
البعد النفسي والإجتماعي
المجتمع العراقي وآفاق المستقبل – طه النعمة
تمهيد
الحديث عن المجتمع، أي مجتمع، من وجهة نظر نفسية لا يخلو من تحديدات ومصاعب. والاصعب من ذلك هو الحديث، في هذا الاطار، عن المستقبل؛ اولاً، لسعة الموضوع وتشعبه، آخذين بالحسبان العمق التاريخي والثقافي للمجتمع العراقي. وثانياً، لان علم النفس – وربما علم الاجتماع ايضاً -، بحسب قناعتنا، ليس علماً تنبؤياً، بمعنى انه يمكن أن يعطينا تخمينات على وجه الاحتمال، او في افضل الاحوال على وجه الترجيح ولكنها لا يمكن ان ترقى الى أي قدر معقول من اليقين. فهو علم شارح وموضح ومفسر بالدرجة الاولى. وهذا ربما يعود الى طبيعة تكوين النفس من جهة، والى المؤثرات البالغة التنوع والجسامة كماً ونوعاً التي تتعرض لها خلال نمائها والتي يصعب السيطرة عليها او التحكم بنتائجها من جهة اخرى.
وليس في هذا انتقاص من مكانة علم النفس، إذ نجد في الفيزياء أن نظرية الكم او ميكانيكيا الكم على الرغم من نجاحها الباهر في شرح وتفسير وايضاح الكثير من اشكاليات الكون الصغير الا انها جلبت معها مبدأ اللايقين في مجال التنبؤ بسلوكيات الجسيمات تحت – الذرية. لذا، آخذين بالحسبان التحديدات والصعوبات المذكورة أعلاه وتلك التي لم تذكر، فان هذه الورقة بغرض تضييق هامش الاتساع وللالتفاف على المصاعب لجأت الى المماثلة ( analogy ). واذ يأتي هذا الخيار بحكم الضرورة، فهو بالتأكيد ليس الخيار الممكن الوحيد. إذ يبقى الهدف الأساس لهذه الحلقة هو فتح ابواب النقاش على جميع الخيارات الممكنة.ولكون الحضارات العراقية عموماً هي حضارات مائية ( هيدروليكية )، كما يسميها البعض، لارتباطها بنهريه الشهيرين، فقد حملت سمات الحضارات التي نشأت في وديان الأنهر الكبيرة، حيث تتقدم الحضارة فيها عند وجود سلطة قوية وتتخلف عند الافتقار لها. فالازدهار لا يتحقق الا بالسيطرة على الأنهر وانشاء شبكات الري وادامتها؛ إذ تضمن السلطة توفر الماء للري وتوزيعه بصورة عادلة وفي المقابل تكون طليقة اليدين في ان تفعل ما تشاء! وهذا ما اطلق عليه مجازاً النمط الآسيوي او النمط الاستبدادي للانتاج. لذا فإن الجغرافية، بسبب هذا العامل، ادت دوراً بارزاً في تأليف المجتمع العراقي فضلاً على:
- ظروف تاريخية شديدة التباين يمكن تمثلها بمنحنى بياني متذبذب تمثل قممه عهود الازدهار وحضيضه فترات الانحطاط وسيطرة الغزاة،
- الامتداد والتواصل المستمرين مع الجزيرة العربية من خلال موجات الهجرة المتتابعة منها اليه،
- كثير من ابناء القوميات المختلفة التي استوطنت العراق واندمجت بساكنيه فضلاً على سكانه الأصليين قبل وصول الإسلام،
- تعدد الاديان والطوائف واختلاف وتنوع الطبيعة الطبوغرافية والمناخية افرزت تنوعاً في النشاطات السكانية مع اختلاف في السلوكيات وطرق اشباع الحاجات الانسانية. وقد ادى ذلك الى تشكل خصوصيات اجتماعية وثقافية متعددة، الا انها لا تلغي وجود عموميات ثقافية يشترك فيها العراقيون كافة.
