الشاعرة التونسية فوزية العكرمي: أجمل الشعر ما يطبخ على نار هادئة
عزيز البزوني
فوزية العكرمي شاعرة تونسية،أستاذة أولى متميزة بالتعليم الثانوي-عضوة اتحاد الكتاب التونسيين ، رئيسة جمعية “فنون وثقافة ، ممثلة للعديد من الجمعيات التونسية والعربية، شاركت في العديد من الملتقيات والمهرجانات الوطنية والعربية – كتبت بشأن تجربتها الشعرية مقالات ودراسات عديدة ومن أبرزها كتاب” ظل حلم” للدكتور الإيراني جمال نصاري – من مؤلفاتها :وجوه أخرى للشجن(تونس2005)- ذات زمن خجول(تونس2011) -كان القمر لي (لندن 2014)لها تحت الطبع – مجموعة شعرية بعنوان (مصابة بعقدة الياسمين) ومجموعة قصصية بعنوان (هبوط اضطراري)، التقينا بها فكان هذا الحوار معها.
{ يقال بإن المدونة الحقوقية التونسية متطورة نسبيا زمن إحداثها. لكنها اليوم تواجه تحديات كبرى أمام متطلبات اللحظة التاريخية الراهنة ووضع المرأة وعقلها الذي ما فتئ يطلب استحقاقات جديدة في مسائل متعددة كقضية الميراث مثلا
-من وجهة نظري أعتبر أنّ المسألة الرئيسية المتعلقة بقضية المرأة لا تتعلق بالمنظومة القانونية في حد ذاتها فهي منظومة تساوي بين المرأة والرجل في شتى مجالات الحياة تقريبا في التعليم والعمل والثقافة….. الخ لأنّ المرأة في تونس قد قطعت أشواطا كبيرة في سبيل تحرّرها ….وإنما المسألة تتعلق بتفعيل تلك القوانين وتطوير العقلية الاجتماعية العامة لتخرج من سلطة الهيمنة الذكورية الى اعتبار المرأة كائنا اجتماعيا مثلها مثل الرجل .أمّا عن مسألة الميراث فهي مرتبطة أساسا برواسب العقلية الاقطاعية التي لا تتماشى مع مقتضيات الواقع الراهن والذي تجاوزت فيه المرأة وضعية الحُرمة التي هي في كفالة الرجل من خلال تحررها الاقتصادي والمادي مما يستوجب اعادة النظر في هذه المسألة وفقا لهذه الاعتبارات الجديدة.ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تظلّ المرأة اليوم حبيسة النظرة الدونية وهي التي أثبتت جدارتها وتفوقها في كلّ المهام التي وكلت إليها
{ أن المبدع الحقيقي لا يصنعه الفضاء الأزرق( الفيسبوك) أو حضوره الاعلامي المكثف بقدر ما يصنعه نصّه الابداعي ومدى فرادته وعمقه وجِدّته
-الفيسبوك هو بالأساس فضاء للتواصل والتعبير عن الذات ولا يعني بالضرورة أنّ الأصدقاء الذين نخاطبهم هم أهل تخصّص في مجال الأدب والنقد ولا نتوقع من أصدقائنا في شبكة العلاقات الاجتماعية أن يتصرفوا معنا تصرّف اهل الاختصاص هذا لا يمنع أن الفيسبوك قد يتيح فرصا للتواصل والاشعاع و قد يساهم في انتشار الأديب أو الفنان عربيا وعالميا لأنّه اتّضح في كثير من المناسبات أنّ هنالك أصواتا لها رونقها وميزتها خاصة في مجال الشعر وجدت الحظوة التي تبحث عنها في هذا الفضاء الأزرق الذي عرّف بتجربتها وخصائصها فترجمت القصائد إلى لغات عديدة مثلت نافذة حقيقية للتواصل مع المتلقي في شتّى أنحاء العالم بالنسبة لي لا أنكر فضل الفيسبوك في تقديمي كأحسن ما يكون للقارئ العربي فأوّل رحلاتي خارج البلاد تلقيت دعوتها هنا اضافة الى تدريس بعض قصائدي ودراسة خصائص تجربتي من طرف أكادميين وباحثين.ولكن بالمقابل لا يمكن الاستغناء عن النقد المختص كوسيلة لتقييم الأدب وترقية الأديب الى المكانة التي تليق به .
