الكاتب الفلسطيني سلمان الناطور لـ الزمان

الكاتب الفلسطيني سلمان الناطور لـ الزمان
جيلي جاء بعد النكبة ولم يكن شاهداً عليها
هجرت الشعر مبكراً لكنني أحن إليه أحياناً
حاوره هشام عودة
سلمان الناطور أحد أبرز المثقفين العرب في فلسطين المحتلة عام 1948، وما زال يقود مع زملائه معركة الدفاع عن اللغة والهوية في مواجهة الأسرلة التي تستهدف الأرض والشعب والتاريخ .
والناطور كاتب متعدد الاهتمامات، لعل كتابه ذاكرة يعد أبرز أعماله التي استند من خلالها إلى صياغة رواية فلسطينية تدحض الرواية الإسرائيلية حول النكبة، معتمدا على توثيق روايات شفوية من عدد كبير من الذين عاشوا النكبة وعاشوا أحداثها، وفي الوقت الذي يؤكد فيه موقفه المعلن بأنه ضد التطبيع مع إسرائيل فإنه يدعو العرب لتطبيع العلاقة فيما بينهم.
في هذا الحوار يتحدث الكاتب سلمان الناطور عن همومه وهموم المثقفين الفلسطينيين، وعن طبيعة المعركة المستمرة الدائرة مع الحركة الصهيونية منذ أكثر من ستين عاما .
بأي التوصيفات الإبداعية تحب أن تقدم نفسك للقراء؟
ـ اعتبر نفسي كاتبا في مجالات مختلفة، من الكتابة الساخرة، إلى الكتابة التسجيلية، إلى المسرح، والنقد، والمقالة السياسية، باستثناء الشعر الذي كنت قد بدأت به وأرجو أن أنهي به حياتي أيضا، لأن لديّ حنينا جارفا للشعر، وأرى فيه أجمل ما في الأدب، لكنني لا أعرف متى سأعود إليه، فأنا أعتبر أن الكاتب لا يستطيع أن يحدد لنفسه أي أسلوب أو أي مجال للكتابة، التي هي بالأساس إحساس للتعبير عن شيء، يجول في وجدانك وعقلك، وأحيانا هي التي تقرر أي نوع ادبي تكتب، أما الكاتب فعليه أن يتقن استعمال الاداة الفنية للتعبير.
ضد التطبيع
أنتم أدباء الداخل الفلسطيني عشتم فترة طويلة في ظل القطيعة مع العرب، واليوم أنتم متهمون بالتطبيع، كيف تنظر إلى مثل هذه المعادلة؟
ـ أعتقد أننا يجب أن نتخلص من حالتي القطيعة والاتهام بالتطبيع، القطيعة فرضت علينا من الإحتلال الذي أراد لها أن تستمر، وقد حاولنا بكل ما نستطيع أن نتجاوزها بأن نتواصل مع فضائنا العربي، في البداية عبر الإذاعات فقط، ثم التلفزيون، ثم عندما فتحت بوابات رأينا فيها فرصة لتعميق هذا التواصل، فمنذ النكبة ونحن نؤكد أننا جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني والأمة العربية، وأقول إن كلمة تواصل بالنسبة لنا غير دقيقة، لأن التواصل عادة ما يكون مع الآخر، والوطن العربي بالنسبة لنا ليس الآخر، التواصل بين الأنا والآخر حين يكون هذا الآخر شيئا مختلفا، أما التواصل بين الأنا والأنا فهو توحيد لا تواصل مع أمتنا التي نؤكد دائما أننا جزء منها، الظرف الذي فرض علينا باحتلال اسرائيل لهذا الجزء من أرضنا، لا يمكن أن يحملنا أحد المسؤولية عنه، وعندما ندخل أي بوابة في وطننا العربي لا تدخلها كإسرائيليين، بل ندخلها كعرب فلسطينيين، ندخلها باعتبارنا ذاهبين إلى وطننا، كما هو وطن كل العرب، والتقسيمات القائمة كما نفهمها هي ضرورات سياسية وليست لضرورات بناء هوية او ثقافة، فالثقافة العربية واحدة من المحيط الى الخليج .
من مصلحة اسرائيل أن تمنعنا من الوصول إلى الوطن العربي، وأرى قبل كل شيء أن نقوم بالتطبيع مع بعضنا نحن العرب.
