العمامة تترفع عن الكلام في السياسة – حسام الدين الانصاري

 

العمامة تترفع عن الكلام في السياسة – حسام الدين الانصاري

 

العمامة على رأس رجل الدين تاج مبجل وصفة من صفات الوقار والاتزان والتميز في نظر الناس، وصفة من صفات الورع والتقوى والوعظ الأخلاقي لإصلاح المجتمع عند ذات الشخص نفسه .. وبالتالي فإنه موضع ثقة عالية أمام المجتمع وأمام نفسه .

ومن هذا المنطلق فإنه صاحب رسالة كبيرة واسعة العطاء لكل ما فيه من خير في توجيه المجتمع نحو الأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة والإيثار والتضحية والسمو في التعامل والتسامح وإفشاء السلم ونشر مفاهيم المحبة والرضا والقناعة وحسن المعاملة وإشاعة الكرم والسخاء ومساعدة الفقير والمسكين والمحتاج وحب الوطن والإخلاص في العمل واحترام الصغير والكبير ورعاية المرأة وحقوقها وتقديس المعلم والمربي وحرمة العائلة والجار والصديق ، وكل ما يتصل بالتعامل مع مفردات الحياة اليومية من أجل بناء مجتمع أفضل ، ونشر مبادئ الدين القيّم مع الناس على مختلف أديانهم وطوائفهم وعقائدهم وأجناسهم .

وبذلك يكون رجل الدين قد أدى رسالته جديراً بوضع العمامة على رأسه ما دامت تمثل صفة من صفات التراث والإرث الديني وتستمد قدسيتها من الاقتداء بالرجال العظام الذين تشرفت العمامة في أن تكون على هاماتهم .

ومن أجل أن يصون رجل الدين شرف العمامة ونقاء الرسالة التي يحملها فقد وجب عليه أن ينأى بنفسه عن هوامش الحياة التي تصدعت بمظاهر السلوكيات الزائفة التي تعيشها المجتمعات اليوم بكل ما تنطوي عليه من الأكاذيب والأنانية والنفاق والرياء والتآمر والمكر والجشع والخبث وسوء الخلق وقلة الحياء وشيوع الجهل وقلة الوعي وانعدام المفهومية وتقمص الشخصيات الكاذبة والاحتيال والتزوير والتزييف وخيانة الأمانة والتجاوز على حقوق الناس والمال العام والنزول الى الدرك الأسفل في الركون الى أصحاب النفوذ والإذلال الى درجة عبادة الفرد الذي يشتري الذمم بالمال والمصالح.

ولا بد من القول بأنه من المؤسف أن الكثير من هذه الصفات وغيرها من السلوكيات الوضيعة والرخيصة أصبحت من العناصر التي تنطوي عليها مفاهيم وسلوكيات السياسة التي تضم قواميسها وأسفارها ومذكرات حكّامها وفلاسفة عصورها ومحللي أحداثها وكتّاب سيَر رموزها آلاف وآلاف القصص والوقائع والمواقف والأفعال الشائنة والمدمّرة التي انغمس فيها رجالاتها تحدوهم الأطماع وحب الهيمنة وشهوة المال وسادية العنف وجنون العظمة ومركبات النقص وعقد الطفولة القاسية والضياع الذي عانوا منه ليتحول الى سلوكيات تسربت نحو مسارات السياسة والعمل السياسي الذي لا يستقيم إلا بالأساليب التي تضمن الفوز والوصول الى الهدف بكل الطرق والوسائل التي وضع فلسفتها عتاة الابتذال السياسي ، والتي تجد تفسيرها في الفلسفة الميكافيللية التي تبيح كل المحظورات في العمل السياسي وتجمع كل ما فيها من معان سيئة في عبارة (الغاية تبرر الوسيلة) وعندئذٍ فإن السياسة تكون هي الميدان الذي يهتم به من يرتضي العمل فيه ممن امتهن العمل السياسي ويعرف خفاياه وكيفية التعامل مع نظرائه في هذا الوسط المحفوف بالمخاطر البدنية والمعنوية والنفسية والأساليب الملتوية التي لا يقوى رجل الدين الحقيقي في خوض غمارها المشبوه الذي يتعارض مع قيمه ، وينأى بنفسه عن هذا المعترك الذي كل شيء فيه مباح .