الفاعلية النقدية والأوهام الكبرى – علي حسن الفواز

شيطنة الحداثة والحاجة إلى أخرى

الفاعلية النقدية والأوهام الكبرى – علي حسن الفواز

شيطنة الحداثة قد تدفع لوضعها في سياق اخلاقي أكثر من موضعتها في السياق الثقافي، وهذا التموضع الافتراضي يعني موقفا منها، ومن اسئلتها، ومن فاعلها النقدي، ومن مرجعياتها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية وحتى من تطلعاتها الثورية، وهو مايعني تأطير وصفها وتفسيرها على وفق مرجعيات واسانيد وقراءات أخرى، وبعيدا عن كونها منظومة كنائية عن قيم التقدّم، وارتباط وجودها بالتحولات العميقة والضاغطة، تلك التي قادتها البرجوازية الأوربية، واخضعت من خلالها  العالم الى نوع من المعيارية الطبقية واللغوية والقومية.. إنّ ربط الفاعلية النشوئية للحداثة بأوربا له مايُبرره، على مستوى التغيّرات الحادثة فيها، بدءا من تعبيرها عن حركة النهضة الايطالية والكشوفات الفلكية الكوبرنية، والثورة الصناعية في انكلترا والثورة الفرنسية، واكتشاف العالم الجديد، وعلى مستوى التغايرات الاجتماعية التي ارتبطت بالثورة العلمية وحركة الاصلاح الديني بنسخته البروتستانتية  ونشوء الدولة القومية فضلا عن علاقتها الثقافية/ الفلسفية مع فاعلية الأنوار التي قادتها كانط، وانتهاء بفاعلية العقل الاتصالي لهابرماس ونظرتها لها بوصفها حركة لم تستنفذ اغراضها وضرورتها بعد.. فإذا كانت الحداثة نتاجا لكل هذه المعطيات، فإن اقترانها بالحركات الفلسفية العقلانية جعل منها مائزة في تعبيرها عن قيم العقل، وعن هوية الانسان الجديد، الانسان النقدي، الانسان المُفكِّر، لكن أخطر ما مثّلّه الحداثة في تاريخانيتها الأوربية هو تمثيلها المتعالي لأوهام هذا الانسان الأوربي، في تعاليه الثقافي والطبقي، وفي تسويغ فاعليته في السيطرة وفي الكشف والتفوّق، وفي امتلاك قوة الحرية والثروة والسلطة، بدءا من رحلات الاكتشاف الجغرافي، وصولا الى حركات الاستعمار والاستشراق ونهب الثروات، وفرض رؤية الغرب بوصقها الرؤية الكولينيالية الفائقة للعالم، وهذا ما أعطى للأفق النقدي كاصطلاحٍ أو كمفهومٍ دافعا للاعتراف بوجود هذه الحداثة كظاهرة تمثّل سيرورة النهوض الغربي  الجديدة من جانب، وكمُعطى يُعبّر عن الفاعلية التمثيلية لمخاضات نهضة كبرى سياسية واقتصادية وعسكرية وعلمية، ولسيطرتها على كلّ حركات التحديث بمستوياتها التقانية العلمية، وبمستوياتها التنويرية والاصلاحية، ولمظاهر القوة من جانبٍ آخر، وهو ما أكسب فاعلية الحداثة طبائع لها علاقة بشرعة الهينة، من خلال شرعة التأسيس النهضوي العلمي، والليبرالي السياسي والاقتصادي، وبعلاقته بنشوء الدول الكبرى والقوية، تلك التي امتلكت الجيوش والاساطيل والاقتصادات القوية، والتي فرضت سيطرتها الاستعمارية من خلال البحث عن الاسواق والعمالة الرخيص، وبنشوء الحركات التبشيرية كقوة للسيطرة الروحية، ولتبرير وتسويغ فكرتها عن العالمية وعن مفهوم العصر الحديث الذي دخلته اوربا، عبر السيطرة والحرب والغزو والاضطهاد العرقي، أو عبر العلم والتجارة والثقافة بكل حمولاتها المعرفية والاعلامية والتداولية.. وبقدر ما تحمل منطوقات هذه الحداثة من التباسات، ومن قوة غامضة في الهيمنة وفي الاتصال، وفي تمثيل أفكارها حول قضايا تخصّ الهوية والسلطة واللغة والنظام والسيطرة والمجتمع، فإنّ طبيعة المجتمع الجديد الذي انتجته الحداثة لم يكن بعيدا عن انتاج الأزمات، بما فيها تلك الأزمات التي لعبت الحداثة دورا في سيرورتها مثل الأزمات الاقتصادية والحروب الكونية والصراعات الاثنية، ومظاهر العنف الجندري واللوني والطبقي والهوياتي، والذي تسبب في انتاج أكبر ظاهرة لتهجير العمالة رخيصة الثمن من افريقيا، ولنشوء ظاهرة الاستعمار الأوربي بشكليه القديم والحديث وسيطرته على  قارات اسيا وأفريقيا..

