
المطلق في الفساد والإفساد – عبد المناف عبودي
ليس جديداً أن نسمع أو نرى أشخاصاً يستغلون مناصبَ سياسيَّةً أو دينيَّةً أو اجتماعيَّةً؛ من أجل ملء جيوبهم وإثرائهم على حساب المال العامِّ وعلى حساب قوت الجماهير، ففي حقب التاريخ السحيقة كان السدنة وحُرَّاس المعابد ينتهزون القدسيَّة المزعومة للآلهة لدى السُّـذَّج من الناس في تلك الحقب للــ(لغف) ما يأتي به هؤلاء للآلهة والمعابد من نذورٍ وهدايا ليس من المال والطعام، بل حتى تصل في بعض الأحيان إلى “الجواري الحسان”. وربما أوضح مثالِ على المُثرين الذين ذمَّهم الله في قرآنه الكريم هو قارون إذ قال فيه : ” إنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى? فَبَغَى? عَلَيْهِمْ ? وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ” إلى قوله ” وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ” أمَّا في الديانتين اليهوديَّة والمسيحيَّة فقد أشار تعالى إلى فساد بعض الأحبار والرهبان فيهما؛ لاقترافهم جرائم ماليَّة، فقد قال تعالى : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ? وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أليمٍ” ولذا جاء في الإنجيل ما مضمونه أنَّ يسوع المسيح كان يقول لهم «مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!» أما في الإسلام فقصَّة شراء القاضي شريح داراً بثمانين ديناراً ومساءلة عليٍّ (ع) له أشهرُ من نارٍ على علمٍ، فضلاً عن قصة الخليفة عمر بن الخطاب مع أبي هريرة عندما ولاه على البحرين، أما في العصر الحديث فحدِّث ولا حرج، فكم من مُثرٍ على حساب الخزينة العامَّة ولقمة الفقراء والمساكين، وكم من وزيرٍ وكم من حكومةٍ أُطِيْحَ بها جراء ثبوت فسادٍ ماليٍّ وإثراءٍ غير مشروعٍ، وليست حكومة نواز شريف في باكستان عنَّا ببعيدٍ!! هذه قصَّة المُثرين على حساب الأمم والشعوب كانت وما زالت ولن تنتهي إلا بإقامة قواعد الحقِّ والعدل المطلق الذي لا حكم فيه إلا للقانون وحده “لا شريك له”. ما دعاني لكتابة هذه السطور هو تصريحٌ لمسؤولٍ كبيرٍ سابقٍ وصاحب كيان مُمثَّل في البرلمان في مقابلةٍ له أجرتها معه إحدى الفضائيَّات العراقيَّة يتبجَّح فيه بكلِّ وقاحةٍ وصلافةٍ: إنني لا أكشف عن ذمَّتي الماليَّة ولماذا أكشف عنها!! بل ذهب إلى أبعد من ذلك بافترائه على القضاء بأنَّه – أي القضاء – أخبره بعدم وجوب الإفصاح عن ذمَّته الماليَّة!!!! ونحن نقول: إنه إذا كان فاسداً ربما يكون الكلام عليه أقلَّ قسوةً لكنَّ إنساناً بهذه المناصب التي تسنَّمها منذ 2003 وحتى اليوم؛ إذ يتزعم كياناً سياسياً معروفاً له حضوره في البرلمان وله “حصَّته” من المناصب في الدولة العراقيَّة، مع هذا كله و”يهرف بما لا يعرف” ويفتري أعظم الفرى، لقد جاء شيئاً إدَّاً!! فبدل أن يكتفي بصفة الفاسد يصبح مفسداً أي بعد أن كان متلبِّساً بالصفة (الفساد) جعل غيره يتَّسم بها فأفسدوا مؤسَّسات الدولة وعاثوا بها. ألم تعلم أيها العصاميُّ الألمعيُّ الأوحديُّ!! صاحب الثروات الطائلة!! وصاحب الشهادات العليا في !! والسياسيُّ البارز !!
