
العم أبو جراوية – ظافر قاسم آل نوفة
وما زالت تتملكني الرغبة عند صعودي إلى سيارة نقل الركاب الجلوس في المقعد الأخير بجانب النافذة وهذه ليست وليدة اليوم لأنها كانت تمثل لنا انجازاً كبيراً في طفولتنا وما زالت متجذرة فينا هذه الصفة رغم ندرة صعودنا إلى سيارات نقل الركاب .
ابتسم لنا الحظ في رحلة ..نعم ..رحلة إلى مدينة بعقوبة لأنها اليوم تعد بمثابة الرحلة لكونها تستغرق ما يقارب الساعة علما إننا في السابق نقطعها بخمس دقائق لا غير حسب ساعة (ستيزن) التي كانت تجمل معصمنا الأيسر ، عند صعودي إلى السيارة كان عدد الركاب لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة بنت صغيرة أشبه بالوردة برفقة والدتها وشاب يحمل بيده ملزمة دراسية ربما كان في درس خصوصي(موضة العصر) ورجل سبعيني مغط رأسه بـ (جراوية) عصفورية يجلس في الخانة الأخيرة وقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى رجل يدعى (قدوري ابن عصفور) من محلة الفضل في بغداد.
جاورت الرجل أبو (جراوية) في الجهة الأخرى من الخانة الأخيرة ..طبعا .. قرب النافذة وبنظرة عفوية نحو الرجل لان (لفة الجراوية ) أعجبتني لأنها تذكرنا بإبائنا وأجدادنا ولم نعد نراها إلا قليلا في مدننا هذه الأيام ، تمتم الرجل بكلمات وهو يحاول إخراج (الكروة) ، وبعد لحظات أعاد الكلمات نفسها لكني استطعت فهمها هذه المرة ولكني بحاجة إلى تأكيدها وبالفعل أعادها للمرة الثالثة وتم تثبيتها لدينا إذ كانت (كبر طمكم ).
وعند كل وقوف للسيارة وانطلاقتها يتمتم بهذا الورد بشفهه المنهكة ، حاولت استنفار شجاعتي بعد حماسة قوية من فضولي للتدخل معه في حديث لعلي افهم ماذا تعني هذه الكلمات ولمن يرميها (صليا) بدون أغلق جهاز الأمان ، ولكن عبثا كل محاولاتي .
وقبل المحطة الأخيرة للسيارة نزل العم (أبو جراوية) وعند نزوله سمع جميع الركاب ورده اليومي (كبر طمكم)
هل هذه الكلمات موجه للركاب ام للسائق
أم هي لإفراد عائلته في البيت
وهل هي لعقود العمر السبعة التي نقشت على جبينه وشم المعاناة والاضطهاد التي تلقاها
لست عرافا أو منجما لكنني استطعت من مبدأ التخمين يمكن إن تكون بهذا المعنى (كبر طمه للوكت ) الذي رفع الوضيع وانزل الرفيع .


