وقد توزع العراقيون على ثلاثة انظمة قيمية: القيم البدوية الرعوية والقيم الزراعية الريفية والقيم الحضرية. ولتكوين فكرة عن تأثير تلك العوامل والقيم، ربما يكون من المناسب هنا القاء نظرة على دراسة اعدت في اواسط الثمانينات ولم تنشر، وكانت بعنوان ” تحليل واستقراء بعض سمات الشخصية العراقية من خلال بعض ما كتب فيها “. وقد اتبع فيها اسلوب تحليل المحتوى لمجموعة من المؤلفات التي تناولت المجتمع العراقي منذ بداية الحكم العثماني وحتى مطلع الحكم الوطني، بغرض التعرف على ابرز القيم التي اثرت في تكوين سمات الشخصية العراقية أثناء تلك الفترة، وقد توصلت الدراسة الى القيم الآتي ذكرها بحسب اسبقية تكرارها ودرجة التأكيد عليها في تلك المؤلفات:
- 1. المسايرة والاذعان للنخب الحاكمة والدينية والعشائرية.
- 2. الاحترام والتقدير، ايضا، للنخب الحاكمة والدينية والعشائرية.
- 3. الامانة والوفاء.
- 4. الشك واليقظة والحذر.
- 5. العصبية القبلية.
- 6. التطرف والمبالغة.
- 7. الاعجاب بالمظاهر الاستعراضية للقوة.
- 8. الإيمان بالقضاء والقدر والتفكير الخرافي.
الشرائح الإجتماعية في العراق:
لا يوجد مجتمع صغير او كبير دون ان يكون فيه تراتب اجتماعي، ويلفت الايثولوجيون والانثروبولوجيون انتباهنا الى ان للحيوان، وخصوصاً الحيوانات الاجتماعية، انظمة وتراتبات اجتماعية غاية في التعقيد ايضاً. وتاريخياً، قام الجاحظ وابن المقفع بتقسيم المجتمع في زمانهما، وهو مجتمع العراق انذاك، الى شريحتين كبيرتين هما الخاصة والعامة. واستخدما معيار الموقع الاجتماعي اساساً لذلك التقسيم؛ إذ ضمت الخاصة اقارب الخليفة واصحابه ورجال الدولة البارزين من وزراء وقادة عسكريين وقضاة واهل العلم والادب والفن، اما العامة فهم السواد الاعظم من اهل المهن والصنائع والتجار والخدم والفلاحين والجنود.. الخ. بينما، في المقابل، استخدم ابن خلدون ” المعرفة العلمية ” – وهذه نقطة جديرة بالملاحظة والتمعن – معياراً لتقسيم المجتمع الذي عاصرة وعاش فيه الى الخاصة والعامة أيضاً؛ ولكن الخاصة، لديه، هي الشريحة التي تمتلك المعرفة، والعامة هي الشريحة التي تفتقر لها.
وأثناء الحكم العثماني كان المجتمع العراقي ينقسم الى شريحتين: المتبوعة أي الشريحة العليا، وتتألف من النخب الحاكمة والدينية والعشائرية – التي اخذ بعض ممثليها يتحولون الى متصرفين في اقطاعيات زراعية كبيرة -، والتابعة أو الشريحة الدنيا، أي باقي الخلق من ابناء البلد.
وفي بداية الحكم الوطني لم يحدث تغيير كبير على التراتب الاجتماعي وان كانت هناك بدايات لمثل هذا التغيير، فالمجتمع العراقي بقي، في البداية، منقسماً الى شريحتين: العليا المؤلفة من النخبة الحاكمة، هنا العائلة المالكة والوزراء وكبار موظفي الدولة من مدنيين وعسكريين، فضلاً عن النخبة الدينية والنخبة العشائرية – التي اصبح قسم كبير منها يمتلك اقطاعيات زراعية كبيرة – والدنيا، ايضاً، باقي ابناء البلد.
وبعد مرور مدة وجيزة على بداية الحكم الوطني، وتحت ضغط الحاجة الى موظفين وعاملين في اجهزة الدولة الفتية وانشطتها المختلفة، تم فتح باب التعليم امام الجمهور مما افسح المجال امام تسارع نمو شريحة جديدة تتوسط الشريحتين التقليديتين. وتعود البداية الجنينية لهذه الشريحة الى العقد الاول من القرن العشرين، نتيجة ظهور مفاهيم وافكار لم تكن معروفة او متداولة سابقاً، مثل المشروطية، كما هو معروف للحضور الكرام. وخلال العقود التالية اتسعت هذه الشريحة “الوسطى” افقياً وعامودياً وتعمق دورها الريادي اجتماعياً وسياسياً وإقتصادياً، ونفسياً كذلك.
