الفصل والوصل وما بينهما – عبد الجبار عبد الوهاب الجبوري

الفصل والوصل وما بينهما – عبد الجبار عبد الوهاب الجبوري

نقصد بالفصل والوصل الصراع الدائر بين السياسيين على المستوى الأقليمي والمحلي بين فئتين سياسيتين . الأولى تسمى بـ الليبراليةالتي تؤمن بفصل الدين أو السياسة عن أي ميدان حياتي , كالفصل بين الدين والسياسة , والفصل بين السياسة والقضاء, والفصل بين الدين والسياسة والتعليم … الخ . والثانية تسمى بالمنظومة الدينيةالتي تؤمن بالوصل بين تلك الأطراف . إن جدلية الربط بين هذه العناصر يمثل جدلا فكريا وثقافيا وأيديولوجيا بين منظومتين متناقضتين من حيث الفكر والأتجاهات والمنطلقات , ويغذي هذا الصراع الجهل والأنغلاق الذي يسود الفكر السياسي على أكثر المستويات الأقليمية والمحلية .

الفصل بين الدين والسياسة

فأنصار الفصل يدافعون بشدة عن ضرورة الفصل بين الدين والسياسة في الدولة , والقضاء والتعليم والأعلام  مستندين بذلك الى عدد كبير من المبررات والنصوص التراثية والتاريخية . فيما يذهب أنصار الوصل الى ضرورة الوحدة بين تلك العناصر من أجل إيجاد وسائل مشروعة لتحكم بما تشاء بأسم الدين كما حصل في المؤسسات الدينية في العصور المسيحية القديمة , عندما كانت دولة الكنيسة قائمة في ذلك الوقت من جهة وطمعا بالسلطة والمصالح السياسية والشخصية من جهة أخرى . بمعنى أن هذا الصراع يتمثل بين نظريتين الأولى علمنةالدولة التي تقوم على أسس علمية من العلمبكسر العين ومنه تكون العلمانية بكسر العين أيضا . أما على مستوى الفكر والفهم السياسي فهي العلمانيةبفتح العين وهي من العالم , والعالم لغة عبارة عما يعلم به الشيء , واصطلاحا عبارة عن كل ما سوى الله تعالى من الموجودات , لأنه يعلم به من حيث أسمائه وصفاته . رسالة في العلمانية والخلافة – رشيد خيون – صفحة – 18. في حين يرى أنصار الطرف الثاني قيام الدولة على الدينواعتباره المصدر الوحيد للتشريع في الدولة , بل يذهبون الى أكثر من ذلك حين يدعون الى إقامة الدولة الدينية الى درجة تقديس السلطان السياسي ضمانا لأيجاد نظام الخلافة أو الحكم الألهي كما يطلقون عليه . إن دراسة موضوعية لأسس الدولة التي أسسها النبي صفي المدينة ثم مكة والحجاز عامة تدل على أنه صكان يسعى من أجل بناء تكوين سياسي يقوم على أسس مدنية وليس على أسس دينية , حيث كان نظام الدولة في المدينة يقوم على قاعدة أساسية قوامها دولة المواطنين) بشكل عام ولم تكن دولة المؤمنينمن الأسلام حصرا والدليل على ذلك ما ورد في الدستور التعاقدي الأول في التاريخ صحيفة المدينةحيث جرى التعاقد بين الرسول محمد صوسائر الملل لدولة المدينة دون التفريق بين مسلم وغيره , ومؤمن وغير مؤمن حيث كان الولاء سياسيا مدنيا للدولة لا للدين . الأسلام والسياسة – عبد الأله – بلقزيز –صفحة -52.

وامتدت هذه السياسة النبوية الى عهد الخلفاء الراشدين والمراحل التاريخية الأخرى للدولة التي كانت ترعى المواطنين على السواء , سواء كانوا مؤمنين أم غير مؤمنين , مسلمين أم غير مسلمين , والدليل على ذلك أقرار الدولة بأنتماء الديانات الأخرى الى دولة النبوةمقابل دفع ضريبة أقتصادية تعبيرا عن الولاء والأنتماء الى دولة النبي صوالخلفاء الراشدين (رض)

ومنذ ذلك التاريخ , أي منذ الهجرة الى المدينة وتكوين أول دولة مدنية , تحقق أول فصل بين السلطة السياسية والسلطة الدينية وأعتمد في ادارة الدولة على الكفاءة والقدرة والخبرة الشخصية ومما زاد في عملية الفصل إعتماد مبدأ المشورة وأمرهم شورى بينهمسورة الشورى – آية 38و شاورهم في الأمرسورة آل عمران – صفحة 159.

