الشخصية العراقية حديثاً – مصطفى كاطع

الشخصية العراقية حديثاً – مصطفى كاطع

لا يخفى علينا أن حكم صدام استمر أكثر من ثلاثين سنة وكل هذه السنين كان لها أثر بالغ بزراعة صدام بداخل كل شخص عراقي فأنت ترى الكثير منا يحمل بشكل أو بآخر صدامية خاصة به يتعامل بها مع شريكه في الوطن ، وفي هذه السطور سأستعرض بشكل موجز أهم التأثيرات الي طرأت على الشخصية العراقية آبان حكم صدام وما لها من دور سلبي بزعزته العلاقات الإجتماعية.

-العسكرية وآثارها: ما من أحد من آبائنا أو أقاربنا -في الأغلب- تترواح موالديهم العمرية من الأربعينات إلى السبعينات لم يخدم في العسكرية أو ما يسمى (خدمة العلم) و الذين تم إدخالهم في حروب طاحنة لا فائدة منها بل مضرة كبرى أودت بحياة الكثير منهم ودمرت حياة الأبعاض الأخرى وكلامي سيكون بخصوص هؤلاء الأبعاض الذين بقوا إلى وقتنا الحالي وكان لهم دور مهم في إخلال المجتمع وانتشار الكثير من المشكلات الإجتماعية فيه -ليس جميعهم حتى نكون منصفين- فهؤلاء بدل أن يطالبوا بأنظمة تعليمية مناسبة لأبنائهم ومناهج تربوية تسهم في تقويم أطفالهم، يقومون بترديد الجملة المشهورة على أسماعهم (أخ لو صدام موجود كان سواكم زلم) (حرامات عسكرية ماكو كان سوتكم زلم) فيخلقون بذلك عقدة نفسية داخل أبنائهم مما يؤدي في الكثير من الأحيان الى صناعة ما يطلق عليه في علم النفس (الشخصية السيكوباثية) وهي شخصية مضادة للمجتمع ليست لها قدرة في التكيف إجتماعيا لما يوجد في داخلها من عقد نفسية، فكم سيكوباثيا موجود حاليا ياترى! وتراهم يتبجحون بتاريخهم الحافل بالبطولات و المغامرات وهنا قد يسأل سائل إذا كانت هذه بطولاتهم فلماذا لم يستطيعوا أن يزيحوا صدام من كرسيه لأكثر من ثلاثين سنة؟ والمشكلة أنهم مستمرون ومصرون وبشدة على تحطيم هذا الجيل وزرع كل ما كان شائنا في زمن الطاغية وتربية الأبناء عليه حتى يصيروا نسخا طبق الأصل من آبائهم!

-الحصار وآثاره: الحصار آبان التسعيتات هي أسوأ فترة مر بها العراقيون وخصوصا الأجيال المذكورة سلفا، فهم قد كابدوا وعانوا ما عانوا من حصد لقمة العيش وصعوبة في المحافظة والتربية والعمل.. الخ من المعاناة.

اصحاب شهادات

في الوقت الحديث تغيرت الوضعية المادية لكثير من هؤلاء وخاصة أصحاب الشهادات لما منحته الدولة لهم من فرص توظيفية بعد السقوط فأدى ذلك إلى تحسن وضعهم المادي ولكن آثار هذا الحصار بقيت تلازمهم فترى الكثير منهم بخلاء حتى لو كانوا يملكون المال الوافر، وهم يريدون أن يزرعوا عقدة الحصار في آبناءهم فتراهم يعيرون آبناءهم بأنهم في التسعينات كانوا يعملون ويدرسون وأن أبناءهم الأن مرفهون ولا يكابدون ألم جني المعيشة! فترى هذا المسكين يفكر كيف يجد عملا مع دراسته حتى يرضي او يصبح مثل أبيه البطل! وترى بعضهم قد يتركون الدراسة بسبب هذه العقدة.

-قتل العلماء والمواهب: هاجر الكثيرون من العلماء وأصحاب المواهب التي قد تخدم البلد لو بقيت به وقتل الكثير منهم على أيدي البعثيين لأنهم عارضوا وقاوموا الحزب الحاكم! هذه الظاهرة منتشرة في وقتنا الحالي ولكن ليس من جانب الحكومة فقط، فتجد الشاب أو الشابة أصحاب المواهب والإمكانات العلمية إما يسخر منهم أو يتركوهم من دون دعم والحمدلله على نعمة مواقع التواصل الإجتماعي لأنها المتنفس الوحيد لهؤلاء المبدعين!

-العشائرية: الحكم العشائري الذي حكم به صدام يعود اليوم بحلته الجديدة وبشكل أقبح وأعنف مما سبق، وما هذه النزاعات العشائرية التي نراها اليوم إلا نتيجة لما أرسى دعائمه هو أيام حكمه، فترى أبناء العشيرة الواحدة يدافعون عن إبنهم العاق حتى لو كان هو المعتدي ويتنازعون ويقتلون لأجله رغم أنه باطل! وكأنهم نسوا المبدئ القرآني الذي يقول (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فهذه العصبية القومية العشائرية التي كان يتحلى بهت صدام وبعثيووه هي نفسها الموجودة عند الكثير من العشائر الأن.

-إختلاط العصبية بالدين والآراء: ذكرنا آنفا أن صدام كان يقتل من يعارضه أو يخالفه بالآراء الحزبية، وهذه العصبية منشترة وبشكل واسع اليوم ، فترى من يخالفك بالرأي يوصلك إلى مرحلة التهجم والسباب ولا أعلم أين من كان ينادي (الإختلاف بالرأي لا يفسد باللود قضية)! وأما ما يخص الدين فإن الخلافات المذهبية التي أشاعها الكثير من رجال الدين اختلطت بتلك العصبية فأنتجت لنا فجوة واسعة بين الطوائف فأدى ذلك الى ظهور ظاهرة عدم تقبل الآخر بدينه أو معتقده أو مذهبه بين الناس لا بل أن كثيرا ممن أحبوا بعضهم انفصلوا بسبب اختلاف مذاهبهم! ، وهذا بدوره سبب نفورا بينهم ونفورا من الدين نفسه! ولا أدري أين ذهب هؤلاء من قول الإمام علي عند توصيته مالك الأشتر بعدم إيذاء الناس (لأنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق).

-وضع الإمام علي لنا طريقا ومنهجا نسير عليه عند قوله:(لا تربوا أولادكم على أخلاقكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم) وهذه دعوة لأصحاب الأعمار التي سبقت هذا الجيل بأن يعملوا بهذه النظرية الإجتماعية التي تكلم بها الإمام علي ع فالوقت تغير والزمن يتطور ولا شيء يبقى على حاله كما هو.

علاقة زمن

كثيرة هي الظواهر التي لها علاقة بزمن ما قبل السقوط ونحتاج إلى تشخصيها بشكل أدق ومعالجتها بطريقة مناسبة لنغير من واقع مجتمعنا.نحتاج اليوم طرحا للأخلاق أكثر من اي وقت مضى وعلى النخبة من مثقفين وعلماء دين وشعراء أن يهتموا بالطرح الأخلاقي أكثر من غيـره وما انتــــشار الظواهر الشائنة اليوم إلا بسبب قلة الطرح الأخلاقي، فمجــــــتمعنا مجتمع قادة وليس مجتمع فكر فهم يصغون وقد يقدسون في كثير من الأحيان ما يسمعون ممن هو اعلى منهم درجة علمية أو إجتماعية ، فعلى هؤلاء أن يهتموا بهذا الطرح لما له من أهمية بتوعية المجتمع والتـــــعايش السلمي بين أبنائه.