
بمناسبة الذكرى الأولى لوفاته
الغربة والإغتراب في شعر مجيد الموسوي
عـلاء لازم العيـسى
1
لقد كان لكشوفات علم النفس والتحليل النفسي في القرن العشرين والتي ظهرت على يد فرويد ويونغ وأدلر ، تأثير كبير في حرف مؤشّر بوصلة النقد الأدبي من المنهج ( المعياري ) إلى المنهج ( النفسي )، فبعد أن كان النقد المعياري يعتمد على قواعد محدّدة لا يمكن أن يحيد عنها ، كقاعدة نقاء الجنس الأدبي ، وضرورة وحدة الزمان والمكان ، وغيرهما ، ممّا كان سائدًا في أوروبا حينذاك ، اهتمّ المنهج النفسي بمضامين الأعمال الأدبيّة من دون أن يولي أهميّة كبيرة للعناصر الأخرى فيها.
وبين هذا المنهج وذاك كان هنالك منهج ثالث ظهر تحديدًا في الفن التشكيلي ، ثمّ انتقل إلى النقد الأدبي ألا وهو المنهج ( الانطباعي ) أو التأثري ، وصار يعني التعبير عن التأثر والانطباع الذي يتركه النصّ الأدبي أو العمل الفنّي في المتلقّي ، ولهذا فهو يعتمد إلى حدّ كبير على العوامل الاجتماعيّة والثقافيّة والحس المرهف والذوق الرفيع للناقد ، ومدى ما يستثير من ذكريات وعواطف كامنة في ذاته، وهذا ما وجدناه في لغة النقّاد طه حسين والعقّاد من مصر ، والدكتور علي جواد الطاهر وعبدالإله أحمد من العراق وهذا المنهج سيكون منهجي في قراءتي لديوان المرحوم الأستاذ مجيد الموسوي الذي سمّاه : (( لتأخذني أقدامي حيث تشاء ))، ط1 من اصدارات اتحاد الأدباء والكتّاب في البصرة ، لسنة 2014 وستكون البداية مع العنوان .
2
عتبة النصّ
يمثّل العنوان العتبة التي يجتازها المتلقّي إلى متن النص ، وهو يشكّلُ حضورًا نصيًّا مستقلًا ، ومفتاحًا دلاليًّا مهمًّا للدلالة على النص والإشارة لمحتواه الكلّي ، وفكّ بعض رموزه ، وقد حاول شاعرنا الموسوي منذ العنوان الرئيس لديوانه أن يلفت نظرنا إلى أنّه في رحلة ، بكلّ ما تعني الرحلات من رموز كعبور بحر الحياة ، أو الوصول إلى الكمال ، أو البحث عن الجنّة المفقودة ، أو اختيار أحد الممرّين الأيسر أو الأيمن ، أي الرفض أو القبول .
لكنه استخدم صورةً من المفارقةِ في المفهوم توحي بأنّ خطواتنا مرسومة ومحسوبة ، وهي التي تقودنا إلى مصائرنا ، شئنا أم أبينا ، فهي التي تشاء وليس نحن ، وهذا ما سيذكره بعد ذلك في واحدة من قصائد الديوان ، فيقول:
(( للعالمِ ميقاتٌ
لا يتقدّمُ أو يتأخّر:
البذرةُ في الأرض
تصيرُ نباتًا
والآن
يصيرُ الماضي
والغدُ يغدو الآنَ
ولكلٍّ ميقات لا يتغيّرُ
في هذا الدورانْ
لكن الوقت
هو السيّد يرقبنا ، حذِرًا يتربّصُ بين كمائنه
مثل الصيّاد )) ص41
وهناك متربّصٌ آخر غير الوقت ، أنّها امرأة عمياء ، تختبئ خلف نافذة مغلقة:
(( امرأةٌ عمياءٌ
طاعنةٌ
وموحِشةٌ
تتربّص بالعابرين )) ص124
وهذه مفارقة أخرى ربّما أراد بها الأيام أو الدنيا أو شيئًا آخر ، فالأعمى كيف يتربّص .
ومنذ مفتتح الديوان ، وهي العتبة الثانية ، بدأ الشاعر يتوغل في الوحشة والحيرة نحو المجهول :
(( سأبدأ من الزمن الذي لا زمن له
وأعرف أنّي سأنتهي إلى منطقة مجهولة
سأدخل غابة الأسئلة المحيّرة
وليس في الفؤاد جواب ))
3
العناوين الفرعيّة
وحينما أجريتُ إحصاءً لعناوين قصائد الديوان الفرعيّة والتي بلغتْ ( 77 ) عنوانًا، وجدتُ أنّ أهمّ القسمات الوجوديّة والنفسيّة المميّزة لعالم شاعرنا الموسوي ، هي الشعور بالغربة والوحشة واللاجدوى من عالمنا ، والتفاهة التي خيّمت على واقعنا فصبغته بقتامة مقرفة .
