المرئي واللامرئي في رواية البحث عن مـلاذ
السرد يعالج الفساد الإداري والمالي
نجاح هادي كبة
يمتد التخييل لدى الروائي ناطق خلوصي في روايته ( البحث عن ملاذ ) الى بنية غير مغلقة بشخوص بولوفونية ( متعددة الاصوات ) فهي رواية واقعية – اجتماعية تعكس واقع الفساد المالي في العراق من سارقي المال العام او ما يسمون ( حيتان الفساد ) او ( القطط السمان ) – كما ينعتون – والرواية وان تدور ضمن بنية مكانية مغلقة لكنها هيرومونيطقيا موظفة لما آل اليه حال العراق السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي بعد التغيير العام 2003م على لسان بطل الرواية الاول ( وحيد المرزوك ) يؤازره ( ممدوح الجمال ) وسكرتيرة مكتبه ( نادية شرهان ) او مايسمون ( ثلاثي البطاقة – التموينية ) ( ساوره شيء من الخوف من ان يطيب لضيفه وظيفته المكوث طويلا معه خشية من ان يكونا ملاحقين من قبل السلطات العراقية وهو شريك لهما في اكثر من قضية ) ” الغلاف الاخير” الروائي كان دقيقا في اختيار عنوان الرواية وشخوصها ( فثلاثي البطاقة التموينية )وغيرهم من العراقيين المهاجرين كانوا يبحثون عن ملاذ امن يقيهم شر المطاردة اما أسماؤهم فتدل على مسمى قصده الروائي ( فوحيد المرزوك ) كان فعلا وحيدا ومرزوقا في سلوكه الشائن لانه بقدرة عجيبة استطاع ان يشتري عمارة بالقاهرة هي ( عمارة الفيل الابيض ) و( نادية شرهان )
فهي فعلا نادية شرهان فهي نداء للشراهة لانها ( طرف مهم وشريك فاعل في المجموعة التي عرفت باسم ( ثلاثي البطاقة التموينية ) (وقد لعبت دورا كبيرا وحيويا في اتمام الصفقات التي جعلت الدولارات تنهال عليهم مثلما ينهال المطر ) ” الغلاف الاخير” . اما ( ممدوح الجمال ) فهو في الروائي مذموم لا ممدوح ويكفي انه جمال لما يحمله كالجمل من المال العام المسروق كما كان الروائي دقيقا في اختيار المكان الاليف والمعادي لشخوص رواية ابطاله ايضا يحركهم كالدمى بين عمان – القاهرة فهما محطتا التقاء العراقيين اختار القاص البطل الاول في الرواية ( وحيد المرزوك ) ليكون مركز الثقل في تحرك أبطاله , , فقد اختصر شخوص سارقي المال العام بالعراق في شخصيته , وقد جعل القاص من شخوص ( عمارة الفيل الابيض ) بالقاهرة بديلا مصغرا لحال العراق وما ال اليه من فساد على يد سارقي المال العام ولكي يعمم الروائي الفساد من طريق ( عمارة الفيل الابيض ) وظفها لعرض واقع المجتمع المصري والعربي الاجتماعي من طريق الجنس والجنس المحرم وهو مايركز عليه الروائي في اغلب قصصه وقد يكون تناصا مع رواية بصقة في وجه الحياة للروائي فؤاد التكرلي في هذا المجال او ان يكون تناصا مع قصص سابقة له كقصة ” اعترافات رجل مهم – الا ان القاص تحاشى كثيرا من ان يعرض افكاره الروائية عن واقع العراق الاجتماعي فيما يخص الجنس بل جعله مشتركا بين جنسيات عربية متعددة ليبية وصومالية ومصرية وقد يقصد الروائي من وراء ذلك ان الفساد المالي في بلده العراق سبب شمل مساحات عربية اوسع مصرية وعربية من طريق البطل الاول في الرواية ( وحيد المرزوك ) الذي اشترى ذمم اكثر النساء القاطنات في عمارة ( الفيل الابيض ) يمارس معهن الجنس زيادة على واقعهن الاجتماعيي – الخلقي الشائن اساسا بدلا من توظيف الأموال لاصلاحهن – او هكذا يرى الروائي – بواسطة الدولارات التي سرقها هو وبطانته التي وزعها بسخاء عليهن ولم يستثن منهن حتى عاملة التنظيف التي كان يجبر زوجها على جلبها له على الرعم من عتابه له على هذا الامر اذ كان يحز في نفسه ان يرى زوجته في هذا الوضع المزري ( التقاه عند مدخل العمارة وقال له : الشقة في حاجة الى تنظيف – سأرسل لك شريفة – لا ترسلها لوحدها تعال معها انت ايضا – هل من الضروري ان افعل ذلك ؟ وهل اظل أعيد واكرر ؟ ألم اقل لك في المرة السابقة ان هذا لمصلحتك حفاظا على سمعتك وسمعة زوجتك في العمارة ؟ حسنا انت على حق . متى تريدها – غدا صباحا ) ص :42 – 43 و (وحيد المرزوك ) اغتصب ( شيرين ) وفض بكارتها بدولاراته ومارس الجنس مع امها التي اضحت عمته حين اجبر على الزواج من شيرين خوفا من العواقب ( انتبهت الى ان صوته خفت وبدا جسده يتراخى وواصلت فك أزرار قميصه . ان اللحظة الحاسمة اتية لاريب . دفعته الى السرير لا مناص اذن من ان يستسلم وقد استبدت به الرغبة هو الاخر , وخلل نصف ساعة انتهى كل شىء , وهاهي تستلقي الى جواره وقد دمعت عيناها قبل ان تنفجر بالبكاء . هل احست بغلطتها وندمت على ما فعلت في لحظة جنون حقيقي ؟ قالت وهي تزداد اقترابا منه : وهبتك اغلى ما تملكه البنت فماذا ستمنحني ؟) ص 164 . وظف الروائي تقنيات متعددة لاتقان صنع زوايته كالمونولوج والدايلوج والتداعي الحر والتحليل النفسي والوصف المشهدي , فكان الروائي بعيدا عن الأ لاعيب البلاغية الا ماندر وعلى وفق الحاجة فالروائي وظف اسلوب التغريب الذي عرف لدى برشت مع الإفادة من حوارات باختين اذ كل حوار يستدعي حوارا فحوارات متعددة بوصف الحوار تناصا . ( مابك ياهاني ؟ – انها شيرين مابها شيرين ؟ بدأت تبتعد عن تهاني واماني وتقترب من منطقة الخطر … اخرجي ياشيرين توسلت البنت . اعتذر ياامي . لن اكرر ذلك , وجاءها صوت ابنتها الكبيرة متوسلا بأن تسمح لهن بالمكوث في الماء وقتا اطول فانصاعت لرجائها .. كان جالسا لوحده باسترخاء تمر الاجساد الشهية من امامه , وعاودته تلك الرغبة اللعينة في النوم مع كل نساء العالم ثأرا لجسده وروحه معا ) ص:136 الرواية جاءت بحق من صانع ماهر اتقن لعبة صنع روايته بافكار شاعرية كان التغريب فيها ينهال كالمطر المدراء بضربات مفاجئة وصادمة وبوحده عضوية متلاحمة يجعل القارئ يلاحق بمشاعره وفكره السرد الروائي من دون ككل او ملل فقد استطاع الروائي ان يتمدد طبولوجيا بموضوع مختصر يتلخص بسرقة المال العام من حيتان الفساد فكان قادرا على ادهاش القارئ من طريق تشكيل الاحداث باسلوب يخترق الذاكرة فالروائي امتلك السيطرة على زمام روايته اذ جعل القارئ منشدا من طريق السرد ومن خلل الاحداث اكثر من انشداده للنهاية (ضغط على زر جرس الباب وانتظر لحظات حتى اذا ما ارتدت الظلفة الى الوراء ورأى وجه صاحبه , اندفع نحوه وقبله , ومالبث ان قال : – جئت اليك بطلب فارجو ان لاتردني – ساوره الظن ان صاحبه جاء في طلب المزيد من الدولارات لكن تبين ان الامر ليس كذلك , سمعه يقول : جئت ادعوك لحضور الوليمة الصغيرة التي اقيمها هذا المساء – بالمناسبة ؟ نعم مبروك وبالرفاه والبنين , اين ستكون الوليمة ؟ ) ص:156 . خلق الروائي بنية صغيرة مضادة لبنية الفساد في عمارة ( الفيل الابيض )جعل من الشيوعي ( نجيب البغدادي ) طرفا في التحري عن ( وحيد المرزوك ) وبمزر اجتماعي هو علاقة ابنه صلاح بشيرين قبل ان يغتصبها (وحيد المرزوك ) ويتزوجها ( صاحبك نجيب هذا شيوعي مستقل , انفجر ضاحكا فعاجله الاخر بالقول : لماذا تضحك – كيف يكون شيوعيا ومستقلا في ان واحد ؟ …. على اية حال ماذا لديك من معلومات عنه ؟ قضى ثلاث سنوات في سجن الحلة … سكت فسأله – هل هذا كل مالديك من معلومات ؟ حاليا نعم – ولكن ماحاجتك لهذا المعلومات عن مثل هذا الرجل المشبوه ؟ لغاية في نفس يعقوب , واطلق ضحكة مجلجة ) ص: 182-183 . ولم يكن ( نجيب البغدادي ) وحده الذي تحرى عن ( وحيد المرزوك ) فهناك ( تميم العزاوي) المصري المعارض للاسلاموية لكن الروائي كال جحيم غضبه على عبد التواب امام المسجد ووصفه بالازدواجية اذ دنأت نفسه على زوجة البواب شريفة ولم يكتف بهذا القدر من الهجوم عليه بل جعل زوجته تخونه مع ( وحيد المرزوك ) وهذا يدلل على ضعف ثقة في دور بعض رجال الدين ومن ثم عدم مشاركتهم في الاصلاح المجتمعي , قالت خادمة التنظيف ( لوحيد المرزوك ) (انا في خدمة سيادتك ؟ – هل دخلت غرفة نوم الشيخ يوما ؟ للتنظيف طبعا ولغير التنظيف , ادركت مايعني , ظلت مترددة بين ان تتكتم على سر المهنة فتخسر سخاء هذا الرجل , او تكشف له عن اسرار زبون من زبائنها فتكسب رضاه وما يغدقه عليها من نقود مغرية , اختارت الطريق الثاني بعد فترة صمت طالت بعض الشيء ) : ص 131 الا ان الروائي لم يعط دورا للشخصيات الوطنية او الدينية في القضاء على الفساد وسرقة المال العام في بلده العراق , فقد تعرض في سرده بين الهجوم عليهم والادانه غير المباشرة – كما ذكر انفا – لا بد من الاشارة الى ان الروائي وظف في روايته اللغة الوسطى تارة وهو مستوى من مستويات اللغة الفصيحة وتارة اخرى اللغة الفصيحة تسودها البلاغة القديمة وهو في ذلك كله قادر على التقاط الالفاظ الدارجة العربية او الاجنبية والامثال الشعبية والكنايات البلاغية الوجدانية التي توقظ الجمال في القارئ كقوله 🙁 وهي تعرف حق المعرفة حقيقة هذه الرغبة وكان قد عبر عنها في اكثر من مرة وكادت ثمرتها الناضجة تسقط في فمه لكنها سحبتها قبل ان تدنو بمذاقها الشهي ) ص: 169 . وقوله 🙁 لقد اخطأ هو بحقها ويمكنها ان تهدده في اية لحظة للكشف عن المستور فتقوض آماله واحلامه ) ص: 174وهو في ذلك كله ايضا قادر على ان يحلل شخصيات روايته نفسيا ولاسيما شخصية ( وحيد المرزوك ) فقد استبطن الروائي شخصيته فظهرت انها مصابة بامراض سادية ومازوكية ( وجدها تمد يدها وتزيح الربطة عن رأسها فانسدل شعرها السرح اللامع وبان كامل وجهها بسمرته المغرية عاوده ذلك الحنين المبتذل الى جسد المرأة : ذلك الجنون الذي يعصف به حين ينفرد بامراة وتستبد به الرغبة في امتلاكها انتقاما من نفسه ) ص:122 وعبر مفاصل الرواية الاربعة عشر مهد الروائي لكل مفصل بوحدات سردية وصل من طريقها الى تكوين قصص شذرية ( قصيرة ) ليكون مجموعها رواية ( البحث عن ملاذ ) بوحدة عضوية متماسكة اذ كانت النهاية ( ان فوجئت العمارة بدوي ثلاث رصاصات وكان وحيد المرزوك يتخبط بدمه بعد ان اصابت احدى الرصاصات صدره والأخرى رأسه اما الثالثة فقد مزقت مابين فخذيه فتفجر من المكان فيض دم اسود ) ص: 229 وترك الروائي النهاية مفتوحة التأويل للقارىء ليتحرى عن القاتل هل هو ملابسات الوضع الامني في بلده العراق وعلاقته المتوترة فيه بمن نافسهم بسرقة المال العام ؟ او اعمام شيرين القرويين التي فض بكارتها ؟ او لسلوكه الشائن مع اسر القاطنين في عمارة ( الفيل الابيض ) الا ان النهاية كانت غير مفاجئة لكنها صادمة ومتسقة مع واقع الاحداث في الرواية التي كانت القاهرة فيها ملاذا للعراقيين الهاربين او المهاجرين امثال (وحيد المرزوك ) (ونجيب البغدادي ) ولابد من الاشارة الى ان رواية البحث عن ملاذ جاءت عقيب صدور رواية اعترافات رجل مهم وكلا الروايتين تعالجان الفساد المالي والاداري الذي حل بالعراق بعد التغـيير العام .2003
الثقافة والمجتمع
مؤيد جواد الطلال
الثقافة في البدء, كل ثقافة, هي بمثابة تصعيد متسامٍ وتنظيم عقلي للخبرات والتحصيلات المعرفية لأمة من الأمم أو شعب من الشعوب. ولذا فإن القدرة المعرفية البسيطة لأي شعب من الشعوب البدائية في لحظتيها السلبية أو الإيجابية تتناسب وتتناظر إلى حد ما مع البنية الاقتصادية والاجتماعية لذلك الشعب, ومع أسلوب إنتاجه المادي ومدى تطور قواه التكنيكية والجسدية والعقلية في آن واحد. وبهذا المعنى تكون الأسطورة والسحر والإرهاصات الدينية الأولى والخبرات اللغوية والأخلاقية والفنية..الخ بمثابة بوتقة تركيبية أو أسلوب تشكيلي يغلف الجوهر المادي والاجتماعي, يعبر عنه ويشوهه في آن معاً.
وفي مرحلة لاحقة تكون تلك البوتقة تعبيراً عاماً عن مصالح ومفاهيم أيديولوجية كل طبقة من الطبقات بشكل خاص. وتتسع الهوة بين شكل ومحتوى ثقافة الطبقة السائدة من جهة, وثقافة الطبقة المسودة من جهة ثانية, في لحظات الاحتدام والانعطاف التاريخي والأيديولوجي العام, وتأجج الصراع الطبقي كلما اقتربنا من مراحل التأريخ القريبة, وكلما تبلورت صيغ انقسام المجتمع المحلي والدولي إلى طبقات وأنظمة وأيديولوجيات متصارعة. الثقافة بهذا المعنى, إذن, ليست مجرد مجموعة معارف نظرية مكدسة في أذهان الناس أو في بعض نشاطاتهم المادية, بل هي موقف تاريخي ووجهة نظر ملموسة للحياة وحركة المجتمع وقضايا الإنسان.
وبهذا المعنى أيضاً لا تكون الثقافة الثورية إذاً مجرد وجهة نظر مناقضة لوجهة نظر سابقة, بل هي وبالدرجة الأولى عملية تركيب خلاقة لمجمل نشاطات الإنسان الذهنية والروحية والنضالية ذات الطابع والموقف التقدمي والعلمي, مبرهنة بالممارسة العملية المجسدة بنضال الطبقات الثورية, والفئات الاجتماعية التقدمية, ومنظماتها النقابية والاجتماعية المناضلة.
ليس ثمة انقطاع كلي أو مطلق في الثقافة الإنسانية, إذن, كما لم يكن يوماً انقطاعاً في الصيرورة التاريخية والاجتماعية, بل عملية تواصل واستمرار دائمين في شكل تطور ديالكتيكي يحافظ على جوهره وفحواه الواقعي, ويحوي صيغ وأشكال تناقضاته الأساسية والثانوية في الوقت عينه !!
وبذلك تكون الثقافة الثورية بمثابة مشروع رؤية كونية طبيعية واجتماعية إنسانية تحمل بين طياتها مجمل تلك النشاطات الخلاقة للإنسان, التي تشكل تراثه الإنساني والوطني, خاصة لحظاتها الإيجابية وصيغها المادية والثورية العلمية التقدمية .. مشروع رؤية يعبر عن صحته وصدقه بالفعل الثوري النافي, لكن البَنّاء.
الثقافة والوعي الطبقي
من هنا تصبح الثقافة عملاً وممارسة لوجه من أوجه العمل والنشاط الإنساني, بل قوة مادية وسلاحاً نقديّاً خطيراً حين تتشربها الجماهير كما أشار ( ماركس ), وكما برهنه تاريخ الإنسانية عامة وجسدته المرحلة التاريخية الراهنة خاصة.
