القمر أقرب من السعادة – نصوص – عبد الحسن علي الغرابي

القمر أقرب من السعادة – نصوص – عبد الحسن علي الغرابي

خرج حسن في تلك الليلة بعد ان قرر أن يتجول كعادته بعد العشاء في ارجاء الحي .. مشى خطوات بطيئة متثاقلة وأمعن في المشي .. كانت الطريق خالية من المارة ومن الحركة إلا من بعض العجلات التي تمر فيها من حين لأخر .. مشى حسن يمينا وحاول أن يرى ما على الرصيف لكنه لم يستطع لأن الأضواء انطفأت بفعل القطع المبرمج للكهرباء ، فشغل حاسة السمع كمن يترصد شيئا معينا.. لم يكن حسن يحدث ضجة بحذائه بل كان يلامس به الارض ملامسة خفيفة .

وبينما هو يمشي إذ أحس بحركة في طرف الرصيف .. فنظر فإذا به يلمح شبح شخصين فدفعه الفضول إلى التعرف عليهما لكنه سرعان ما تراجع خوفا مما قد يحصل .. لكن أحد منهما ناداه : حسن ؟ مرحبا بك ، تعال ، لم يكن الصوت غريبا عنه ، إنه صوت عادل ..تقدم حسن وسلم على عادل وجليسه .. فقال عادل مشيرا إلى الجليس : هذا صديقي حمدان معلم في مدرسة نائية في الدواية على حافة هور الغموكة .. ثم التفت إلى حسن : وهذا صديقي حسن موظف في السكك الحديدية ، جلس حسن بجانب حمدان ونظر أمامه فرأى قنينة خمر .. فقال عادل وقد ملأ كأس : أتشرب معنا يا حسن ؟ لكن حسن اعتذر بإشارة من يديه .. فسكت الجميع وسكنوا برهة ثم قال عادل وهو يرتشف جرعة : ما الذي دفعك إلى الخروج في هذه الليلة يا حسن ؟ تنهد حسن وقال : القلق يا صديقي ، لم اجد ما أفعل فخرجت امارس رياضة المشي لأنشط بدني وانتعش بالهواء الطلق ، ابتسم عادل وقال : هذا هو هدفنا أيضا ، لقد مللنا المكوث في البيت فخرجنا نبحث عن النشوة أيضا ، فرد حسن على الفور : ولعلكما وجدتما ضالتكما ، تدخل حمدان لأول مرة : نعم بفضل هذا الجو وهذه الظلمة وهذه الكؤوس المتتالية .. تمتم حسن كل كيفما يرى راحته .

وكأنما كان حمـدان ينتظر مثل هذا الرد : أجل ياصديقي كل واحد منا كيفما يرى راحته : أنا أنتعش وارتاح عندما أتناول كأساً في جو مغامراتي كهذا ، وانت ترتاح عندما تجوب أرجاء الحي تمارس رياضة المشي وتجالس هذا وذاك ، وهذا عندما سهر في حفل صاخب ، وذاك عندما يسكن الى حبيبته .. فالأمر يختلف من شخص إلى آخر …

نظرحسن الى حمدان بتمعن ثم قال : هل يمكن أن نجد طريق السعادة كما وجدنا طريق الراحة والانشراح ؟ أبتسم حمدان ورد : طريق السعادة معروف ولكنه مليء بالمفاجآت .. إن الانسان يجد سعادته في ثلاث : الصحة والحب والمال ،  بدت علامات الدهشة والاستفسار على حسن فواصل حمدان الحديث موضحا : ما قيمة المال بدون صحة جيدة وحبيبة جميلة تسكن إليها ؟ وما قيمة الصحة في غياب الحبيبة والمال ؟ وما قيمة الصحة والحب معا بدون المال الذي يحافظ عليهما ويرعاهما ويزيدهما شحنة كالوقود الذي يزيد الماكنة قوة ودفعا ؟ إن السعادة حلما ورديا مستحيا نتطلع اليه ولا نطاله كمن يسعى الى السراب ، وسأل عادل بابتسامة ماكره : ولكن ماذا نسمي ذاك الشعور الذي يغمر الفقير وتلك الاريحية التي يعبر عنها ؟التفت حسن اليه وقال : إنها القناعة وراحة الضمير وتعود على نمط واحد من الحياة .. كل ذلك يترك في النفس شعورا بالراحة والاستقرار ولكن لا يمكن أن يكون السعادة فالأكيد أن هذا الفقير القانع ينقصه الكثير ولكنه لا يشعر بنقصه إلا إذا وعى بنقصه ذاك وبقيمته الهامة في حياتنا المتجددة ، أن السعادة التي نبحث عنها بعيدة عنا كالقمر نراه ولكن لانصل إليه . انتهى حوار الاصدقاء بعد هطول المطر الذي منعهم لذة مواصلة الحديث عن الراحة والسعادة ، لتبقى السعادة معلقة في كبد السماء لايصلها أحد .