هيمنة حداثة القوة، جعلها تنخرط في صراعات مكشوفة للهيمنة، وللسيطرة والاستعباد والاستلاب الوجودي والثقافي والهوياتي، وهذا ما جعل معطيات هذه الحداثة في موضع شكٍ دائم، أو حتى في هروب باتجاه دعوات تمثيلية مُلفّقة، تلك التي تقوم على تضخيم نزعات(القطائع المعرفية والتاريخية) والتي فرضت خطابها عبر جملة من الافكار، والمؤثرات، حيث تأثّر بها عدد من المثقفين العرب والمسلمين، بدءا من رفاعة الطهطهاوي ومحمد عبده وشبلي شميل وخير الدين التونسي وليس انتهاء بمحمد اركون وعبد الله العروي ونصر حامد ابو زيد وحسن حنفي وطه عبد الرحمن وغيرهم.

القطيعة المعرفية والتاريخية التي سوّغت لها الحداثة تحولت الى عملية لبْس تاريخي، والى صراع اسهم الى حد كبير في صياغة أطر سياسية واجتماعية وثقافية، كان لها الأثر الكبير على واقع المجتمعات العربية، وعلى اشاعة أفكار ايهامية تبرر الحديث عن أفكار التقدم والحرية والفردانية، بما فيها الحديث عن حرية المرأة، وعن نقد تاريخية مهيمنات الجندر القديم، لكن هذا الأثر ظل في جوهره مرتبطا بالسلطة وبرأس المال وبالنظام الطبقي، وبفاعلية المركز الحاكم الذي يؤمن بالملكية الشاملة لأدوات الانتاج، وبتوجيه علاقات الانتاج باتجاه تأمين فرص لزيادة الربح الدائم، وتضخيم الثروة كقوة فاعلة في بناء المؤسسات والجيوش، وفي تطوير مجالات العلم التي تخدم النظام الطبقي والسياسي والرأسمالي الممثل للعصور الحديثة..

الحداثة والحاجة المفهومية

 حاجتنا للحداثة ليست حاجة مفهومية مجردة، ولا حتى ثقافية بشكلٍ عمومي، بل هي حاجة ضرورية وحقيقية لتجاوز الزيف، ومحنة التخلف والفشل، ولمواجهة تحديات العطالة الحضارية، لكن ذلك لايعني التمثيل التام للتوصيف الأوربي المركزي لها، ولسلطتها ونظرتها المرآوية المتعالية للآخرين، ولا حتى  لطرائق تسويغها للعنف الباعث على فرضية السيطرة والرقابة والامتلاك. الحاجة للحداثة هي نظير مفهومي للحديث عن الحاجة الى الاصلاح والتنوير والى تجاوز عقدة التردّي الحضاري، وللفشل في انضاج فاعليات التنمية والعمران، وتأصيل مشروعية بناء الدولة العاقلة والحكم الرشيد، حيث أنسنة هذه الحداثة، وتوسيع مديات استعمالاتها الثقافية والاقتصادية والسياسية والعمرانية.. كيف لنا أن نُنظّر لهذه(الحداثة)؟ وماهي السبل للوصول اليها وللتعاطي مع استحقاقتها، ومع اسئلتها، ومع برامجها وستراتيجياتها؟ وكيف لنا أنْ نواجه – أيضا- أوهامها وخداعها ونظامها الفائق في الرقابة والسيطرة وفي الاحتكار؟

أحسب أن مثل هذه الاسئلة ترتبط أيضا بمستويات النظر الفلسفية وتعالقها مع فاعلية النقد وقوته، مثلما هو ارتباطها بالمستويات القانونية والاخلاقية في توصيف قيم الحداثة، والنظر الى منتجاتها، والى تسويغ تعالقاتها القيمية بالمعرفة والعلم بوصفها قيماً تخصّ الانسان، فضلا ما عن يرتبط بها من فاعليات تخصّ اشباع الحاجات الثقافية والتنموية، بكلِّ حمولاتها، وبكل تمثلاتها  الكبرى في حياتنا، حيث الحاجة الى القوانين والى الدولة الحديثة، والعلم والمعرفة، وحيث الحاجة الانسانية للحرية والعدل والحق والتنمية والديمقراطية والتعليم، وحيث الحاجة الى الامن الاجتماعي، والامن السياسي..

