
المشروع الوطني العراقي – حسين علي الحمداني
عملية البناء الديمقراطي في العراق وفق المنظور الأمريكي كانت عملية خاطئة جدا عندما نظرت للعراق على إن شعبه مجموعة طوائف وكانت أمريكا تسعى لإشراك المُكونات العرقية والدينية وينظر للعراقيين على وفق إنتماءاتهم الفئوية والدينية وليس من خلال رؤيتهم الفكرية والإيديولوجية التي يؤمنون بها وهذا ما تجلى بوضوح في تركيبة مجلس الحكم الذي تشكل صيف 2003 وأصبح فيما بعد نموذج للحكومات المتعاقبة، وبالتالي فإن اقتصار الرؤية الأمريكية هذه على المكونات العرقية والدينية فرغ الديمقراطية من محتواها الحقيقي والذي يتمثل بعنصر المواطنة الذي تم تغييبه لتحضر بدل عنه الهويات الفرعية.
وهذا التمكن للهويات الفرعية أتاح لها أن تأخذ من الديمقراطية الكثير دون أن تقدم لها شيئاً ليطورها وينقل العراق من مرحلة الانتـــــــقالية إلى مرحلة البناء وترسيخ الديمقراطية لدرجة بأن العراق وبعد عدة دورات انتخابية لازالوا في أزمات متتالية بسبب التركيبة المـــــشوهة التـــــــي تحكم بطريقة التوافقات وليس بالاستناد إلى الدستور الذي يمثل الوثيقة الموقعة بين الشعب والسلطات بكل تفرعاتها،وهذا ما جعل الفترة الانتقالية تطول حتى يومنا هذا.
لهذا نجد اليوم انبثاق تيارات سياسية عابرة للطائفية وتركز على تعزيز مبدأ المواطنة الذي ظل مغيبا من قبل الأحزاب التي سعت لوضع المواطنة جانبا والتركيز على الطائفية والجهوية والمناطقية مما أفقد المشروع الديمقراطي الكثير من خواصه وجعله وليدا مشوها إن لم يكن منبوذا.
لهذا كان من الضروري جداً بأن تكون للمشهد السياسي العراقي الحالي قوى وطنية تحمل فكرا جديدا تسعى من خلاله لتعزيز المواطنة التي ينادى بها الجميع الآن من جهة، ومن جهة ثانية تحافظ على وحدة العراق المهددة في الصميم.
لهذا فإن الانتخابات القادمة ستكون حاسمة ومفصلية في استرجاع المواطنة التي غيبت بفعل فاعل من جهة ومن جهة ثانية عدم السماح (بتدوير الماضي) القريب منه والبعيد وأفضل طريقة لنا كمواطنين تتمثل بنبذ الطائفية شكلا ومضمونا والسعي لخلق نخب سياسية واعية ومدركة للواقع العراقي المتعايش سليما منذ آلاف السنين.
لهذا نجد بأن التيار السياسي الحديث يستحضر الشق الثاني من الديمقراطية وهو الجانب الاجتماعي القائم على أسس المواطنة وبنا الوعي ومحاولة تخليص العقل العراقي من تشوهات الماضي من جهة ومن جهة ثانية محاولة لم شمل القوى الديمقراطية التي أصابها التشتت في حقبة النظام البائد بحكم السياسة القمعية السائدة آنذاك، وما حل بها من هجرة ثانية بعد عام 2003 بسبب الأوضاع الأمنية، ومن تهميش طال الكثير من المفكرين والباحثين بسبب نظام المحاصصة الذي تجاهل الكفاءات والخبرات وجنح للحزبية والفئوية والطائفية في إشغالها.
لهذا فإن الرؤى المطروحة الآن في الشارع العراقي تؤكد بأن هنالك وعيا يكتسح هذا الشارع على ضرورة إعادة النظر بالمشروع الديمقراطي العراقي الذي يرفض الوصاية الخارجية التي كانت السبب في تشتت الموقف العراقي في السنوات الماضية.


















