القاصة والروائية المغربية حنان درقاوي لـ (الزمان): أضع يدي في النار وأتأمل سؤال الموت والحياة

القاصة والروائية المغربية حنان درقاوي لـ (الزمان): أضع يدي في النار وأتأمل سؤال الموت والحياة

حاورها- عبدالحق بن رحمون

الرباط

بكل جرأة لا متناهية، ولأول مرة ستكشف لـ (الزمان) صاحبة “طيور بيضاء” القاصة والروائية المغربية حنان درقاوي أن طفولتها كانت بئيسة جدا وفقيرة. وقالت: أنا أقدر حظي في الحياة أن تلك الطفولة لم تجعل مني متشردة في الشوارع أو عاهرة مثلا، مضيفة: وكان من الممكن أن أسير في ذلك المسار في ظل الجو الأسري الذي نشأت فيه.

كما قالت حنان درقاوي التي تقيم حاليا في مدينة صغيرة قرب تولوز اسمها البي: إن الشيء الذي أنقدها من كل عوالم الانحراف والتشرد تشبثتها بالدراسة وبالكتابة ضد الجنون، مضيفة: “وأعتقد أنني أصبت في الاختيار.”.

وحول دواعي وأسباب اختيارها الاغتراب الإرادي، والعمل في فرنسا، جنة الأحلام، أوضحت أن في فرنسا تشعر بالأمان وأنها تكون مطمئنة، وحقوقها ليست مهضومة إلى جانب أن العيش في فرنسا تقول: “…أشعر أنني أعيش في مجتمع مسالم ووديع لا يحاكمني ولا يتحرش برغباتي.”.

وفي حيرة من جدوى تلكم المغامرة تساءلت حنان درقاوي بمنطق الفلسفة الوجودية عن الدوافع التي جعلت امرأة مثلها مثقفة، أستاذة فلسفة، وكاتبة إلى أن تغادر وطنها في مغامرة غير مضمونة العواقب.

هذا ويذكر أنه خلال الأيام المقبلة سينزل إلى الأكشاك والمكتبات روايتين للأديبة حنان درقاوي، الأولى موسومة بـ : “جسر الجميلات” ، في حين الرواية الثانية قطفت لها عنوان: “الخصر والوطن”، ويدور السياق العام لهذه الرواية حول حياة أربع نساء صديقات في مدينة الصويرة (جنوب المغرب)، والساردة تصف حياتهن وجلساتهن الحميمة، في مدينة تتنازعها تيارات كثيرات.

إذن بكل اختصار هذا العمل الجديد سفر في عوالم الصويرة وجوّها الروحي، وتناقضاتها، وعوالم النساء فيها وكيف يصنعن مصائرهن وسط كم من التأثيرات المتناقضة.

وحول جدوى الكتابة أجابت حنان درقاوي: “أكتب للاستشفاء، ووفقا لضرورات داخلية محضة، وفي لحظة من حياتي فرضت علي تلك الضرورة كتابة جزء من سيرتي لكنني أساسا مهووسة بالآخرين.”

وفي مايلي إليكم، تفاصيل خفايا وخبايا الأديبة حنان درقاوي في الحوار التالي:

جذور العنف

{ جسر الجميلات الصادرة مؤخرا ما التيمة التي اشتغلت عليها.. وهل لغة الخيال أسعفتك أم توسلت بلغة واقعك ؟

– جسر الجميلات أسعفتني فيها اللغتان معا، فهي رواية سيرذاتية تتخذ من المحكي الذاتي متنا لكن مبضع الخيال يدخل هذا المحكي ويحوله إلى مادة روائية. هي رواية عن بداياتي في فرنسا، وعنف زوجي، وتشردي بين أكثر من مكان، قبل أن أجد شغلا وسكنا، وأنا أواجه هاته المعضلات أسترجع حياتي الماضية وأجد أن جذور العنف موجودة في طفولتي وفي حياتي الأسرية وأن ما أعيشه في ضواحي باريس، ليس إلا تكرارا مملا لخطاطة عشتها من قبل وألفتها حد الإدمان. الرواية عن القدر أو المكتوب كما نسميها عندنا أو عن الحتمية إن شئت، هل نختار فعلا في هاته الحياة؟ مالذي يدفع امرأة مثقفة أستاذة فلسفة وكاتبة إلى أن تغادر وطنها في مغامرة غير مضمونة العواقب؟ فالشخصية في الراوية تواجه الأمور بشكل واقعي وتتغلب على المشاكل واحدة واحدة، سواء كانت داخلية أم خارجية. تنتصر على حياة التشرد والبطالة وتنتهي الرواية ببوادر حب وانبعاث جديد.

