الشاعر العراقي بلند الحيدري أنموذجاً
اللمحات التراثية الإبداعية للصورة الشعرية – نصوص – وسن علي الزبيدي
لما كان الشعر وليد التجربة الإنسانية على مر العصور , فقد عد التراث الفكري والفني العراقي خاصة والعربي والإنساني عامة احد من أكثر المؤثرات الثقافية والفنية في الشعر العراقي الحديث, إذ أفاد الشاعر العراقي من معطيات هذا التراث القديم منه أو ما أستجد وتشكل عبر المراحل الأدبية القريبة للمعاصرة , ويلفت الشاعر بلند الحيدري الى هذا التأثر بحركة الحداثة قائلاَ : ( فبعد أن كان العراق منطقة نائية عن العالم ومنعزل، تحول بعد الحرب العالمية الثانية الى بلد في وسط العالم، ووصلت إليه التيارات الحديثة وأثرت على مجموع الواقع الفني والأدبي وكيفية ربط المبدعين بين المعاصرة والتراث سواء أكان في فن العمارة أو الهندسة أو الفن التشكيلي،….) .
والشاعر العراقي في عملية انطلاقه بشعرالتفعيلة ، وهو في مسعى حثيث للإتجاه نحو مزيد من الواقعية في التعبير عن هموم إنسان العصر – والانسان العراقي خصوصا – وتطلعاته وعن الأفكار السياسية والإجتماعية والإنسانية والفلسفية التي ظهرت في المجتمع ، وفي الوقت نفسه كان على الشاعر العراقي – لأستشراف آفاق الإبداع العالمي المعاصر- كان عليه أن يواكب إيقاع التغيير والتطور المتحقق عالميا من جهة ، وأن يخرج من سكونية التقليد الى مغامرة التجريب من جهة أخرى . من دون أن تأتي عملية انطلاقته هذه من رغبات فردية , وجموح عن التغيير البعيد عن أسسه ومسوغاته .
وتعبر الصورة الشعرية عن حالة الترابط بين الذات والموضوع بأن ( يقوم الفنان بحل جميع الإشكاليات التي تواجهه والتي تقف في طريق هدفه الذي لا يتم التوصل إليه الأّ بإيجاد علاقة عضوية متينة بين ما هو خاص وما هو عام وما هو فردي وما هو جمعي). ونأتي هنا إلى معرفة المصادر التي أستقى منها الحيدري صوره الشعرية، والمناهل التي يردها ليجعلها أساساَ في رسم صوره ولوحاته الشعرية .
والحيدري مثل غيره من الشعراء كانت له مناشئ كثيرة لصوره . ولمصادر الصورة عند اي شاعر أهمية في معرفة أركان ثقافته وجذور شاعريته ، وكيف يغذيها مقلداَ أو مجدداَ أو مطوراَ ، ومنها نستطيع معرفة خطوط ألتقائه مع غيره من الشعراء أو التفرد عنهم بتجربته التي يحكمها حسن النسج وبراعة القول ، وهذا احد من معايير تقييم الشاعر لنتمكن من أن نصدر حكما بحق شاعريته وشعره .
والصورة الشعرية التي يرسمها الحيدري ما هي الأّ وجه من أوجه تفاعله مع الحياة والبيئة من حوله . فيشكل نوعاً من الوجود الإنساني الخاص . والتصوير الشعري وتشكيله عند بلند لم يكن تصويرا عابرا لأنه يحرص على أقامة علاقات متشابكة في تركيب صوره . وإذا فتحنا الباب على مصادر الصورة الشعرية عند بلند الحيدري التي استمدها من التاريخ الإنساني العالمي والمحلي ، فأول ما نلتقي به هو استفادته من الأساطير القديمة التي قد يكون أطلع عليها وعاش عالمها في الفترة التي أنغمر في تثقيف نفسه وتعويض ما فاته من الدراسة الأكاديمية التي لم يستطع أن يستمر فيها .
