الصمت في الفن والأدب

الصمت في الفن والأدب

صلاح الدين خليل

الصمت الذي يسبق الموضوع في الرواية لا نستطيع ان نقول انه بداية الموضوع او الرواية حقا منذ اللحظة التي يقول فيها الكاتب (حدث هذا قبل حوالي اكثر من …. الخ) وتنتهي في اخر كلمة في الخاتمة … اننا بهذا كمن يستطيع ان يقول ان (رامبرانت) هو ليس الا صورة النصفية كما لانستطيع ان نكون احادي الجانب فنقول مثل هذا ، يحدث فقط بينما كان الزمان متجمدا في الانحاء الاخرى من الدنيا وكأنما لم يكن اثناء سرد هذه القصة احداث لقصص ووقائع اخرى تقع هنا وهناك .. ان مانجده في الفن والادب هو تجميد للزمن او اختزال للكثير من التفاصيل فاننا لانستطيع ان نصف كل الاحداث اليومية العابرة للبطل او خلفيتهم لان هذا مستحيل اننا نقتطع اجزاء نختارها نحن نعتبرها هامة وقد نستطيع القول انها هي التي تختارنا … فنحن في مثل لمح البصر ننتقل في لحظة راهنة الى مابعد شهر او سنة او عقد من الزمن . ماذا كان يفعل البطل خلال هذه المدة هل كف عن ان يفعل اشياء قد تصلح للكتابة ؟ او ان الاحداث لديه بلغت حدا من العادية والتكرار انها لم تستحق الكتابة عنها .. ولماذا اخترنا هذا البطل بالذات ..

قد يأتي اديب اخر فيختار هذه اللحظات التي اهملناها من حياة البطل وينفي كل الصراعات الاخرى التي اعتبرها اخر عامة كما يأتي رسام ليرسم شجرة في الربيع ويرسمها اخر في الخريف وقد تساقطت اوراقها كما رسم (الجريكو) غرق المادوزا في لحظات معينة .. اللحظة التي كان احد ركابها يحمل راية استنجاد بيضاء يلوح بها في الافق لسفينة ظهرت في الافق البعيد … ان هؤلاء لم يوجدوا بغته من العدم فوق اللوحة ان لهم حياة سابقة ولحظات لاحقة محفوفة بالمخاطر والامال والاحباطات … كذلك القصة التي تتألف من عشر صفحات هي لم تبدأ في الحقيقة من اول كلمة قالها الكاتب انما قد بدأت قبل هذا بكثير الا اننا قد وضعنا الضوء على مكان معين سرنا فيه فيما بعد او كما يقول سارتر عن لوحة لفان كوخ (اننا نتبع ذلك الدرب الاحمر الذي يغوص بين سنابل القمح ، الى ابعد مما صوره فان كوخ ، نتبعه بين حقول قمح اخرى ، وتحت غيوم اخرى، الى نهر يصيب في البحر ، ونمد الى ما لانهاية ، حتى طرف العالم الاخر ، الارض العميقة التي تدعم وجود الحقول والغابة بحيث يكون الفعل الخلاق هادفا ، من خلال المواضيع المعدودة التي يتجزء او يعيد انتاجها ، الى اعادة استيلاء كلي على العالم .

تأمل الفواصل والفراغات بين الفصول انها ليست الا محطات استراحة للكاتب والقارئ ونأمل وروابط انها فواصل مشحونة كالابعاد التي يضعها الفنان بين الاشياء والاشخاص ليعطي ايقاعا معينا .

يقول سارتر (ان الوقفة في الموسيقى ، تتلقى معناها من مجموعة العلامات الموسيقى التي تحيط بها ان هذا الصمت هو لحظة من لحظات اللغة ، فالسكون لايعني ان تكون اخرس ، بل يعني انك ترفض التكلم…) .

اننا لايمكن ان نتصور ان الاشخاص قد تجمدوا عن عمل أي شيء في الفترة مابين الفصول هذا متروك للقارئ وفي نفس الوقت اننا لانستطيع ان نسيء الاشخاص الثانويين الذين يمر بهم البطل مرورا عابرا وكأنهم اغراض هم ايضا لهم حياتهم الخاصة … بهذه النظرة الكلية يمكن ان نكتب الرواية بطريقة افضل .

وعن الصمت يقول سارتر (ان الصمت الذي ينتجه القارئ هو موضوع . وداخل هذا الموضوع بالذات توجد ايضا صموت وهي ما لا يقوله المؤلف) .