خط أحمر

{ اخترت الهجرة الإرادية إلى فرنسا.. ما الذي تغير فيك …وما الذي تغير في البلاد ؟

– الذي تغير فيَ هو الإحساس بالأمان. في المغرب كنت أعيش في حالة حرب طيلة الوقت. حرب مع الآخرين ومع ذاتي. في فرنسا أشعر بالأمان لأنني مطمئنة أن حقوقي ليست مهضومة وأنني في مجتمع مسالم ووديع لا يحاكمني ولا يتحرش برغباتي. هاته الوداعة هي من فضائل الديمقراطية التي تشع الأمان والتصالح بين أفرادها. الأوضاع في المغرب مختلفة تماما هناك الكثير من العنف في بلدي الأصلي، عنف داخل الأسرة، عنف في الشارع وفي المدرسة وفي مجال العمل ومن ثم عنف التيارات السياسية فيما بينها. زرت المغرب في سنة 2009 وكان البلد خارجا من شلل مدونة السير وكيف تعامل معها سائقو السيارات العمومية، طفت الأسواق وركبت الباصات وسيارات النقل العمومي ودخلت مقاهي النت وصراحة بدى لي أيامها أن البلد ذاهب إلى اقتتال من فرط الاحتقان الذي شعرت به سنتها. هناك أشياء تغيرت في المغرب ومنها رغبة المواطن في أن يكون له صوت يسمع. تصلني أخبار التجمعات والتظاهرات مهما كانت صغيرة وغالبا ما أشاهد هاته الفيديوهات على المواقع الاجتماعية، هناك حركية عميقة لرفض واقع الاشياء والمطالبة بالأحسن. اتسعت دائرة النقاش السياسي بشكل كبير وهاته بداية الديمقراطية حين يعي المواطن بأن له صوتا. لا يهم في البداية لمن يمنح صوته المهم أنه يمنحه دون رشوة وابتزاز. اتسعت ايضا دائرة الدفاع عن الحريات الشخصية وهو نضال أساسي يضع خطا أحمر أمام الحكومة الإسلامية كي لا تبادر للتضييق على الحريات الشخصية.

مناطق المحرم

{ جرأتك في القصة والكتابة وآراؤك في الحياة والمواقف ماهي الحدود التي تقفين عليها الآن؟

– في البداية مع “طيور بيضاء” كنت كاتبة خوافة بكل المقاييس وحذفت كل ماهو مخل وأتت تلك المجموعة طهرانية مكتوبة بقفاز من حرير. الآن أخلع القفاز كل يوم أكثر وأدخل كل مناطق المحرم من جنس ودين وسياسة وأعتبر أنه لا حدود للجرأة إلا الحدود الجمالية. الجرأة  يجب أن تكون مبررة في نسق السرد وتطور الشخصيات وتعبيرها عن رؤيتها للعالم.

مهووسة بالفلسفة

{ هل تذكرين أول نص كتبتيه وأول نص نشرتيه… هل مازال نفس الفرح الذي شعرت به حينذئذ؟

– أول نص كتبته كان بعنوان” لحظة ويكون احتراقي” وتخيلتني فيه أضع يدي في النار وأنا جالسة قرب المدفأة في أحد بيوتنا في مدينة إفران، أضع يدي في النار وأتأمل العالم والنار وسؤال الموت والحياة. أنسى يدي في النار إلى أن احترقت واحترق جسدي وصار ذرة متناثرة في الكون. كان عمري خمسة عشر عاما وكنت مهووسة بالفلسفة.

أول نص نشرته اسمه “رحيل طريق أخرى” وهو نص فزت عنه بجائزة الطلبة الباحثين في الأدب بالرباط. كان صديق قد ألح علي بالنشر حين قرأ نصوصي وهو من أرسل النص إلى جريدة. كنت أيامها مهووسة بالعمل السياسي ولم أكن أفكر نهائيا في النشر.

طبعا لازلت أشعر بنفس الفرح وأنا أكتب حاليا أكتب عشر ساعات في اليوم وحين أحس بالتعب يكون ألذ تعب على الإطلاق..

ثقافة النخبة

{ المشهد الثقافي المغربي مثل زورق شراعي.. ما المانع من أن تكون الثقافة المغربية مصدرا للتنمية؟

– في نظري المتواضع ما يمنعنا هو نسبة القراءة ليس لدينا قارئ مخلص يشتري الكتب أو متفرج واع يذهب لمشاهدة المسرح. الرواية الغربية ازدهرت لأن ربة البيت تقرؤها وتشتريها وتخلص لكاتبها وتنتظر جديده. عندنا ربات البيوت يائسات تماما وفي أغلب الأحيان غير متعلمات. يمكن أن نجد أشكال الرعاية التبني إلخ.. لكن ما ننتجه سيبقى موجها للنخبة مادامت نسبة القراءة منخفضة والقراءة تربية وتكييف اجتماعي ونحن لا نتوفر عل تقاليد القراءة.