مساحة كبيرة

والأنفتاح على مساحة كبيرة من الأجتهاد لرجال من البشر لا قداسة لهم ولا تأليه إلا ما كان لهم من صحبة للنبي صبحيث لم يشهد التاريخ الاسلامي أي شكل من أشكال الوصل على النحو الذي شهدته أوربا المسيحية والسبب في ذلك يعود الى التزام النبيصبالأمر القرآني الذي جعل من الأجتهاد والأستنباط وسائل مفتوحة لما تقتضيه مصالح الدولة السياسية والأجتماعية والدينية والأقتصادية دون الرجوع الى نصوص معقدة على أن ذلك لا يمنع حضور الدين في معظم شؤون الدولة بدليل أن أكثر الدول العربية تشير الى أن الشريعة الاسلامية هي المصدر الأساس للتشريع , أو احدى مصادر التشريع … الخوإن هذا الحضور الأساسي لا يعني حضورا طارئا بل إنه حضور أساسي وموضوعي بدليل ما أشارت إليه الدساتير العربية من أهمية لذلك .وإني أرى , كما يرى أكثر المفكرين , إن النصوص القرآنية الكريمة تشير الى قيام الرسول صببناء دولة مدنية حيث حصر مهمة الرسول صبالبلاغ كقوله تعالى فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبينسورة النحل – آية – 82. كما حصر ذلك بالأنذار كقوله تعالى وقل أني أنا النذير المبينسورة الحجر – آية – 89والهداية كقوله تعالى قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ظل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيلسورة يونس – آية – 108ونفي السيطرة كقوله تعالى لست عليهم بمسيطرالخاشعة – آية – 22ونفي الأكراه كقوله تعالى لا أكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيسورة – البقرة – آية 256ونفي الأجبار كقوله تعالى نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبارسورة ق– آية – 45رسالة في العلمانية والأسلام – رشيد الخيون – صفحة – 23.

وما يشير الى قيام دولة مدنية في القرآن الكريم اضافة الى الأدلة السابقة قوله تعالى لكل جعلنا شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة .. الخسورة المائدة – آية – 48وقوله تعالى ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفينسورة هود – آية – 118.هذه الآيات وغيرها من الآيات الأخرى تشير الى قيام دولة مدنية تعيش في ظلها الملل والنحل والأديان والمذاهب لا يحاسب الناس فيها على أساس الدين أو المذهب او القومية أو اللون .. فماذا يقول الآخرون بأقوال الله تعالى ؟ هذا الأختلاف والوحدة لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ..المائدة – آية – 48و ما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفواسورة يونس – آية – 19و لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفينسورة هود آية 118في الأمر القرآني هو القاعدة الرئيسة التي تقوم عليها الدولة المدنية المعاصرة التي يسميها البعض بالدولة العلمانيةدون فهم العلمنةأو التمييز بين الدين المدني والدين السياسي .ولعل لنا في الأنموذج التاريخي لدولة النبوةفي المدينة أكبر دليل على الألتزام بالأوامر القرآنية التي حددت مهمة الرسول صفي ادارة الدولة التي لا تقوم على السلطة فأنما عليك البلاغ وعلينا الحسابسورة الرعد – آية 40 وقل أني أنا النذير المبينسورة الحجر – آية 89 وفذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدونسورة الزخرف – آية 83 ونفي الأكراه لا أكراه في الدين قد تبين الرشد من القي سورة البقرة – آية 256 هذه المبادئ التي يفترض , بل يجب على أولي الأمر من السياسيين الألتزام بها , حيث أن هذا الألتزام يؤدي الى بناء الأمة الوسطوكذلك جعلناكم أمة وسطا) سورة البقرة – آية 23 التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وهذا ما ينشده كل أنسان  يؤمن بالأنـــتماء والولاء لوطنه وأمته.