وبالعكس, وبذات التأثير والخطورة التي يولدها رد الفعل السلبي, يمكن أن تصبح الثقافة أداة تضليل وخداع أيديولوجي حين تصوغها الطبقات الاستغلالية السائدة من وجهة نظرها الخاصة, وانطلاقاً من مصالحها المادية, فتتحول الثقافة عندئذ إلى أفيون قاتل.
وهكذا فإن العلاقة بين الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وبين الثقافة علاقة معقدة ومركبة وغاية في الخطورة والتأثير: علاقة ديالكتيكية وديناميكية, مباشرة وغير مباشرة, وليست علاقة ميكانيكية أو انعكاسية كما يحلو لبعض مبسطي الفلسفة الماركسية أن يتصوروها.
من هنا يمكننا اعتبار الماركسية شكل من أشكال استيعاب وتَمثّل وتطوير وتجريد للثقافة البشرية بقدر ما هي انقلاب على صيغها القديمة ؛ وهي حلقة وصل بين التراث العلمي العقلاني المتنور الذي ساد قبل ظهورها وبين التطور الحضاري والمادي الذي يبشر بآفاق رحبة على صعيد العلم والكشف والنمو الروحي, دون أن تكون بالضرورة فلسفة انتقائية, بل هي وعي كلي وشامل لحركة التاريخ والمجتمع والإنسان, وارتباط عضوي بفعالية الطبقة الثورية الصاعدة .. ولنا في تأكيد ( ماركس وأنجلز ولينين ) على الجوانب المادية الديالكتيكية التقدمية العقلانية المتنورة في الفكر البشري, وعلى أهمية أغناء النظرية الماركسية بأي مكتشف عملي جديد, دليل واضح على ما ذهبنا إليه آنفاً.
المثقفون وإنتاج الفكر
من هذه المنطلقات نستطيع أن نعرف المثقفين بأنهم فئة اجتماعية تفرزها طبقة نشاطها فكري بالدرجة الأولى, ولكنه يتحول تدريجياً إلى نشاط عملي؛ أي تترجم الأفكار إلى مواقف سياسية بطريقة واعية أو غير واعية, مقصودة أو غير مقصودة. ولما كان المثقف مُنتجاً فإن أفكاره قابلة للبيع والشراء والاستلاب في المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي خاصة, وبذلك يصبح المثقف البرجوازي آلة في الماكينة الرأسمالية, في حين يصبح أداة مناهضة وتدميرية حين يرفض أن يكون برغيّاً في تلك الآلة, وفي عملية رفضه تلك انقلاب على الواقع. ومن هنا فأن انتماء المثقف الطبقي لا يتحدد بتاريخية انحداره الاجتماعي والطبقي بقدر ما يتحدد بوظيفته الفكرية:- بمعنى أي طبقة تخدم أفكاره في مرحلة الصراع التاريخي ؟؟
الثقافة كسلاح نقدي
إن إطلاق كلمة (( ثقافة )) باعتبارها حصيلة المجتمع كله ليس إلا محض تجريد يصدق إطلاقه إلى حد بعيد في المراحل المبكرة نسبياً لولادة المجتمعات والشعوب وتراكم خبراتها وتبادل معارفها قبل نشوء المجتمع الطبقي, وبالتالي الفرز والصراع الثقافي.
ونحن هنا نستعيد ذلك المفهوم المجرد للثقافة حين نضطر إلى التعميمات المجازية, ولكننا غالباً ما نعي ونؤكد رؤية للثقافة من خلال منظور طبقي وسياسي ملموس وتاريخي.
وعلى العكس من ذلك تتمسك الطبقة البرجوازية ومنظروها الأيديولوجيون بالمفهوم المجرد, العام والفضفاض للثقافة, كجزء من رؤية كوزموبولوتية تتناسب مع ظرفها التاريخي وتتطابق مع حاجاتها ومصالحها الطبقية .. ومن خلال ذلك تؤكد خدعتها السياسية وتوسع ضفاف كذبتها الأيديولوجية عن مجتمع الإخاء والمساواة والحرية: ألا يمكن لابن الطبقة الشعبية المستغَلة أن يتعلم ويتفوق ثقافياً في ظل مجتمع المساواة البرجوازية ؟ حسناً, إنّ هذا ممكن – ولكنه نادر واستثنائي كما هو معروف بالنسبة إلى أبناء هذه الطبقة.