شريك العمر

{ حنان درقاوي قاصة مغتربة، تعيش في فرنسا تحب أنواعا معينة من العطور والفساتين، وتضع نظارات شمسية وتذهب إلى مطاعم معينة لتناول وجبات خاصة في كل هذا أين ترين أحلام طفولتك ومسافات الحرية التي خططت طريقها وهل هناك من يرافقك في وحدة الحياة بعد الكتاب الذي هو الصديق الأنيس؟

– في الحقيقة أفعل كل ما قلته لكني لا أضع نظارات شمسية أشعر بالضيق الشديد. عدا ذلك أخلص لعطر “حب في باريس” وأذهب إلى المطاعم برفقة بناتي أو شريك العمر وأخلص للمطعم الهندي في مدينتي. في أحيان أخرى أذهب إلى المطعم وحدي وأشعر بطعم الحرية لأنه لا أحد يزعج امرأة وحيدة في فرنسا. الوضع في المغرب كان مختلفا فما أن تجلس امرأة لوحدها في مطعم حتى تكون مطمعا للرجال. من يريد أن يدفع ثمن الوجبة ومن يعاكس ومن يتحرش، وضعٌ يبعث على القرف من الخروج وحيدة.

فأرة كتب

طفولتي كانت بئيسة جدا وفقيرة وأنا أقدر حظي في الحياة ان تلك الطفولة لم تجعل مني متشردة في الشوارع أو عاهرة مثلا وكان من الممكن أن أسير في ذلك المسار في ظل الجو الأسري الذي نشأت فيه. تشبثت بالدراسة وبالكتابة حد الجنون وأعتقد أنني أصبت في الاختيار. عن رفقة الكتاب أعتبر أنه الصديق الوحيد وأحلى اللحظات أقضيها مع الكتب وأنا منذ طفولتي فأرة مكتبة وأقرأ في كل شيء وساعد تكويني الفلسفي في تعزيز رفقة الكتاب التي لابديل لي عنها وأقدر حظي أيضا أنه في مدينتي توجد مكتبة ضخمة عاجة بكل أصناف المعارف.

منظومة قيم

{ هل صدقت ثورات الربيع العربي؟

– هاته الثورات كانت مفاجئة للجميع ولم يتنبأ بها الجيوسياسيون وعلماء المستقبليات. لا أحد كان ينتظر أن يثور الشعب التونسي ويطرد الديكتاتور وأن يلحق به المصريون والليبيون وآخرون. لا يمكن عدم تصديقها، إنها حقيقة على الواقع. الشعوب العربية تنتفض وتخرج بشكل يومي وتظاهرة الثلاثين مليون في مصر في الثالث من حزيران (يونيو) دليل على أن الأمور لم تعد كما كانت في السابق.

تصلني فيديوهات وصور عن وقفات في جل المدن المغربية يناقش فيها المواطنون مشاكلهم من ارتفاع الأسعار وضيق الأفق بصفة عامة ويتظاهرون من أجل إيصال صوتهم. في اعتقادي أنه لن يكون هناك استثناء مغربي. ستأخذ الأمور وقتا أكبر لكن الأوضاع في المغرب ستتغير وأشكال التظاهر ستتجذر وتتسع أكثر. هناك دينامية للتغيير لحقت بالمواطن العربي العادي وهو مستعد للموت من أجل احترام حقوقه ومن أجل قيم المساواة والعدالة. طبعا هناك ارتباك في الاختيار ومن ثم صعود حكومات إسلامية وتطبيق للشريعة في حالة ليبيا وهذا لا يجب أن يجعلنا نيأس فالشعوب العربية محمولة بالوعود التي يعطيها الإسلام كديانة كبرى في العدالة الاجتماعية وغياب الرشوة وممارسات جعلت العالم العربي يبقى متخلفا. يجب تصديق ثورات الربيع العربي بالرغم مما أفرزته من حكم الإسلاميين. سيكتشف الناس والإسلاميون أيضا أنهم يواجهون مشكلات وضعية وسيجيبون عليها إجابات وضعية وليست إجابات من القرآن والسنة. سيلزم الوقت ليكتشف المواطن العربي أن الإسلام منظومة قيم أخلاقية وليس برنامجا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