المماثلة بين المجتمع والنفس
يستند مفهوم البنية الوظيفية المطبق على المجتمعات البشرية الى المماثلة بين الحياة الاجتماعية والحياة العضوية. وكان اميل دوركهايم من اوائل من قدم صياغة متناسقة لهذا المفهوم. إذ ان الكائن الحي ( organism ) ليس هو البنية وانما هو عبارة عن مجموعة من الوحدات ( خلايا او جزيئات ) مرتبة على شكل بنية لا تتحدد معالمها إلا عندما تربطها ببعضها علاقات وظيفية، اي ان الكائن يمتلك بنية فقط من خلال طاقم او بطارية من العلاقات. وبذا يمكن تعريف البنية الوظيفية على انها بطارية من العلاقات تربط بين وحدات مرتبة على نحو معين. وبهذا المعنى، واستناداً الى المماثلة، لا وجود لبنية اجتماعية بدون وجود علاقات اجتماعية والعكس صحيح أيضاً.
ولكن، اذا ما اردنا اخضاع طبيعة المجتمع الانساني والحياة الاجتماعية للتحقيق المنهجي المنظم، على وفق مفهوم المماثلة بالحياة العضوية، فاننا سنواجه ثلاث معاضل:
- 1. معضلة ’المورفولوجيا‘ الاجتماعية: أي ما هو شكل البنى الاجتماعية الموجودة؟ وما هي اوجه الشبه والاختلاف بينها؟ وكيف يجب تصنيفها؟
- 2. معضلة ’الفيزيولوجيا‘ الاجتماعية: أي كيف تؤدى هذه البنى الاجتماعية وظائفها؟
- 3. معضلة النماء: أي كيف تنشأ البنى الاجتماعية الجديدة نوعياً؟ وكيف تستحدث؟ وكيف تنمو؟ و ما هي العوامل المؤثرة في هذا النماء؟
واذا كانت المماثلة بين الحياة الاجتماعية ( المجتمع ) والحياة العضوية ( الكائن العضوي ) مشروعة في اطار هذا السياق، فان المماثلة بين الحياة الاجتماعية والحياة النفسية تبدو اكثر واقعية واقل، في تقديرنا، اثارة للجدال، اذا ما أخذنا النقاط الآتية بعين الاعتبار:
- 1. في الكائن الحي، بامكاننا ملاحظة البنية العضوية مستقلة عن وظيفتها، لذلك بمقدورنا، إن شئنا، تلمس المورفولوجيا معزولةً عن الفيزيولوجيا ولكننا لا نستطيع، في المجتمع، ملاحظة البنية الاجتماعية الكلية الا من خلال ادائها لوظيفتها لذا لا يمكن فصل المورفولوجيا عن الفيزيولوجيا فيه، وعين الشئ ينطبق على الحياة النفسية الكلية، إذ نحن لا نستطيع تلمس البنى النفسية إلّا وهي تؤدي وظائفها.
- 2. لا يتمكن الكائن الحي، أثناء المدة التي تستغرقها حياته، من تغيير نوعية بنيته، إذ إن البكتريا، في سبيل المثال، لا تتحول الى فايروس ولا يستطيع الوعل أن ينمي قرناً ثالثاً. ولكن المجتمع البشري، من الناحية الاخرى، يستطيع، أثناء مسيرته الحياتية، تغيير نوعية بنيته، بل هو يقوم بذلك فعلاً عند الحاجة وعند توفر الظروف الملائمة، وبمقدوره أيضاً اضافة بنى جديدة لم تكن موجودة سابقا بدون أن يسبب ذلك إخلالاً بالاستمرارية. وهذا عينه ايضا ينطبق على النفس البشرية، اذ هي الاخرى تمر بتحولات وتضيف بنى نوعية جديدة عند توفر الظروف الملائمة من خلال التعلم وتراكم الخبرة وتكامل ونضج الانساق الدماغية.
- 3. تبدأ بنى الكائن العضوي الحيوية العمل على اساس التخصص الوظيفي منذ بداية الحياة وحتى نهايتها. ولكن البنى الوظيفية للمجتمع البشري تتقدم وتنمو وتتخصص بمرور الزمن، كما هي حال بنى النفس البشرية الوظيفية، التي تنمو من البسيط الى المركب ثم الى الاكثر تركيباً، ومن العمومية الى التخصص ثم الى الاكثر تخصصاً.