إن موقفي الشخصي، كما هو موقف مثقفي الداخل، هو ضد التطبيع مع اسرائيل، ونخوض صراعا مريرا معهم منذ اكثر من 60 عاما على هويتنا ولغتنا وبقائنا في وطننا، إننا مهددون بالترانسفير من وطننا وهذا التهديد معلن وليس خفيا، يعلنه صراحة وزير خارجية حكومة اسرائيل ليبرمان، فكيف يمكن التشكيك بهذا المهدد من اسرائيل بالتطبيع معها.
كتابك الذي بات يمثل وثيقة ذاكرة لمن أردت توجيهه، وماذا أردت ان تقول فيه؟
ـ أنا أنتمي إلى الجيل الذي ولد بعد النكبة، وهذا الجيل لم يكن شاهدا على ما حدث، كذلك لم يسمع ما حدث من الجيل الذي عايش النكبة، ولم يتعلم جيلنا هذا التاريخ في مدرسة أو يقرأه في كتب، المفارقة أننا نحن نشأنا في المدارس التي طبق فيها المنهاج الإسرائيلي الذي قدم الرواية الإسرائيلية التي تزيف تاريخ فلسطين وشعبها وأحداثها، وعندما وعيت بدأت أفكر بالحياة، اكتشفت هذه الفجوة في وعي جيلنا، ولم يكن أمامي سوى الختيارية الذين عاشوا مرحلة النكبة، فذهبت إليهم أولا لأسجل حكاياتهم، وكان يحيرني سؤال كبير، كيف حدث أن 650 الف عربي فلسطيني شردوا من وطنهم وتحولوا إلى لاجئين، هل لأنهم صدقوا ما تقوله الرواية الإسرائيلية أن القيادات العربية طلبت منهم أن يخرجوا لتعيدهم إليها بعد أسبوعين أو ثلاثة، وعندما سمعت شهاداتهم أدركت الجواب، وهو أنه لم يكن بالإمكان تشريد هذا الشعب لولا وقوع عشرات المجازر في كل بلدة عربية، وهذه كانت سياسة ممنهجة للقوات الصهيونية، أن ترتكب مجزرة في قرية لكي ترهب أهلها وتدفعهم إلى الهروب خوفا على حياتهم وحياة الأطفال والنساء، خاصة وأن مجزرة دير ياسين التي ارتكبت في أوائل نيسان 48 تحدثت عنها وسائل الإعلام بشكل مثير للرعب، حتى في بعض الأحيان كانت هناك عملية تضخيم للحدث شاركت فيها وسائل إعلام صهيونية وبريطانية لإثارة الرعب في نفوس الفلسطينيين.
لقد أردت من وراء هذا التوثيق للذاكرة الفلسطينية أن أنقل إلى جيلنا ذاكرة هذا الجيل كما يتحدثون عنها، وأنا لم أكتب كمؤرخ للبحث عن الحقيقة وعن تفاصيل ما حدث بالدقة، لأن هذه مهمة المؤرخين بأدواتهم العلمية، ولكنني أردت أن أنقل ما تحمله ذاكرة هذا الجيل من وقائع واحداث وحالات أدت إلى تشرد شعب وإلى فقدان الوطن، وفي الوقت نفسه بحثت في هذه الذاكرة عن ذاكرة الحياة وليس فقط ذاكرة الموت، كما يهمني أن أعرف كيف عاش هؤلاء الناس قبل النكبة، أردت أن أعرف عن حياتهم اليومية، أفراحهم وأحزانهم، عاداتهم وتقاليدهم، لأنني أؤمن أن الاكتفاء بالكتابة عن ذاكرة الموت تقود إلى حالتين إما الانتحار وإما الجريمة، وهذا ما حدث للإسرائيلي الذي بنى ذاكرته فقط على الموت من قصة مسادا وحتى الهولوكوست، أردت أن أكتب أيضا عن ذاكرة الحياة للشعب الفلسطيني، وأردت من خلال ذاكرة المساهمة في صياغة رواية فلسطينية تنقض الرواية الإسرائيلية الصهيونية التي عملوا على ترويجها، ليس فقط بين اليهود، بل إلى شعوب العالم أيضا، حتى أصبحت هي السائدة.