الالتزام الماركسي اللينيني

{ في سبعينيات القرن الماضي المثقف والأديب كان يأتي إلى الأدب من جبهة اليسار بمعنى أنه ملتزم ومنخرط في الأحزاب والنقابات والجمعيات إلى غير من الإطارات والتنظيمات… إلا أن هذا المثقف نجده قد تخلى اليوم عن كل ذلك وعاد إلى الصفوف الخلفية، ليتفرج على ما يجري… في رأيك ما الدور الذي ينبغي على الأديب أن يلعبه اليوم؟

– أعتبر أنه من المؤسف له أن يتفرج المثقف على ما يحدث مهما كانت اعتبارات مثل الأدب للأدب قوية. شخصيا عشت مرحلة تكوين والتزام ماركسي لينيني في الجامعة. إلتزام قوي وانخراط كلي في النضال الطلابي وبعد الجامعة التحقت بالجمعية المغربية لحقوق الانسان وجبهة وطنية من أجل الدفاع عن حقوق المرأة وإدماجها في التنمية وعشت تجربة حزبية قصيرة أورثتني الخيبة من الأحزاب. شخصيا أفخر بتكويني وأصولي السياسية وهي لا تعوق مسار الكتابة عندي بل تعمق وعي شخوصي وتجعلني أفهم العالم أحسن. هناك من يختار موقع المتفرج وهذا حقه المشروع لكني أعتبر أن المثقف صوت من لا صوت له وعليه أن يلعب دورا سياسيا وأن يقف بجانب القضايا العادلة إذا توفرت له أدوات التحليل والرغبة في الانخراط في دينامية مجتمعه. غابرييل غارسيا ماركيز مثلا ملتزم بقضايا شعبه ويواجه كارتيلات المخدرات في كولومبيا وعرض نفسه للخطر مرات كثيرة وكتابته عميقة وجماليتها لا تناقش.

{ هناك فوضى في القصة القصيرة المغربية وخصوصا ما يعرف بالقصة القصيرة جدا، من المسؤول عن هذه الفوضى والعبث؟

– في الحقيقة لست مطلعة على الوضع بشكل كاف لأتمكن من الحكم عليه. تصلني تجارب جميلة في القصة.

التجربة الإنسانية

{ تكتبين القصة بنفس شفاف وصدق وأحيانا تكتبين عن حياتك الخاصة ومعاناتك لو تكشفي لنا عن بعض سرك وبعض مشاريعك الابداعية المؤجلة؟

– أكتب عن حياتي الخاصة لأنها لحمة الأدب. النص الأدبي نص جمعي تتلاقى فيه المعارف لكن لحمته الأساسية هي التجربة الانسانية سواء كانت شخصية أو غيرية. يحدث أن أكتب عن ذاتي لأنها جزء من العالم الذي يحيط بي والذي يؤسس مخيالي ومعارفي. هناك مشاريع أجلت نشرها لظروف خاصة وستصدر قريبا.

الأبيض والأسود

{ تحلمين في النوم كما في اليقظة ما نوع هذه الأحلام …هل هي أحلام ذكية وملونة أم هي استعارات بالأبيض والأسود؟

= أحلم بكل الألوان وحلمي الأساسي هو أن يتحقق العيش الكريم في العالم العربي. أن تتغير الأوضاع  وتستقر بالشكل الذي يغريني بالعودة في المستقبل.

حنان درقاوي في سطور

حنان درقاوي، قاصة وروائية ومترجمة مغربية تقيم في فرنسا

تنشر نصوصا ومقالات في الجرائد و المجلات والمواقع الالكترونية.

– صدر لها:

1997 : “طيور بيضاء” مجموعة قصصية عن منشورات دار البوكيلي للنشر والتوزيع بالمغرب؛

2003:  “تيار هواء”  مجموعة قصصية عن منشورات دار الصدى بدبي؛

– كما صدرت لها نصوص مترجمة إلى الفرنسية والألمانية.

– يصدر لها مع بداية سنة 2014:

– “الخصر والوطن”، رواية عن منشورات دار إفريقيا الشرق بالمغرب

– “جسر الجميلات” رواية عن منشورات  النايا للدراسات والنشر .

– الجوائز المحصل عليها:

1993: جائزة الطلبة الباحثين في الآداب، كلية الآداب بالرباط المغرب عن نص “رحيل، طريق أخر”؛

2001 : جائزة مجلة عائشة بالمغرب عن نص “حبات رمل” ؛

2003 : جائزة الإبداع العربي من دبي – المركز الأول، عن المجموعة القصصية “تيار هواء”.

– الشواهد المحصل عليها:

– دبلوم الدراسات العليا المعمقة في تاريخ الفلسفة؛

– دبلوم كلية علوم التربية للأهلية لتدريس الفلسفة؛

– ليسانس فلسفة، تخصص فلسفة عامة.