
العراق بين أفول الأيديولوجيا وصعود الإقتصاد – مجاشع التميمي
من الخطأ الاعتقاد أن الفكر الأيديولوجي انتهى أو تراجع بالكامل. فما تزال هذه التيارات حاضرة وتمتلك جمهورا ونفوذًا وأدوات قوة داخل الدولة والمجتمع. لكن الواقع الجديد بدأ يوجّه لها ضربات متتالية ويُحدث فيها تصدعات واضحة، لأن المزاج الشعبي تغير، ولأن متطلبات الحياة أصبحت أقوى من الشعارات.
الجيل العراقي الجديد لم يعد منشغلا كثيرا بالخطابات العقائدية بقدر انشغاله بفرص العمل والرواتب والسكن والاستقرار والخدمات. فالأيديولوجيا، مهما كانت قوتها، لا تستطيع وحدها إطعام الناس أو بناء اقتصاد أو توفير وظائف لملايين الشباب العاطلين. وهذه الحقيقة بدأت تفرض نفسها حتى على القوى السياسية التي اعتاشت طويلًا على الانقسام والهويات الفرعية.
العراق أيضا لم يعد يعيش بمعزل عن التحولات الإقليمية. فالكثير من الدول التي عُرفت بخطاباتها العقائدية أو الدينية انتقلت عمليا إلى مرحلة الدولة الاقتصادية. المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، التي قُدّمت لعقود باعتبارها مركزًا للتيار الديني المحافظ، تحولت اليوم إلى واحدة من أكبر الورش الاقتصادية والاستثمارية في الشرق الأوسط. وأصبحت الرياض مركزا إقليميا للشركات العالمية، فيما بات الحديث يدور حول السياحة والتكنولوجيا والمشاريع العملاقة أكثر من الصراع الأيديولوجي التقليدي.
دلالة سياسية
ولعل من أكثر الأمثلة دلالة على هذا التحول أن «أمين الناصر»، المنحدر من منطقة القطيف (الشيعية) ، يقود اليوم شركة أرامكو، إحدى أكبر شركات الطاقة في العالم. ويحمل هذا المشهد دلالة سياسية واجتماعية مهمة؛ فالدولة التي عُرفت سابقا بحدة الخطاب المذهبي باتت تُقدم الكفاءة الاقتصادية والمصالح الاستراتيجية على الانقسامات الطائفية التقليدية.
وينطبق الأمر ذاته على قطر التي بنت نفوذها عبر الغاز والصناعات البتروكيمياوية، وكذلك الإمارات العربية المتحدة التي ركزت على الصناعة والطاقة والاستثمار والموانئ والتكنولوجيا حتى أصبحت مركزا ماليا وتجاريا عالميا. هذه الدول لم تُلغِ هويتها بالكامل، لكنها أعادت ترتيب أولوياتها، فجعلت الاقتصاد محور القوة والنفوذ بدل تحويل الأيديولوجيا إلى مشروع صدام دائم.
أما العراق، فهو يقف اليوم أمام السؤال ذاته: هل يبقى أسير صراعات الهوية، أم ينتقل تدريجيا إلى دولة تبحث عن موقعها الاقتصادي في المنطقة؟ المؤشرات الحالية توحي بأن هذا التحول بدأ بالفعل، خصوصًا مع تصاعد الخطاب الاقتصادي داخل مؤسسات الدولة منذ حكومة محمد شياع السوداني، واستمراره مع الحكومة الحالية، لكنه ما يزال بطيئا ومتعرجا، لأن البنية السياسية التقليدية لم تسقط بعد، بل تحاول التكيّف مع المرحلة الجديدة للحفاظ على نفوذها.لذلك، فإن ما يجري اليوم ليس نهاية للأيديولوجيا، بل بداية تراجع نسبي لها أمام ضغط الواقع الاقتصادي ومتطلبات المجتمع الجديد.