قانون نافذ
أنَّ قانون هيئة النزاهة النافذ رقم 30 لسنة 2011 أشار لوجوب الإفصاح في فصله الرابع تحت عنوان (الكسب غير المشروع) المواد 16 – 20 بدءاً بوضع الهيئة للائحة التنظيمية لأحكام ومبادئ الإلزام بتقديم تقارير الكشف عن الذمم الماليَّة، مروراً بتحديد المكلَّفين بواجب الإفصاح، فضلاً عن تشخيص الذين يحصل لديهم تضخُّمٌ في الأموال وإثراءٌ غير مشروع وانتهاءً بالإحالة للقضاء، ومن ثمَّ تحديد الحكم بالحبس على من لم يستطع إثبات مشروعيَّة مصادر كسبه. وإذا قلتَ: إنَّـني الآن لستُ ممَّن يجب الإفصاح عن ذمَّـته الماليَّة؛ لأنَّني غادرت المنصب فنقول لك : ألم يصل إلى مسامعك أنَّ الهيئة قرَّرت شمول كلٍّ من رؤساء الأحزاب السياسيَّة وأعضاء الهيئات المُؤسِّسة لهذه الأحزاب بواجب الإفصاح عن ذممهم الماليَّة، وأنها نسَّبت ذلك؛ عملاً بأحكام المادَّة (17 /البند الثاني عشر) من قانونها النافذ رقم 30 لسنة 2011 التي نصَّت “على شمول كلِّ من ترى الهيئة ضرورة بالكشف عن ذممهم الماليَّة” . أيُّها الفاسد المُطلق ألم تدرِ أنَّ مُسوَّدة مشروع قانون الكسب غير المشروع الذي أنجزته الهيئة ووافق عليه مجلس الوزراء وسيُحيله إلى مجلس النُّوَّاب للتصويت عليه بعد عرضه على مجلس شورى الدولة تنصُّ المادَّة 8 منه على أن : “يُعاقَبُ بالحبس مدَّة لا تقلُّ عن سنةٍ واحدةٍ كلُّ مُكلَّفٍ تعمَّد إخفاء معلوماتٍ مطلوبةٍ في الاستمارة قدَّم معلوماتٍ كاذبةً ثبت أنَّـها لها علاقة كسبٍ غير مشروعٍ”. فيما نصَّت المادة 11/ أولاً على أن “تُحرَّك دعوى جزائية من قبل الهيئة ضدَّ كلِّ مُتَّـهمٍ بارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون”. فهل يا ترى تنتظر وتتمادى في غيِّك حتى يُـقـرَّ القانون؟!! وإذا كنت مستغرباً من إجراء الإفصاح عن الذمَّة الماليَّة، فانظر إلى الدول الديمقراطيَّة التي تدعو أنت جهاراً نهاراً إلى ضرورة الأخذ بنظمها السياسيَّة المبتناة على أساسٍ مدنيٍّ، فهل ترى واحدةً منها لا تُـلزم كبار مسؤوليها أن يفصحوا عن ذممهم الماليَّة؟! وإليك نصُّ المادَّة 20 من اتِّـفاقية الأمم المُتَّـحدة لمكافحة الفساد التي وقَّع عليها العراق بموجب القانون رقم 35 لسنة 2007 ” تـنظـرُ كلُّ دولةٍ طرفٍ رهناً بدستورها والمبادئ الأساسيَّة لنظامها القانونيِّ في اعتماد ما قد يلزم من تدابير تشريعيَّـةٍ وتدابير أخرى لتجريم تعمُّد مُوظَّفٍ عموميٍّ إثراءً غير مشروعٍ أي زيادة موجوداته زيادةً كبيرةً لا يستطيع تعليلها بصورةٍ معقولةٍ قياساً إلى دخله المشروع”.
أما تضليلك الجمهور بزعمك أنك مستهدفٌ سياسياً بدلالة ذكر اسمك دون الآخرين الذين منهم أكثر من 270 نائباً، فلن ينفعك تدليسك بشيءٍ، فهؤلاء لم يكشفوا ذممهم الماليَّة، بيد أنَّهم في الوقت ذاته لم يثبت بحقِّهم تضخُّمٌ في الأموال بخلاف قضيَّتك يا سيادة ..!! فأنت ذُكِرَ اسمك؛ لأنك تصرُّ على عدم الإفصاح منذ الدورات السابقة فضلاً عن أنَّك وُجِدَ في أموالك تضخماً وإثراءً جعل النزاهة تشكُّ في مصادر هذا الكسب! فإذا لم يستطعْ القضاء إدانة هذا السياسيِّ وغيره ممَّن أثروا على المال العامِّ، فحريٌّ بالإعلام الحرِّ النزيه أن يفضح هؤلاء المفسدين ويُؤثِّـر في الرأي العامِّ؛ بغية عزوف الجماهير عن انتخاب أمثال هؤلاء، وعدولهم إلى غيرهم ممَّن يتوسَّمون بهم النزاهة والأمانة وعفة اليد والإخلاص للشعب والمؤسَّسات المنبثقة عن إرادته، فضلاً عمَّن تتوفَّر فيهم الخبرة والمهنيَّة التي تمكِّــــنهم من إدارة مُؤسَّسات الدولة لتحقيق أهداف تلك المؤسَّسات التي من أهمِّها تقديم الخدمات للمواطنين بمستوى يليق بهم.


