والأسطورة عنده تعد أداة من أدواته الفنية التي أستخدمها في نسج لغته الشعرية واستطاع توظيفها في شعره توظيفا فنيا موفقا حتى استحالت معينا يستطيع عبره أن يملأ المساحات التعبيرية التي يريد ، ومجالا رحبا كاشفا للأحساسات والمشاعر الخاصة . فقصيدة (سمير اميس) التي أعاد فيها تصوير المضمون الأسطوري لشخصية سمير اميس التي جعلها (رمز البهيمة والشهوات المحرقة) . فيقول :
سكر الليل
باللظى المخمور
واقشعرت معالم الديجور / وسرت نسمة
فهش ستار / واستخفته ضحكة التغرير
فتنزى عن غرفة / وسرير كان يجثو في قلبها المخدور
نلمس في النص السابق كيف أقتلع الشاعر اسطورة من جذورها التاريخية العميقة مُظهرا إياها في لوحة مرسومة بريشة فنان مرهف الحس ، معذب النفس، ملتقطا لها كلمات موحية معبرة عن مدى الألم في روحه (سكر الليل ، لظى مخمور، الديجور) كلمات أعتنى الشاعر في اختيارها لأهميتها في الدلالة على المعنى وما يختلج في أعماقه من واقع مرير الذي ينبأ عن مدى الغدر والخداع لدى النفوس الغادرة لتحقيق مبتغاها . يواصل بلند في قصيدته تصوير (سمير اميس) فيجعل الصورة الرمزية الفاعلية التي يكون فيها الوجه التعبيري المجسد لرؤية الشاعر هو الرمز ، والمنفتح على دائرة شعوره ما يجعل الصورة الشعرية أكثر كثافة وفاعلية . يقول بلند :
كم رأى الليل أدمعا
تتمطى كجراح في وجهها المقرور / كم تهاوى / في مسمعيه نشيج
وانتفاضات قلبها المكسور
كم تمنت / لو أنها بنت راعٍ / تشجر الليل في لظى تنور
كم تمنت / لو أنها بعض حلم لم يقيد / بالعالم الشرير
لم يدنس بغمرة الطين يوماً / لم يعتق صداه بين القصور
كم تمنت / لو أن تلك اللآلئ وهي في صدرها
شهادة زور / زفرات / تبلورت فهي دنيا
سلها الحب من دما غرير
ان التكثيف الدلالي والايحائي الذي قدمته الأسطورة جعل منها مجالا مغريا ورحبا ، للاستغلال الفني والتناول الرمزي لعرض التجربة الشعرية وصبها في قالب مؤثر يلامس قلب الحقيقة ويكشف المخفي في جوفها بطريقة ممتعة مشوقة .واضفى ذكاء الشاعر في توظيفه للمفردات السهلة واستعمالها في تصوير الاحداث مما يظهر تأثره بالشعراء الغربيين في استعمالهم للغة اليومية قاصدا بذلك تقريب الصورة للمتلقي وإي
فتحدث الحيدري عن لهيب قلبه في(شجار) التنور واصرف ليله ونشج صراخه في سر أمنية صوره بهذه الطريقة الأسطورية . ويبدو لي هنا أن الشاعر يظهر سخريته من واقعه أو محيطه الذي يعيش فيه . من حالة وواقع المجتمع العراقي . موظفا في ذلك أسلوب الأستفهام الأستنكاري بإداة تعدد مصائب الايام فهو يحاور نفسه بأمنيات تطفئ يأسه وتلئم جراحه فعرج بعدها الى الشرط الذي أوجب منعها من التحقق في زفرة تبلورت في دنيا من دم غرير .
وفي نص أخر يُظهر فيه الحيدري مقدرته الفائقة في جلب الاسطورة من أعماق التاريخ ليوظفها في تصوير واقعه المستوحش منه والمستوحد في غربته . لذلك نجد (برمثيوس) الحيدري يعيش الوحدة والوحشة مع أرث تضحياته . فلا حركة مكانية تزحزح الانفراد , ولا حركة زمنية مستقبلة تمنحه الخلود . فيقول :
وكالذرى / تلك التي لا ترى / في صمتها القارس غير الرعود
أعيش في موتي / أقتات / من سري الذي كان / فكان الوجود / لا هاجس
يبحث بي عن صدى / ولا غد / يحلم لي بالخلود
فالتردد الصوتي(لا هاجس، يبحث بي عن صدى، )يحمل الذات المتضخمة التي تمنح بمقابل الشك المتغلغل في نفس برمثيوس الحيدري( لن يسأل الشك …./ ترى هل تعود) . يقود الى اللامبالاة وعدم الجدوى ، هنا يفضي النص الى ثورة توتر تشير الى فقدان الثقة بوجود مستقبل مفرح، ألامر الذي يؤدي الى البقاء رهين القيود وهذه صورة برمثيوس المقيد –
هذي يدي / نفضت منها غدي / والف وعد راسف في القيود / فليحلم النسر بأمواته / ولتحلم الموتى بسر الخلود
هنا أنهيار في العزيمة وهو ما لا يتفق مع الرمز الاسطوري الذي ينهش النسر كبده نهارا ليلتئم ليلاَ ، فيعود النسر إليه ثانية من دون أن يهن او تضعف قواه .وهذا ما يكسر أفق التوقع لدى القارئ . ومن استثمار الشخصيات التاريخية وجعلها المرجعية الثرة في رسم الصورة الشعرية وظف الحيدري شخصية السندباد التاريخية ليضفي عليها الشاعر من ذاته وواقعه وطبيعة حالته النفسية التي دفعته الى الاستعانة بهذه الشخصية العالمية في قصيدته (اعتذار) فيقول :
معذرة ضيوفنا الأسياد / قد كذب المذيع في نشرته الأخيرة
فليس في بغداد / بحرٌ / ولا در ولا جزيرة / وكل ما قال به السندباد
عن ملكات الجان / عن جزر الياقوت والمرجان / عن ألف الف من يد السلطان
خرافة من نسج قيظ الصيف / في مدينتي الصغيرة
فنلاحظ كيف التمس برمز السندباد في إضفاء حقيقة تقرير واقع المجتمع العراقي وكيف هو محط أنظار الطامعين بخيراته ،وكل لفظة توحي للقارئ بشيء ما ، من ذكره مفردات (بحر، بغداد، جزر الياقوت) ، ومن السندباد الذي أغرى الوافدين الغرباء ، وأقنعهم بهذ الدرر والكنوز المدفونة بأرض العراق ، والتي حُرم أبنائها منها . ومن هذا نرى كيف الشاعر وظف الموروث التاريخي والأسطوري في تقريب المعنى وايصال فكره للقارئ من غير ان ينطق بكلمة مباشرة في رد الظلم والتمرد على الطاغين والمتجبرين ، ليعبر في أصدق تعبير عما يبكيه في نفسه ويختلج في سرّه .