يقول هنري ميشونيك (ان الحداثة قيمة مرغوب فيها اكثر لانها تُحدث دافعا في القصد) أي إن هذه الحداثة تتحول الى قيمة عليا تعني في جوهرها التقدم، مثلما تعني التغاير، وامتلاك القدرة على كشف المزيف الذي يكرر هيمناته على الواقع عبر مظاهر العنف أو الايديولوجيا، ووعبر ما يتركه مهيمنات لها قصد تحويل السيطرة والقوة الى خطابات تتجوهر حول مفهوم القوة التي تصنعها قيم الحداثة ذاتها.. العقل العربي،  بوصفه عقلا(تاريخيا) و(نصوصيا) فإنه يواجه منذ عقود اسئلة شتى، واخطرها سؤال شكيب ارسلان( لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم) والتي لخّصها ب( شيوع الجهل، العلم الناقص، الجمود على القديم، الهلع والخوف وغيرها) مثلما يواجه ومنذ ذات العقود طويلة استفزازات تلك المهيمنات، وبما يجعله يعيش رهاب التابع، والخائف، والمتماهي، أي يعيش أوهامه الفائقة في التعبير عن حاجته الطائلة لقيم النهضة والتقدم، ولصور  الحداثة بصيغتها الانسانية القيمية، أو حتى بصيغتها الاداتية، والتي تملك ادواتها السلطة أو الجماعة.. إن امتلاك اسباب الحدثة، هو مايمهد الطريق لتجاوز عقد الحداثة الاداتية، حداثة السيطرة والعنف والاستعمار والتفوّق، باتجاه  الحداثة التواصلية كما اشاعها هابرماس، والتي تعني الانسان والآخر في سياق علاقتهما وحاجاتهما الانسانية والجمالية والفكرية واللغوية، وآليات النظر الى فاعلية وجودهما في الاجتماع، وفي انتاج قيم وسياسات وأطر التعايش والتفاعل والتواصل، وفي قلق تورطها في لعبة الاعتراف الهيغلي في ثنائية السيد والعبد، أو التابع والمتبوع كما عن فرانز فانون..

 الحداثة-  الاداتية- هي التي تحولت الى مصادر لانتاج الرعب والقوة، لكنها ايضا لعبت دورا على مستوى الافكار والممارسات لصناعة( الدولة الحديثة) دولة بسمارك القومية، والتي نزعات انخرطت في تأكيد الذات الغربية، بوصفها ذاتا متعالية، ذاتا مركزية، لها أنموذجها الهيغلي المتعالي، والذي يدعو دائما لاعتراف الاخرين به، وهو ذاته ماجعله فوكوياما مرجعه السسيوثقافي لاشاعة فكرة(نهاية التاريخ) بوصفها تمثيلا لسيطرة العقل الغربي، عبر نصوصه وحضارته وقوته ورأسماله، وأن الاعتراف بها بعد سقوط(الاتحاد السوفيتي القديم) والنظرية الاشتراكية والادلجة الشيوعية هو ما يستدعي الاعتراف به ايضا كمثال فائق للسيطرة والقوة.

حاجتنا الى حداثة أخرى..

بعد فشل اطروحات الهيغلي الجديد فرانسس فوكوياما، وبدء صراع مفاهيمي جديد حول قيم الحداثة، وحول امكانية سيطرتها على العالم بعد بروز قوة الصين الاقتصادية، وروسيا العسكرية، وبعد تعقّد الصراع مع(الاسلام السياسي) والجماعات الارهابية، وبروز رعب أكثر دموية للعُصاب والكراهية، بات الحديث عن الحداثة وعن اسئلتها أمراً أكثر تعقيدا، وأكثر حاجة للأنسنة وللمشروعية، وهو ما اعترف به فوكوياما ذاته في كتابه الاخير والذي حمل عنوان(بداية التاريخ) والذي اعترف بخطل اطروحاته السابقة، والبحث عن تصورات جديدة ذات بُعد مفاهيمي، يتعلق بقوة الاقتصاد، وبالنظر الى الحقوق الحمائية، والى نزع فتيل الازمات من التاريخ ذاته، والتي ترتبط  بوجود قيم صيانية للحق والحرية والعمران..

