حق الرد
القارئ بين الاحباط النقدي وعدم الاكتراث الأدبي
نادية هناوي سعدون
لا يختلف أهل الفكر والأدب أن حقل النقد حقل كتابي وعمل إبداعي لايمتهنه إلا من امتلك المستوى اللازم للممارسة والامتهان وفعل النقد إنما يفترض شروطا الزامية صارمة تتعلق بالوظائفية والمنهجية فضلا عن حتمية التواصل المعرفي القائم على الملاحقة المثقفة التي لا بد للناقد أن يخوض غمارها بحثا عما يعمق قراءته ويؤكد سمات شخصيته النقدية.
ولعل من اهم طروحات نظريات التلقي ونقد استجابة القارئ انها افرزت عددا من التصورات النقدية التي تؤصل فعل النقد وتحدد طبيعة القائم به فكان ان اشَّر النقاد الغربيون انماط القراء كالقارئ الخارق او المثالي والقارئ المضمر والقارئ العادي والقارئ الحقيقي والقارئ الضمني الى اخره من التوصيفات النقدية التي اخذ منظرو الأدب والنقد يتصارعون في ما بينهم لإعطاء تحديد توصيفي لمفهوم القارئ واضعين الحدود المؤصلة له والمفاهيم المنظرة لهيأته اصطلاحيا ومنهجيا.
وهذا ما اتاح لعملية نقد النقد ان تأخذ مدى ارحب لتغدو حقلا معرفيا وميدانا علميا وبما يجعل للقارئ دورا جديدا ينبثق من كونه عامل مشاركة وعنصر بناء في العملية النقدية وليس مجرد مستهلك مــستقبل..
وبناء على هذا التصور ــ الذي اقدمه وأنا مندهشة من المنشور المعنون (الذات المحبطة وغياب الرؤية النقدية) الذي للاسف سمحت ثقافية الزمان بنشره في 19/1/2016 ــ اقول يصبح من المهم تحديد سمات ذلك الذي يوصف بانه قارئ وذلك الذي يوصف بانه ناقد اذ كل ناقد هو قارئ ولكن ليس كل قارئ ناقدا ومن هنا نجد قراء معينين يعدون الكتابة الصحفية او الاخوانية او التشهيرية عملا نقديا وحقيقة الامر انه مجرد فعل كتابي لا تنطبق عليه شرائطية الفعل النقدي بتعقيداته كلها او بعضها فيغدو الذي يمارسها قارئا طارئا على النقد ليس الا ..
ولعل من اهم مخاطر هذا التعدي على التخصصية المعرفية وعلى النخبوية والاكاديمية ان الذات القارئة التي هي ابعد من ان تكون ناقدة ستشكل عبئا معوقا او سالبا يسير في عكس ما تتطلبه الفاعلية النقدية من قبيل:
– الافتقار إلى مؤهلات القراءة الصحيحة مما يفوّت عليه إدراك مظان الجمال في النص المقروء.
– الانشغال عن القراءة بالكتابة والإكثار من اللغة الإنشائية والاستعمال العشوائي الفوضوي للمصطلحات والعبارات غير المدروسة والتخبط في استخدام الأدوات اللغوية الصحيحة وسوء استنطاق المفاهيم والنظريات بسبب الجهل بأصولها المعرفية والفلسفية.
– التمسك ببعض العادات اللاأدبية في القراءة والانكفاء عليها والاتكاء على مخالفة العرف والتذبذب الفكري والمبدئي الذي يجعل الناقد صريع اتجاهات قطبية أو أحادية قد تودي به -أحياناً- إلى انعدام القيم والخواء الخلقي واختلاط المعايير وضبابية الرؤية والعماء العلمي الذي يوقعه صريعا لاحلامه ونهبا لاوهامه التي لا اساس لها الا في ذهنه العليل.
– قلة احتفاء مثل هذا القارئ بالنقاد الادبيين بسبب الحسد او فقدان الرصيد النخبوي الناجم عن تراخي التفاعل بينه وبين النقاد النخبة.
– شيوع المعيارية والقطعية أو الإطلاقية كأحكامٍ ناجزةٍ إزاء الهرم الإبداعي (مؤلف – نص – قارئ).
– التحزب النقدي لفئة أو اعتقاد أو أديب ما والانشغال بها والتمادي في بحثها وبشكل يؤدي إلى ما يشبه التورم الكتابي والتحجر القرائي.
– الإتيان بخلاصاتٍ جاهزة او صيغ أسلوبية مسبقة مع سلبية النزعة في الكتابة المصادرة للاخرين والمجافية لإمكانياتهم في الإنتاج والتفاعل.
– فوضوية الكتابة النقدية الناجمة عن غياب التخصص النقدي لاسيما في النقد الصحافي.
ان هذه السلبيات مؤشر على مخاطر هذا النوع من القراء غير النقاد الذين اسميهم القراء المحبطين الذي سيغدون بمرور الزمن معرقلين لمسيرة نقدنا الراهن والحائلين دون ان ينال نقادنا الاحقية التي تعلي من خط النقد الدغماطي المنهجي توجيها وإفادة …. ولعل سائلا يسأل ما السبيل إذن لتجاوز ذلك ؟
وقطعا، لا يبدو ان الاجابة عن هذا السؤال متحققة في الوقت الراهن لكنني اقول ان الامر يبقى رهنا بالنقاد النخبويين الذين يمتلكون قدرة التأثير في المشهد النقدي والثقافي في العراق ليقوموا بدورهم في كبح جماح مثل هؤلاء القراء المحبطين الطارئين على النقد عبر وضع الية عمل ناجعة تتبنى اداءها منظمة رسمية او مؤسسة تنبثق بشكل مدعوم محليا او عربيا لتتولى الدفاع عن النقاد وتضمن لهم حقوقهم وتمكنهم من اداء دورهم الصحيح في المشهدية الثقافية في العراق واضعة القوانين التي تكفل للناقد اداء دوره الفاعل في رصد النتاجات الأدبية والإبداعية وتحليلها وهذا هو ما سيحقق لنا التفرد الواعي في الخطاب النقدي العربي..بغية الوصول إلى قيم نقدية متقدمة ومظاهر فكرية خصبة تلتقي في خضمها الاتجاهات التحديثية في القراءة والمنطلقات الجديدة في فهم الأدب ونقده، مع التخلص من شرك الارتباط بالتيارات الطارئة والسطحية والتقولات النقدية غير الدقيقة.
وعلى الرغم من ان المشهد النقدي في العراق بحاجة الى المزيد من التحولات المؤسساتية إلا إن الحركة المنهجية تبشر بخير وهي لم تضع اوزارها بعد لان غبار صولات القراء الطارئين على النقد غالبا ما يعكر صفو هذه الحركة مما يحول دون ان تتضح الامور على علاتها .
ولعل من صور تلك الصولات ايضا ان يظهر نموذج الناقد المتذبذب في مواقفه وارائه ازاء بعض القضايا والظواهر كونه يكتب وهو غير مؤمن ماديا او معنويا بما يكتب في حين يكـــــــون هناك نموذج آخر مضاد يمثله الناقد الادبي الذي حاله كحال المجاهد فهو يواصل الابداع من دون ان يسأل عن المقابل ..























