
العودة إلى الزمن الخالي – ناجح صالح
قبل أن يدخل عصر العلم بمفهومه التقني المتطور , وقبل ظهور الكهرباء تحديدا , كان الناس قد ألفوا حياتهم البسيطة الخالية من التعقيدات , واعتادوا عليها رغم قسوتها . كان الانسان يكدح ويشقى حتى تتوفر له لقمة العيش , ومع ذلك كانت حياته بعيدة عن الهموم , اذ ليس ثمة منغصات تنغص عليه هذه الحياة , ينام مبكرا ويستيقظ مبكرا , راضيا بعيشه قانعا برزقه آمنا في سربه . فلما جاء عصر الكهرباء لينير له دربه , ثم ليوفر له خدمات ما كان يحلم بها , تغيرت حياته تغييرا هائلا , وتبدلت معها حتى أخلاقه وقيمه وأعرافه , وبعد أن كان بدنه يبذل الجهد الهائل , استكان هذا البدن وتراخى وتكاسل حتى كادت تتوقف معه دورته الدموية وتتباطأ نبضات قلبه . ولما ركن الانسان الى ما جاءت به الصناعة وما جاء به العلم وجد نفسه في غنى عما كان مألوفا لديه من قبل , وأنه أزاح عن كاهله تلك المتاعب .
فكل الوسائل أصبحت لديه جاهزة بما فيها الطعام والشراب واللباس , وكذلك المقتنيات الأخرى التي توفرت له داخل مسكنه , عدا وسائل النقل السريعة التي تقله الى حيث يريد . وقد شهد وطننا هذه التغييرات كبقية الأوطان , ووجد فيها انتقالة سهلة مريحة بدلا من العناء الذي كان يشقى به فيما مر من الزمن . وما أريد أن أقوله في هذا الصدد أن حياتنا على الجملة منذ ما يقارب على النصف قرن يسرت لنا المستلزمات التي جاء بها العلم لننعم بنعيمه , لقد اعتاد الناس مرة أخرى على هذا النمط الجديد من الحياة واستأنسوا به ورأوه ضرورة لازمة لا يمكن الاستغناء عنها .ورغم ما رافق هذه المستلزمات المادية من سلبيات بما فيها ضعف العلاقات الاجتماعية فقد رأينا فيها خلاصا من المتاعب وتيسيرا كبيرا في الخدمات .
أقول أننا ألفنا هذا الجديد منذ نعومة أظفارنا، ورأينا رأي العين كل مستحدث تأتي به الصناعة لخدمة الانسان ، وليس في ذلك من حرج , انها نعمة يسرها الله لنا ما لم تكن مؤذية ومتجاوزة على الحدود التي يجب الوقوف عندها . وأقول مرة أخرى أننا في غمرة الأحداث التي عصفت على أرض الوطن فقدنا كل ما كان ميسورا لنا وكل وسائل الراحة التي نعمنا بها زمنا غير قصير , وأخذت حياتنا بكل تفاصيلها تتحول الى معاناة يومية فيها الكثير من الشقاء وكأنها عودة الى الزمن الخالي الذي سبق عصر العلم والصناعة . هكذا أراد لنا أعداؤنا .. تدمير تطلعاتنا وآمالنا وأحلامنا فكان لهم ما أرادوا .. كنا نتمنى أن تكون حياتنا أفضل مما كانت فاذا بها تنحدر نحو الهاوية , وتتعطل معها مرافق الحياة بكل معانيها بما فيها توفير الخدمات الضرورية اللازمة لكل أسرة , اضافة الى الهدم والتخريب والقتل الذي يلازمنا في كل ساعة من ساعات النحس التي نحياها . انها الأيام الأسوأ في حياتنا جميعا , فهل ثمة ضوء في آخر الأمر ؟


