فالمدينة لم يذكرها في عناوينه سوى مرةً واحدة وكان يُشيرُ إلى مدينة مجهولة ، أو ( مدينة أخرى ) غير المدينة التي ولد فيها ، فمدينته بنقاوتها ودهشتها وجماليتها أمست مجرّد وهم ، سار نحو مدينة أخرى لوحده بلا أنيس وبدون توقّع منه ولا من أصدقائه ، بعد أن ترك البيتَ والأهل والكتب الثمينة ، وبالرغم من كلّ ما لاقى من نصب وارهاق لكنه لم يبلغ المدينة التي ظلّ يحلم بها أيضًا ، فقال :
(( كم مشيتُ هنالك
أعوامًا وأعوامًا
وأعوامًا سألتُ ، إلى أن بتُّ شيخًا
طاعنًا ، حَرَضًا
ولمّا أبلغنَّ
مدينتي
الأخرى )) ص24
وقد ظهرت هذه الوحشة، بل هذه المأساة بشكل واضح حينما جعل اللون الأسود يحاصر كلّ شيء في الحاضر حتى طغى على كلّ الألوان ، اللون الأسود بكلّ ما يحمل من رموز سلبيّة كالحداد ، والقنوط ، والتخلّي ، وظلمة الروح ، والخراب:
(( السواد
يملأ كلّ شيء
ويلوّن الكائنات
ويتغلغلُ في مساحات الروح )) ص123
إنّ هذا الشعور بالغربة والوحشة عند الشاعر الموسوي ، جعل من الغياب والاضمحلال والتلاشي المهيمنة الرئيسة على كثير من المفردات والأشياء :
(( وتضمحلّ الأشياء التي نُحبّها
بعيدًا
بعيدًا
وتتلاشى
مثل ظلال غاربة ؟ )) ص126
وفي قصيدة أخرى قال :
(( لا شيء في الكف
لا شيء في الفؤاد
وما نتذكّره الآن
ننساه غدًا )) ص114
4
لقد كانت شعرية المرحوم مجيد الموسوي مظلّلةٌ بسماء مكتظةٌ بقلقٍ غير محدود وبأصوات الألم واللوعة في الحاضر ، وبخوفٍ من المستقبل وضبابيتهِ ، ولهذا فقد اكتظّت عناوين القصائد بكلمات موجعة ، مثل : ( تلاشي ، وبكاء ، وعزلة ، ووحشة ، واغتراب ، وخيبة ، ومتاهة )، وحتى المساءات الجميلة عند غيره أمست موحشة وحزينة عنده ، ففي قصيدته ( مساء ممطر ) ، يستيقظ منتصف الليل يبكي أيّامه مرتعبًا ، مأخوذًا بهواجس لا يعرف مصدرها .
وفي قصيدته الأخرى ( مساء آخر ) ، قال :
(( الليلةُ أسهرُ وحدي مأخوذًا
وأفكّر بالأمواتْ
ما أوحش هذا الليلَ
وما أوحش روحي
ما أوحشني )) ص32
5
وكما كان للأحزان والوحشة مساحة كبيرة في عناوين الديوان الفرعيّة ، كان للرمز حضور لا بأس به ، فكان : ( يوم سنمار ، وثور آشور ، وتاج زنوبيا ، وطعنة بروتس ، وشهريار ، والبراق ، وابن سيرين ، وعباءة عروة بن الورد ).
أخيرًا ، فإنّ ديوان (( لتأخذني أقدامي حيث تشاء )) للشاعر مجيد الموسوي ، قدّم عرضًا موفّقًا لأحاسيسٍ وأعراضٍ نفسيّة واجتماعيّة متأزمة يمرّ بها المثقّف بصورة عامة، كما كان شاهد عيان لاحتضار القيم النبيلة في مجتمعنا ، لقد مات شاعرنا الموسوي ومات معه حلمه بمدينة فاضلة ، ولهذا سأخاطبه بما خاطب به نفسه :
(( أيّها الشيخ
الذي يبحث عن لؤلؤة الخلد
صباحًا ومساء
عبثًا
تنتظر الوعد )) ص107
…………………….
* ولد الشاعر مجيد سلمان الموسوي في البصرة سنة 1945 تخرّج في جامعة بغداد قسم اللغة العربية سنة 1967 عمل في التدريس ، نشر شعرًا في الصحف والمجلات العراقية ، أصدر أكثر من مجموعة شعرية ، منها : مخاطبات العشب 2000 يقظة متأخرة 2002 دموع الأرض 2013لتأخذني أقدامي حيث تشاء 2014 .
توفي صباح يوم 27 / 1 / 2018 .






















