المسرح الجاد بين الجمهور النخبوي و أزمة الوعي

المسرح الجاد بين الجمهور النخبوي و أزمة الوعي

مسؤوليات الأنساق المجتمعية وتناقضات الأحداث

مهند صلاح

أنتجت العقلية الإبداعية العديد من الآداب و الفنون التي أتاحت أمام الجمهور الفرصة في أن يتطور و ينتقي إختياراته بشكل يسمح لكل أدوات هذا النتاج بأن تندفع نحو مساحات أوسع و أكثر توهجا , و بالتالي سيسهم كل هذا في تحديد درجات الثقافة التي تمتاز بها الشعوب و مدى إهتمامها في صناعة مساحات من الرقي تؤهلها لمناطق الإشعاع نحو مجتمعات أخرى أقل وعيا .

 ولأن المسرح هوالنافذة الحقيقية والمثلى التي من الممكن أن تطل من خلالها الثقافات لتمارس أدوارها في تحقيق التوازن الفكري والمعرفي للمجتمع , فإن الإقبال من ( الجمهور والفنان ) كان واضحا منذ بداية القرن الماضي على تأسيس ( مسرح جاد ) يمتلك تقنيات وإمكانيات ترتقي لما قد وصل له هكذا مسرح في الغرب والإتجاه نحوالتأسيس لمسرح يمتلك كل المؤهلات التي تجعله مقبولا للذائقة التي تلقت هكذا مشاريع ثقافية بسعادة كبيرة . وهذا ما يؤكد إمتلاك الجمهور لثقافة موازية تواكب ما يتم طرحه وتصديره له .. المسرح الجاد وهوينتقل حداثويا بمراحل لا تبتعد كثيرا عن ما مرت به بقيت الفنون والآداب الأخرى .

طرح زمكاني

فمن المسرح التجريدي الكلاسيكي إلى الرومانسي ومن ثم الكلاسيكي الحديث وصولا إلى الواقعي والسريالي والرمزي , وهذا بحسب الطرح (الزمكاني ) والحقب الفكرية والإجتماعية والسياسية التي تتشظى من خلالها قيمة العمل ومديات الإنتكاس أوالإرتقاء فيه. إنه الخلاصة المعرفية التي يجب التفاخر بها وتشجيع كل محاولات تحديثها . إلا إن الحروب وإنسلاخ ذائقة التلقي والقراءة لدى الأجيال التي أنتجتها تراكمات الدمار الذي إستهلك الذائقة مع تجرد العقل الجمعي للمجتمع من معايير الرقي وإستهلاك المسارح التجارية و( المنحطة ) وإعتبارها البديل الأمثل عن ( المسرح الجاد ) الذي أصبح معروفا بـ ( مسرح المجانين ) , ليبقى منحسرا بالنخبة التي أصبحت تتفائل يوما بعد آخر , فأصبحت هكذا تجاربمسرحية مقتصرة على الدروس الأكاديمية والمقارنات التاريخية , والمشاركة في المهرجانات الدولية في أقصى الأحوال .. إنها خدعة التقدم نحومسارات جديدة التي يحاول البعض إتقان صناعتها وتقديمها كبدائل فقط كي لا يعترفوا بأنهم غير قادرين على إدارة المشروع الثقافي وإنكفائهم بين رغباتهم الشخصية بالنجومية المزيفة التي يبيعون أقلامهم ومشاريعهم من أجلها , وبين إنحسار إمتداداتهم نحونخبة صنعت حاجزا لا حدود له بينها وبين القارئ والمتلقي بشكل عام .. نحن اليوم أمام فراغات شاسعة يشترك في إنشائها طرفين لا ثالث لهما . طرف أصاب البلاد بشتى مجالات الخراب وهو( المفكر الآيديولوجي ) القابع خلف إنزواءات الرغبات التحزبية ويعتاش على أكاذيبها , وهولا يستحق حتى أن نطلق عليه مصطلح ( مفكر ) , أما الطرف الآخر فهم اللاهثون خلف سراب تزعمهم للمشهد الثقافي وهم في حقيقتهم لا ينتمون لهذا المشهد ولا يمثلون تغيراته , إنهم الصانعون المحترفون للفجوة العميقة بين الجمهور والنتاج . وبذلك من المؤكد بأن إدعاهم لجهل الجمهور وعدم وعيه غير صحيح ومليء بالكذب , لأن الوعي المعرفي لعملية التلقي لهذا الجمهور هي نتائج بديهية لما يروجه ( المنتج ) . فإذا كان هذا المنتج منعزلا وراضخا لواقع ما يطرحه الطرف ( التجاري ) من أعمال , فهوبالتالي سيكون المؤسس الأول لأزمة الوعي .. نحن بحاجة لجيل جديد يعيد ترتيب أبجدية المشهد الثقافي بالكامل . فيعيد الثقة للمتلقي بالنتاج الإبداعي , ويخرجه من دائرة ( المسرح , والأدب , والإعلام ) الرخيص والمبتذل .. ( المسرح الجاد ) هوترجمة حية للواقع ومعاصرة تفاصيله . إنه الوعي التام تجاه مسؤوليات الأنساق المجتمعية ونقل الآثار الناجمة عن تناقضات الأحداث والخوض في صراعاتها وتوثيق التشظيات المنبثقة من نتائجها .. علينا أن نضع أيدينا على الجرح الكبير الذي شوه جسد المشهد المسرحي , وتسبب في دخول شخوص لا ينتمون بشيء لمؤهلات المسرح , وإعتبارهم بالتالي مجرمين بحق الواجهة الثقافية للبلاد , بعد أن وصلوا لمراحل تسميــــــتهم برواد المسرح !!