وأثناء المسير من الفجاجة الى النضج يواجه المجتمع والنفس على السواء مقاومات وصراعات شتى تتفاوت من حيث النوع والشدة والتوقيت. وكما هو شأن الجيش المتقدم بوجه مثل تلك المقاومات والصراعات فهو سيترك حاميات في جيوب المقاومة – المقاومة الاشد تعني حامية اكبر، أي تثبيت أقوى – ويتقدم. وعندما يتعرض للانكسار فانه سوف يتقهقر على خطوط تقدمه كي يستفيد من اسناد الحاميات – خصوصاً الكبيرة منها – التي تركها. وهذا ما يحدث، ايضاً، للمجتمع والنفس عندما يواجهان انكساراً نتيجة مواجهة ظروف قاهرة وصعوبات لا يمكن التغلب عليها أو تجاوزها، فهما سيتقهقران أو ينكصان الى نقاط التثبيت، أي الى انماط سلوكية وقيمية اقل نضجاً واكثر فجاجة بحسب مدى ذلك التقهقر؛ وبذا يمكن اللجوء الى أحضان الأسلاف الوالدية المطمئِنة، وعودة التفكير السحري والخرافي الى الظهور في مقابل فهم الظواهر علةً ومعلول، في سبيل المثال لا الحصر، وتبرز الميول الانانية وتتعرى الغرائز، وتتراجع الذات الواقعية العقلانية والعملانية وتفقد دورها القيادي ويتهاوى الضمير أو يصبح ذو قيم ومعايير إنتقائية بدائية.
الشريحة العراقية الوسطى
وكما تتوسط، بحسب تصورنا، الذات الواعية العملانية الواقعية داخل النفس البشرية بين الكفوف والنواهي والتحديدات المثالية، من جهة، وبين الدوافع الغريزية البدائية والرغبات اللحوحة من جهة اخرى، فان الشريحة الوسطى في المجتمع العراقي، بحكم نشأتها، أدت دورا مشابها للذات الواعية العملانية الواقعية داخل المجتمع العراقي، وربما كوّنت ما يشبه ضمير ذلك المجتمع.
وللتعرف على ملامح من قيم واتجاهات الشريحة الوسطى في العراق، بودنا هنا الاشارة الى دراسة اعدها كل من الدكتور مسارع الراوي والدكتور نجيب اسكندر والسيد صباح باقر في العام 1969 بعنوان “القيم الاجتماعية ومشكلات المجتمع العراقي كما يراها مدرسو العلوم الاجتماعية في مرحلة الدراسة الثانوية في العراق”، وقد استهدفت ’الكشف عن مدى التجانس والتباين في اتجاهات وقيم مدرسي العلوم الاجتماعية وارائهم حول القضايا الاساسية في المجتمع العراقي‘ -. ويمكننا، كما نظن، عدّ مدرسي العلوم الإجتماعية هنا عينة ممثلة للشريحة الوسطى العراقية آنذاك، وهو تعميم من المستبعد أن يؤدي الى مطٍّ كثيرٍ للإستنتاجات -، وقد توصلت الدراسة الى ما يأتي:
الصفات الاجتماعية المرغوب بها لدى العينة:
- 1. الاخلاص في العمل والشعور بالمسؤولية وتفضيل المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
- 2. الصراحة والصدق في الاقوال والاعمال.
- 3. التواضع والتعاون مع الآخرين والتضحية في سبيلهم والوفاء لهم.
- 4. التحلي بالاخلاق الفاضلة والسلوك الحسن.
- 5. الايمان بالله.
- 6. الشخصية المتزنة المثقفة الناضجة.
- 7. التسامح والصبر وسعة الصدر والوفاء للاصدقاء.
الصفات الاجتماعية غير المرغوب بها لدى العينة:
- 1. تفضيل المصلحة الشخصية على المصلحة العامة.
- 2. عدم الشعور بالمسؤولية وعدم الاخلاص بالعمل.
- 3. النفاق الاجتماعي والانتهازية.
- 4. الكذب والغش والرياء والسرقة وخيانة الامانة.
- 5. التعصب المذهبي والديني.
القيم والاتجاهات الاجتماعية المرغوبة التي تود العينة استمرارها في المجتمع:
- 1. الكرم وحسن الضيافة.
- 2. الشهامة والشجاعة والجرأة.
- 3. التمسك بالقيم الدينية والتسامح الديني.
- 4. المحافظة على الشرف والغيرة على العرض.
- 5. التماسك بين افراد العائلة.
القيم والاتجاهات الاجتماعية غير المرغوبة التي تود العينة اختفاءها من المجتمع :
- 1. التعصب القبلي والطائفي والمذهبي والديني.