ان الحرية هي جوهر هذه الحداثة، وهي التي نحتاجها لكي تنقذنا من(كوما) المحن التي صنعها الاستبداد والعنف والتكفير، حيث لعبت هذه المحن في  صناعة الانسان المعزول، والخاضع، والتائه، والمتورط في فضاء للصراعات، ووالخاضع الى صناعة المركزيات التي تفرض (القدامة) و(المقدّس) و(الحاكمية) وكأنها هي الشروط الحافظة والصيانية للوجود، والحداثة ستكون في هذا السياق هي العنوان المُضلِّل للكفر والخروج عن الامة، وهو ما حاول جماعات الارهاب القاعدي والداعشي وغيرهم من تعويمه والافصاح عنه في منطقهم المتخلف والمتوحش. التوصيف المفهومي للحداثة هو مايجعلها في سياق تداولي آخر، في عمقها الإنساني، وفي توظيفها، وفي تأطير علاقتها مع المجتمع ومع الدولة، حيث تحتاج الدولة والمجتمع الى شرعة الأنسنة، والقوننة، والى برامج ومشاريع تسويق افكار التقدم والتجديد، وهو مايجعلها أكثر أهلية لصناعة أفق واقعي وانساني وقانوني لسيادة فاعليات الوعي والقانون والحقوق، فضلا عن ما يمكن أن تعنيه من شروط اكثر  فاعلية لخدمة الانسان ذاته، إذ إنّ شرط تداول هذه الحداثة سيكون رهينا بوجود بيئة عاقلة، مقوننة، منظمة، لها برامج واهداف قيمية واخلاقية وتربوية وتنموية، مثلما لها برامج خدماتية في سياق التنمية البشرية، في حماية الانسان من الجهل والتخلّف والجوع والحرمان والعدوان والقمع والمنع،  فليس للحداثة من معنى أو قبول، إنْ لم تتبدى في حياة الناس، وفي فاعلية توفير مصادر واسعة لادامة السعادة البهجة والامان والمتعة والاشباع والرفاهية. مشكلة الوعي بالحداثة سيكون هو المجس لاختبار فعل هذه الحداثة، ولتأثيرها، ولقدرتها على انسنة مشروع التنمية، بوصفه مشروعا يمسّ حياة الناس ومعيشهم ومصالحهم، وافق مستقبلهم، وفي صناعة خطابه في التداول، وفي سياقات بناء الدولة، فلا وجود للحداثة خارج حاجة الناس، ولضرورتها في البناء وفي الرُقي والتحضر، وبناء المجال العمومي المؤسساتي والتربوي والاقتصادي، والذي سيكون هو الارضية الصلدة لمواجهة تحديات المستقبل، وضمان فاعليات التحول الديمقراطي والمدني، فضلا عن وظيفة الحداثة في التنوير والاصلاح وفي اعلاء شأن العقل الوطني الثقافي والسياسي والاجتماعي لمواجهة كل مظاهر الزيف والعنف والارهاب والتكفير والفساد..

الحداثة ونقد الحداثة.

نقد الحداثة لايعني بالضرورة الحديث عن (مابعد الحداثة) وعن لا عن(موت المركز الحداثي القديم) بقدر ما يتعلق الأمر بمراجعة تلك الحداثة، عبر نقد خطابها، وعبر فهم طبيعة علاقتها المفهومية والنسقية مع أنظمة مجاورة لها كالتحديث والمعاصرة والحاجة والتعاون الدولي، ومع فاعليات جعلت من تداولية العقل الثقافي -وهو جوهر موضوع الحداثة- مفتوحا على آفاق جديدة، ومستنفرا للتعاطي مع ستراتيجيات أكثر عقلانية، تلك التي يتم من خلالها تجاوز تاريخ السياسات والأدلجات والعصوبيات والمراكز، والتي كان لها دورها في صناعة كثير من الأزمات الكبرى والحروب العالمية والكوارث الانسانية، لاسيما تلك التي اسهمت في صناعتها دول كبرى تجوهرت فيها قيم الحداثة المؤسِسة حقوقيا وانسانيا وسياسيا ووضعانية وديمقراطية، وهو مايجعل مسؤولية المراجعة أمرا حيويا، وفاعلية تتطلب نوعا من التأطير الثقافي والفلسفي، على مستوى نقد مفاهيم القوة والخطاب والقمع والحب في بنيات الحداثة، أو على مستوى إعادة تأهيل(المجال العام) كحاضن فاعل في تحفيز آليات التواصل التي اطلقها آخر فلاسفة الحداثة(هابرماس) والذي جعل من أطروحاته في السياسية وفي الفلسفة قائمة على اساس التواصل، وعلى اساس صناعة(المجال العام) بوصفه المجال الفاعل، والبنيات المحفزة والتي تتفاعل مع حواضن (الهابيتوس) ذلك المجال المفهومي الذي نظّر له بيير بورديو في سياق نظرته السسيولوجية لحرية الفرد داخل المجتمع، ولقدرته على التفاعل والتواصل مع الاخرين، ودعوته لصياغة اسس  لمجتمعات المعرفة والى انسنة السيطرة على الاليات الحاكمة بالعنف والسيطرة المادية والرمزية..

يظنّ أن مشروع الحداثة لم يكتمل بعد، وان نقد الحدثة هي الفعل الذي ينبغي أن تقوم بها الـفلسفة، والعلم، والمعرفة.