتب والشرح والاستظهار إلى التعليم الموضوعي القائم على الخبرة الشخصية بالأشياء والمواقف ذاتها كما يتلخص في الانتقال من نشاط المعلم أو المدرس في التعليم إلى نشاط التلميذ أو الطالب في التعلم ومعاونته على كيفية التفكير بدلا من الاهتمام بالمادة ذاتها .
أن جانبا كبيرا من فشل المعلمين والمدرسين في التدريس والتلاميذ في التعليم يرجع إلى عدم تكوين التلاميذ تكوينا صحيحا فيظل المدرس يتكلم في أشياء ويسهب في شرحها ظنا منه أن التلاميذ لديهم خبرة وعلم بالأساس الحسي لما يقول على حين إنهم ليسوا كذلك فيكون تدريسه مدعاة لتسرب كثير من المعلومات الغامضة ومضيعة للوقت الثمين ومعنى ذلك انه يجب على المدرس أن يجعل تدريسه في المدرسة الابتدائية على الأقل مرتبطا بالحياة الواقعية وكسب تلامذته الخبرة الصحيحة بأنفسهم كما أن الفلسفة الحديثة تؤكد على تعويد التلميذ أو الطالب الطاعة وان ندرك أن الطاعة هي ليست غاية بحد ذاتها وإنما وسيلة لمساعدته على كيفية الاختيار السديد وإصدار الأحكام الرشيدة بنفسه ، وأساس الطاعة هو الاحترام لا الخوف.
لقد هاجم الفيلسوف والمربي الكبير (جان جاك روسو) سياسة التعليم في زمانه وصرح بان تلك السياسة تنجح أو تفشل بمقدار ما يمكنها من جعل الحياة المدرسية شائقة وجذابة وشخص للآخرين دواءهم في عبارة من عباراته الفلسفية حيث قال منتصرا للطفل والطفولة : (إننا لا نعلم شيئا عن الطفولة وكلما مضينا في تربية الأطفال ونحن على جهل بطبيعتهم ازددنا تورطا في الأمر ، والعجيب أن المربين والقائمين على أمور التربية قد اضنوا أنفسهم كثيرا وأجهدوا عقولهم فيما يجب على البالغ أن يتعلمه وما يجب على المدرس أن يعامله به ولكنهم نسوا من هو أهم من البالغ شانا وأحق منه بالعناية وهو الطفل الذي اغفلوا شانه ولم يلتفتوا إليه) .
تحية لحملة مشاعل العلم والمربين وهم يؤدون صناعة من أدق الصناعات وأكثرها صعوبة وأقساها هي صناعة الرجال وهم اليوم يؤدون واجبهم ينبغي عليهم معرفة أن الطفل يقوم بعملية التعلم زمنا طويلا قبل التحاقه بالمدرسة وان اصدق مقياس للتدريس هو ما نشاهده من تطور في سلوك المتعلم الذي يجب أن يكتسب المهارة في الخبرة والتفكير للتغلب على مشاكل الحياة وان أهم واجبات المعلم هو أن يفهم تلميذه ويعرفه حق المعرفة لأنه المحور الذي تدور حوله ومن اجله عملية التربية والتعليم .
لفته عباس القره غولي – ذي قار
AZPPPL