- 2. النفاق الاجتماعي والانتهازية.
- 3. الانانية وحب الذات وتفضيل المصلحة الخاصة.
- 4. التهرب من المسؤولية واللاأبالية.
- 5. الكذب وحب الظهور.
- 6. الاخذ بالثأر.
- 7. حجاب المرأة وعزلها عن المجتمع واحتقارها.
وهكذا، بهذه القيم والصفات استطاعت الشريحة الوسطى ان تمثل، ومنذ تشكلها في مجتمعنا، موقعاً ريادياً؛ وطنياً وقيمياَ.
مناقشة واستنتاجات:
الآن، ما الذي حدث؟
لقد ادت الظروف الصعبة المعروفة للجميع والتي مر ويمر بها بلدنا، ضمن امور اخرى، الى:
اولاً، احداث نكوص اجتماعي نحو انماط سلوكية غير تكيفية تتراوح بين المثالية السلفية أو الانسحابية من جهة والبدائية الانانية الاندفاعية نحو الولوغ في المادي والحسي من جهة اخرى.
وثانياً، تعرض الشريحة الوسطى الى ضربات متلاحقة، معنوية وإقتصادية، ادت الى تخلخلها واضعاف مكانتها وانحسار دورها الريادي في المجتمع. وعلى الرغم من ان الكثير من افراد هذه الشريحة لازال متمسكاً بمواقعه القيمية والسلوكية. إلا ان بعضهم اختار البحث عن المكانة والنفوذ المفقودين بالتقرب من النخبة الدينية او النخبة العشائرية والتشبه بهما في المظهر والسلوك. بينما اختار البعض الآخر الالتحاق بجمهرة المهرولين نحو الاغتناء السريع بكل الوسائل والأساليب التي لا تتفق مع القيم التي ارستها الشريحة الوسطى. ويمكن أن يكون هذا ناجم، في الغالب، عن كون هذه الشريحة لا تخلو من بعض الهشاشة والافتقار الى القدر الكافي من النضج والتجانس لأسباب ذاتية وموضوعية، والبحث عن هذه الأسباب مسألة جديرة بالتأمل والدراسة.
في ضوء ما تقدم يمكننا القول بأن الهوة بين المجتمعات المتقدمة والمجتمعات التي نطلق عليها تأدباً نامية هي، بالاساس، هوة نفسية ثقافية حضارية مرتبطة بموقع المجتمع على مساق النضج الحضاري ومدى غلبة التوجهات العقلانية العملانية في التفكير والسلوك. إذ في المجتمع الحي تتصارع الظواهر الاجتماعية والنفسية فيما بينها لتولد الافضل، وبذا فإن الجدير بالبقاء والاستمرار يبقى لكونه يخدم المجتمع ويحافظ على استمراريته وترقيه، أي ان المجتمعات الحية تسعى الى الجديد الاجدر والاكثر نفعاً. فضلاً على ان اتساع رقعة التخصص النوعي في المهام الاجتماعية يؤدي الى نوع من التضامن العضوي الوظيفي الدينامي في مقابل التضامن الآلي المبني على التنميط الفكري والاجتماعي الذي يحول الافراد الى نسخ متشابهة لا تفترق عن بعضها ولا تقدر على احداث أي تغيير، ناهيك عن اي تقدم.
ما الذي اذن نتطلع له في عراق المستقبل نفسياً وإجتماعياً؟
- تعميق الانتماء للوطن في مقابل الانتماء للقبيلة او للمدينة او للطائفة او للعرق.
- الانتصار للمعرفة سلاح الحاضر والمستقبل في مقابل الجهالة والخرافة.
- تغليب المصلحة العامة على الخاصة، والتعاون على الانانية، والحوار على التعصب من كل لون.
- احترام المال العام مقابل عدّه غنيمة في متناول اليد الممدودة والعين المغمضة والضمير المغيب.
هل بامكان استعادة الشريحة الوسطى دورها القيادي الريادي في المجتمع العراقي تحقيق ذلك؟
تساؤل مطروح للنقاش.
{ (ورقة مقـــدمة الى الحلقة النقاشية؛ ( المجتمع العراقي وآفاق المستقبل )، المجمع العلــــــــمي العراقي
عضو دائرة العلوم الانسانية
المجمع العلمي العراقي(1997-2005)



