أعلام ورواد
تتحدث كثيرا عن حيفا، ما الذي بقي منها في الذاكرة أو على الأرض؟
ـ حيفا، كمدن فلسطين الأخرى، تعرضت وما تزال حتى اليوم إلى محاولات مسح لمعالمها العربية والفلسطينية، حيفا التي عرفت قبل النكبة بعمرانها العربي الجميل وبناياتها الحجرية تهدم ويبنى على أنقاضها بنايات من القصدير والزجاج، غريبة عن جغرافيتها وعن تاريخها وعن هويتها، وحيفا قبل 1948 كانت منارة ثقافية مثل يافا والقدس وعكا، وازدهرت فيها حياة إبداعية متشعبة حيث صدرت عشرات الصحف، وأقيمت عشرات المراكز الثقافية والنوادي، كما تشكلت فرق مسرحية، ووصل إليها العديد من كبار الفنانين والأدباء العرب من بينهم أم كلثوم وفريد الأطرش ويوسف وهبي وجورج أبيض، وترجمت فيها عشرات الكتب من الأدب العالمي، هذه المدينة كانت مستهدفة في بدايات الإحتلال الصهيوني لفلسطين، وذلك لمواصلة تصوير فلسطين على أنها أرض قاحلة وصحراء وتنتشر فيها المستنقعات وشعبها متخلف، لكن رغم تشريد سكان حيفا حوالي 70 الفا فإن من بقي فيها حوالي 3 آلاف عملوا في خلال 60 عاما على إعادة شيء من روحها، وأقاموا المؤسسات الثقافية، وأعيد نشر الصحف، وفيها أكثر من مسرح عربي فلسطيني، ونعمل بكل جهد من اجل اعادة النكهة الثقافية والحضارية لفلسطين، حتى بواسطة المقاهي الثقافية التي أنشئت فيها في السنوات الأخيرة.
باختصار نريد لحيفا أن تستعيد هويتها العربية الفلسطينية، كما كانت قبل النكبة.
خارج إطار سؤال الهوية الوطنية والقومية، ما الذي يشغلكم كمثقفين؟
بالإضافة إلى همومنا الخاصة، تشغلنا الهموم العربية، السياسية منها والثقافية، ونتابع الصراعات القائمة على الساحة الأدبية، من الحوار بين الشرق والغرب إلى ألأصالة والحداثة إلى الأفكار الدينية وغيرها من العناوين.
لدينا صورة مصغرة للوطن العربي، لكن المؤسف أننا لا ندعى في هذا الوطن إلى مؤتمرات وندوات حول هذه القضايا، إلا في ما ندر، لنا رؤية وتصور وموقف من حوارات أشقائنا العرب الثقافية، باعتبارنا جزء حي من الأمة العربية، وليس سرا إذا قلنا أننا نحتاج إلى ذلك أيضا لمواجهة برامج الأسرلة المفروضة على طلابنا في المدارس، سواء كان بإشاعة الرواية الصهيونية أو بالاستهانة بلغتنا العربية أو بنشر الثقافة اليهودية بين أجيالنا الناشئة، مشاركتنا في مسائل الثقافة العربية تحدث حراكا ثقافيا يغني ثقافتنا الفلسطينية في الداخل ويساعد في جذب الأجيال الناشئة إلى هذه الثقافة.
اتخذت السلطات الإسرائيلية قرارا يقضي بتعليم اللغة العربية في مدارسها، كيف تنظرون إلى هذا القرار وماذا يعني بالنسبة لكم؟
ـ هذه ليست المرة الأولى التي تتخذ فيها حكومة إسرائيل مثل هذا القرار، فقد اتخذته حكومات سابقة، لكنها لم تستطع تنفيذه، كما أنني أعتقد أنها ستعجز عن تنفيذه أيضا هذه المرة، وذلك لمجموعة من الأسباب، منها عدم توفر العدد الكافي من معلمي اللغة العربية في المدارس الإسرائيلية، ثم بسبب النظرة الفوقية الاستعلائية التي ينظر الإسرائيليون من خلالها للغة العربية، وخاصة الأشكناز الذي يتصرفون كمواطنين أوروبيين لا يشعرون أنهم بحاجة للغة العربية.
أما السبب في ذلك فإنني أعتقد أنه جاء بسبب أزمة كبيرة تعيشها المؤسسة الصهيونية التي عجز أفرادها عن معرفة حياتنا، في وقت بتنا نعرف كل شيء عنهم، وبتنا نشعر أننا أقوى منهم بسبب معرفتنا لطريقة تفكيرهم من خلال معرفتنا باللغة، لذلك فانهم يسعون للتعرف علينا أكثر من خلال تعلم لغتنا ليتمكنوا من مواصلة تنفيذ مشروعهم الساعي الى إلغائنا .
/8/2012 Issue 4289 – Date 28 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4289 التاريخ 28»8»2012
AZP09