لست ابالغ اذا قلت ان الفترة التي يترك القارئ فيها الكتاب ليرتاح يوما او اياما هي فترة ليست مستقطعة بل ان شخوص القصة انفسهم يعيشون وينامون في ذهن القارئ بشكل او اخر وعلى نوع مبهم في الحدود الاحتمالية لهم وفي الحدود الاحتمالية لعقل القارئ الذي ساهم في توجيهه المؤلف .

{  ملاحظة : ماذا تعني القراءة الثالثة او السماع الخامس لقصة او قطعة موسيقية .

{ كيف يكون الوصف الكلاسيكي للاشياء صادقا ؟ هل يحدث مثل هذا لنا في الحياة اليومية ؟ كيف يستطيع شخص في قصة يسير في شارع ان يصف الزخارف التي يمر بها وصفا دقيقا (اللهم) الا اذا كان هذا الوصف هو من ملاحظات الكاتب نفسه واعتقد بان الوصف الانطباعي يكون اصدق في الحالات العابرة وهو اقرب الى روحية العصر اما الوصف الدقيق فيكون في الحالات المتأملة وقد يعتبر هذا فارقا بين الشخصية القديمة المتأملة والشخصية الحديثة اللامبالية المتعجلة .

{ التطلع الى الفن هو الرغبة في الخروج من الانا للاندماج في الاخر هو الرغبة في تبديد وحشة الانا بالاندماج في الاخر فعندما يشعر الانسان بالملل من طول التصاقه بنفسه فانه يكره هذه الانا ويفرغها من شحنتها لذلك يحاول ان يمتلئ ثانية بالاخر … اما قدرة الفنان على دمج الاخرين فيه فهو انه اعطى صورة قوية للنرجسية بحيث يجد المشاهد فيها تخلصا من نرجسيته هو حيث يندمج فيها نتيجة الشعور بالاعجاب الذي يحوز عليه العمل الفني ويخرج المشاهد من قوقعة الذاتية ، لان احد الاسباب التي تجعل الكاتب يبدع هي الخروج من نرجسية الانا … الخروج منها بشيء مستقل عنها يجعل المبدع نفسه ينتقل من الاعجاب بنفسه الى الاعجاب بما يخلفه وهذا يخرجه موقتا من نرجسيته ويخلصا .

{ بالنسبة للموسيقى لانتطلب اوليات لدى الانسان المستمع كما في فنون اخرى كما ان (الموسيقى) تجعل الانسان اكثر سلبية لبعض الفنون المرئية لانها لاتتطلب منه اكثر من الاستسلام بالسماع .

الشخصية المحضة في الادب :

الشخصية المحضة لا وجود لها فالانسان مركب من عدة صفات منها الجيد ومنها الرديء الا ان صفة او اثنتين تغلبان عليه فتعطيانه صيغة معينة يمتاز بها.. صفات سلبية كانت ام ايجابية فليس هناك انسان شرير مئة في المئة او انسان عاطفي مخلوق للحب فقط مئة في المئة او انسان جشع مخلوق للجشع مئة في المئة او الانسان المنتقم مئة في المئة …

ماذا كان يصنع كل من الكونت دي مونت كريستو او شابلوك او رميو او دون جواب وغيرهم في غير اوقات ظهورهم امامنا في الرواية او في اوقات الاستراحة مابين الفصول ؟! هل كانت حياتهم امتدادا لافكار الكاتب ؟ الم تكن لهم ميول اخرى كسائر البشر ؟! هل كان روميو شخصا حبيبا وحسب ام ان دون جوان لم تكن له هموم يومية تافهة اخرى غير الايقاع بالفتيات الم يمر على هملت يوم واحد نسي فيه فكرة الانتقام اللهم الا اذا كانت هذه فكرة تسلطية.. ان الشخصية احادية الجانب لاتمثل كل حقيقة الشخصية لذلك لايجب ان يفكر الاديب بعقلية تركيبة .. لايجب ان توجد الشخصيات المتباينة في العقبة كما في بعض اللوحات التي تمثل (الكونتراست) في اللون كي تبرز الالوان المتغايرة بعضها بعضا بل يجب ان تظهر الخلفية للناس الثانويين ويجب ان تكون بين الصفات الشخصية للابطال نوعا من الهارمونية رغم تغايرها في بعض الصفات هذا الهارموني الذي تمتع به اللوحات او السيمفونيات … كما يجب التخفيف من اللحظات الحارة والارتفاع بمستوى الاحداث التافهة مع الابقاء على اهمية بعض الاحداث التي تمثل تصاعدا دراميا معينا .