ولكن لمصلحة من سيكون العلم والثقافة التي يتزود بها المهندس أو الخبير الذي قاوم الضغوط المالية والاجتماعية, وأصبح مؤهلاً للمساهمة في عملية الإنتاج البرجوازي ؟ عن هذا السؤال ينبغي الإجابة, وسندرك عندئذ لماذا وسعت الطبقة البرجوازية قاعدتها وحركتها الثقافية .. لماذا أتاحت لبعض المؤهلين ( فردياً واجتماعياً ) من الطبقات الأخرى – الدنيا والشعبية – فرصة التعلم والتثقيف أكثر من طبقة مُلاك العبيد أو الإقطاعيين ؟! عندئذ سندرك سرّ أخويتها وتسامحها ونظرتها الكوزمبولوتية, كما سندرك سرّ هذه الوحدة الجدلية المتفجرة بالتناقضات بين الطبقة البرجوازية والبروليتاريا, بين فائض القيمة والعمل, بين الواقع ونفيه .. وعندئذ سندرك أيضاً كيف تنقلب اللعبة السحرية على الساحر, وكيف تتحول الثقافة المجردة إلى ثقافة طبقية ملموسة, إلى سلاح نقدي يرافق نقد السلاح !!
سحر الكتاب
إنّ تاريخ الثقافة والكتاب هو تاريخ العمل الإنساني, حيث رافقت الثقافة والمعرفة البشرية حياة الإنسان العملية, عبرت عنها وأغنتها بقدر ما خضعت لضروراتها ومراحل تطورها.
ومن هنا يجوز لنا أن نعتبر (( السحر )) بمثابة تكنيك الإنسان البدائي في محاولته للسيطرة على الواقع والخوارق الطبيعية, مثلما كانت الأسطورة وسيلة تأويل وتفسير لذلك الواقع, وكما كان الكتاب سبيلاً لخزن المعرفة ولتجسيد الفنون الإنسانية.
وإذا كان الكتاب – هذه الأداة السرية للثقافة والفنون – مرتبطاً في البدء بخاصة من الناس والطبقات, فقد أصبح اليوم الأداة السحرية لنشر الأفكار والمعارف الجماعية بين الشعوب والأمم على اختلاف أمصارها ولغاتها وألوانها وفئاتها باعتباره حاجة ووسيلة اجتماعية. استخدم الأمراء والحكام الكتاب كوسيلة لتثبيت قوانينهم وحفظ رسائلهم وحاجاتهم المادية والروحية بقدر ما استخدموه كوسيلة للفن والمتعة وقضاء الوقت, كما ارتبط إنتاج الكتاب بجهود الحرفيين من خطاطين ومزروقين ومجلدين .. غير أن الكتاب أصبح فيما بعد حاجة وصناعة اجتماعية مثلما هو وسيلة ديناميكية لبث الأفكار الثورية؛ وذلك كلما تطورت أساليب المجتمع التكنيكية والفنية, وكلما ازداد الوعي السياسي بين الطبقات الشعبية المضطهدة.
من هنا تغلبت الأداة السحرية على ساحرها, وانتقلت إلى يدّ الجماهير العريضة غذاءً فكرياً وروحيّاً خطيراً. وبذلك صارت أدوات القمع الطبقي ( الدولة ومؤسساتها العسكرية والثقافية .. مثلاً ) تبحث عن الكتب الثورية, تُصادرها وتحرقها أو تمنعها من الانتشار بين الجماهير. ولعل في إجازة السلطة الروسية القيصرية آنذاك كتاب (( رأس المال )) – لصعوبة فهمه – مدلولاً كوميدياً وتراجيديّاً في آن معاً: فهي بقدر ما جسدت بذلك التصرف تسلطها الوحشي فإنها عبرت عن غبائها وجهلها دون أن تدرك أنها قد ساعدت على حفر قبرها وتقريب لحظة احتراقها من خلال نقل مشعل الفكر والحرية من يدّ إلى يدٍ, ومن صيغة إلى أخرى, من أجل ضرم اللهب بالعالم القديم وبناء عالم الاشتراكية الجديد.
واليوم لم يعد الكتاب أداة سرية, ولم تعد الثقافة مهنة سحرية يتعاطاها عِليّة القوم, بل أصبحت حياة عامة تمارسها جميع الشعوب, وتكتب من خلالها تاريخها الحقيقي وتراثها الأصيل, كما تجسد عبرها طموحاتها وهمومها وإراداتها.
























