العرش يهتز بسببكم – حسام الدين الانصاري

 

العرش يهتز بسببكم –   حسام الدين الانصاري

 

عدالة الأرض اعوجت ، والمبادئ أصبحت هشّة ، والقيم لم تعد لها قيمة ، والشرف أصبح يكتب على الورق وحسب ، والشجاعة لا تقوى في مواجهة الجُبن والخسّة والضمائر الميّتة ، والنخوة ضاعت في خضمّ خلافات العشائر المتصارعة بالأسلحة المتوسطة والثقيلة ، والأمانة اختفت حينما غرقت أمانة بغداد في أوحال الأمطار ، وشباب ما بعد 2003 لا يملك قدوة حسنة يتبعها وأصبحوا يرمون قنينة الماء البلاستيكية وسط الشارع ، والجار يتخلص من زبالته حتى ولو قريباً من دار جاره ، ولفّة الفلافل التي كانت تُشبع الكادح والفقير أصبحت بأربعة أضعاف سعرها ، وفطاحل السياسة والإدارة والاقتصاد والمحللين الاستراتيجيين الذين لا يحرّمون المحرّمات ، ولا يبخلون بعلومهم وخبراتهم على الناس ويظهرون في الفضائيات بمناسبة وبدون مناسبة بأحاديث فوق مستوى البشر لا يفهمها إلاّ المارد الذي يخرج من القمقم ، وشهادات الدكتوراه التي انتشرت وتناولت كل جوانب الحياة حتى وصلت الى فلسفة البكاء في تقشير البصل ، وأصبح من البطولة أن يُضرب المعلم ويعتبر معتدياً على الطالب الذي يغش ويسحب دفتره الامتحاني ، وسيارات الصفيح السائبة التي حولت الشارع الى اللون الأصفر ، وشرطي المرور الذي تعب من مافيات الشارع فأهمل دفتر ملاحظاته الذي لم تعد صفحاته تتسع لعدد المخالفات والخشية من زعل آباء المراهقين الذين يسوقون سيارات ذويهم . وكثير كثير كثير ، غير ذلك من إنجازات مخلفات الاحتلال الذي لم يترك شيئاً نظيفاً ، وخلّف وراءه بطريقة خبيثة من يتعرض للانتقاد والسب والشتم بدلاً عنهم ، بل وان الناس وقد طفح الكيل فيهم امتثلوا لقول الله سبحانه في كتابه العزيز ( وقال ربكم ادعوني استجب لكم – سورة غافر / الآية 60) فأخذوا يمسون ويصبحون بالدعاء على الفاسدين ، وسرّاق المال العام ، والمتلاعبين بقوت الشعب ، والمتجاوزين على ممتلكات الدولة ، والذين تربعوا على وظائف لا يستحقونها بشهادات مزوّرة ، وعلى الذين أساءوا الى قيم السماء ، والمترفين الذين يستفزون الناس بالمظاهر التي غنموها في الحواسم الصغيرة والكبيرة ، وأنشأوا طبقة اجتماعية جديدة في عالم الاقتصاد هي (برجوازية المحرومين والجياع ) .

وعندئذٍ لم يعد أمام الناس إلاّ طلب رحمة الله سبحانه في رفع الضرّ والحيف والظلم عنهم فيتوجهون بالدعاء الى الله سبحانه (وإذا مسّ الانسان ضرٌ دعانا – سورة الزمر / الآية 8).

وبمنتهى الصلافة يتبارى المراؤون لإطلاق الخطب الرنانة عن مكافحة الفساد ورفضهم لما يجري في البلاد يخادعون الله والشعب بنزاهتهم وتعففهم ، ولكن ذلك لم يعد ينطلي على أحد (ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون –  سورة البقرة / الآية 12).

ولمّا وَضُحَ كل شيء وأصبح الفساد من عزم الأمور ولم يعد الناس يأملون في تحسن الأوضاع التي تتدهور يوماَ بعد يوم أو الإصلاح الذي يكثر الحديث عنه بلا فعل أو فاعل ، وضياع الأمل الذي مات في النفوس عبر أربعة عشر عاماً ، وهي أقل من المدة التي نهضت بها اليابان من دولة محطّمة مضروبة بالقنابل الذريّة الى عملاق تصدّر ركب الحضارة واحتلت موقعها كدولة صناعية من الدرجة الأولى … وأمام هذا الواقع لم يبق إلاّ أن تتجه ملايين الأيدي نحو السماء تدعو القدير قاصم ظهور الجبّارين أن ينزل غضبه بالفاسدين والظالمين ، واثقين بالإرادة الإلهية في انزال العقاب لمن يستحقه استجابة للدعاء الذي يخجل خالق السماوات والأرض من إرجاء العقاب لدعاء عباده الى الوقت الذي لا يعرفه سواه ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعٍ إذا دعاني – سورة البقرة / الآية 186).

واذا ما امتد الظلم وأمعن الظالم وتحدى إرادة الله سبحانه في ظلم عباده الذين خلقهم من روحه ، فإن الحديث القدسي يذكر بأن عرش السماء يهتز من كثرة الدعاء على الظالم، وإن العقاب ينزل بمشيئة الله وحكمته وأوانه ، فحذار من دعوة المظلوم ( والله يمهل ولا يهمل ) ولو بعد حين ليزيد الظالم من ظلمه فيفقد فرصة التوبة والرحمة والمغفرة .

            وقد يتبادر الى عقول الحاشية التي تمسح على أكتاف الظالمين ويسكتون عما يرونه من ظلم وفساد من أنهم ناجون من العذاب ، فهم واهمون وأن جهنم بانتظارهم مع أربابهم (ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون – سورة هود / الآية 113).