{ هل يمكن الحديث اليوم عن وجود حركة نقدية جادة وجدّية لتضطلع بدور غربال للفرز بين الجيد والرديء، ويدرّب ذاته الناقدة على الابتعاد عن المجاملة التي قد تضرّ بالابداع أكثر مما تنفعه. ولكن هل يحدث هذا دائما ؟
-من المفارقات التي تلفت الانتباه اليوم أنّ الفكر الحديث هو فكر نقدي بالأساس ومع ذلك فإنّه لا يمارس سلطته إلا نادرا في مجال الثقافة والفن والأدب وغالبا ما يتخذ الخطاب النقدي شكل الاجتهاد الفردي الذي يعبر عن اراء ذاتية لا تنتظم وفق مدونة نظرية نقدية عامة فتحرير الأدب والفنّ من قيد النموذج والهيكل النظري الذي يجب احترامه كشرط يحدد الهوية الفنية والأدبية صاحبه تحرّر للحركة النقدية كذلك من المفاهيم والتصورات والقوالب الجاهزة فلو نظرنا في تاريخ نقد الشعر لأدركنا أنّه تطوّر من مفهومه المدرسي ومن القيود التي فرضها النقاد القدامى وتطوّر وفق تطوّر العلوم الانسانية وتفرّع بعدد تفريعاتها فأصبحت المداخل النقدية إمّا اجتماعية أو نفسية أو لسانية أو أسلوبية أو غير ذلك ويبدو أنّ هيمنة الفكر الإيديولوجي على الساحة الثقافية والفنية قد أثّر على توجهات النقاد حتى صار ذلك النقد أشبه بالمحاكمة ذات البعد السياسي فن تقدمي /فن رجعي ومن المظاهر اللافتة كذلك أن يتحوّل النقد إمّا إلى خطاب عداء وتحامل على اهل الأدب أو مجرّد مجاملة ودعاية رخيصة لا تهتمّ بجودة الأدب قدر اهتمامها بما يجمعها من علاقات شخصية مع الأدباء
{ قصيدة النثر تشهد زخماً كبيراً أثّر في الذائقة الشعرية الجماعية وأدهشها أمام قدرتها على التجدد والانفتاح الدائم على باقي الفنون وعلى العالم.
-فعلا قصيدة النثر رغم ما تواجهه من هجمات شرسة من طرف أنصار الشعر العمودي ظلّت صامدة مستمدّة قوتها من تجدّدها وقدرتها على التعبير عن مشاغل العصر وهموم الفرد بلغة قريبة من الواقع …لغة حيّة لها طاقة كبيرة على التغلغل في أعماق النفس وإثارتها لذلك هي اليوم مهدّدة ممّن يرفضون التجديد شكلا ومضمونا .قصيدة النثر ليست قصيدة سهلة مطواعة وإنما هي عصيّة على الأدعياء المتهافتين .لها ضوابطها وأسسها وشروطها وايقاعها خاصة الداخلي وتفترض كأيّ شكل تعبيري إلمام أصحابها بهذه الشروط .ولا أنكر أنّني أكتب القصيدة الخليلية وأدرّسها ايضا
{ لنتكلم عن مؤلفاتك الشعرية والقصصية من ناحية الفكرة وما الذي يختلف أحدهما عن الاخر وهل للعنوان الشعري اهمية لديك ؟
-أنا شاعرة بالأساس وتجربتي المتواضعة في الكتابة لها أكثر من ربع قرن ولي 4دواوين شعرية كتبت على مراحل مختلفة (وجوه أخرى للشجن2005/ذات زمن خجول 2011/كان القمر لي 2014/جدير بالحياة 2017) وأنا أعتبر مقلّة من حيث النشر لأنني أؤمن بأنّ أجمل الشعر يطبخ على نار هادئة وأن الكتابة مسؤولية ينبغي تحمّلها وتحمّل تبعاتها لذلك فكلّ ديوان عندي هو إعلان عن تحوّل ما في المضامين والأشكال أيضا فكل ديوان فيه اضافة طفيفة لتجربتي الشعرية .في ديواني الأوّل أدرجت القصائد التي كتبتها في مرحلة تعليمي العالي والتي عُرفت بها بين الشعراء آنذاك لقد كانت هذه المرحلة متذبذبة على جميع المستويات .مرحلة الشباب وما تقتضيه من ثورة وتمرّد على القوانين والواقع المحكوم سياسيا بقبضة من حديد وشكليا الجنس الأدبي الذي يستجيب لهذا فكانت وجهتي قصيدة النثر التي كانت وجهة جيلي آنذاك لما فيها من تشابه وتماثل مع حالة الثورة التي تسكننا أمّا ديواني الثاني “ذات زمن خجول “فقد كتبت قصائده إبان الثورة مباشرة الثورة التونسية التي فجّرت في الأنفس كل معاني الحياة المسلوبة وكان هذا الديوان انطلاقتي الحقيقية لأنني قبل هذه الفترة ابتعدت عن عالم الشعر والكتابة والظهور ابتعادا دام قرابة 15سنة ولكنني ظللت أكتب في صمت قصائد تخلّد لحظات الألم واليأس والاحباط.وفي 2014 ومن خلال ديواني “كان القمر لي “خضت تجربة النشر خارج حدود الوطن وتحديدا مع دار مومنت للنشر بلندن وأنا سعيدة بهذه التجربة التي منحت شعري أبعادا أخرى وجعلت قصائد عديدة منه تترجم إلى الفرنسية والأنكليزية والاسبانية والفارسية والكردية.وأخيرا ديواني الأخير “جدير بالحياة “الذي هو صدى لنفس توّاقة للحياة في ردّ صريح على أعداء الانسانية والارهاب الذي بات يهدّد الانسان ومكتسباته بغض النظر عن موطنه .
{ يعتقد أن الشّاعر، والمبدع في أي مجال، يقتصر دوره في الخلق والابداع فقط وهنا تنتهي مهمّته لتبدأ مهمّة المتلقّي
-إنّ عملية الخلق تستوجب ايضا الفعل في الواقع والتأثير في الآخر بشكل ايجابي .دور الفنّ بصفة عامة هو التغيير والتغيير المقصود تغيير في العقلية والسلوك ومحاربة العادات السلبية والدخيلة والتصدّي لغول الارهاب وآفات العصر.الابداع الحقيقي هو الذي نرى ثماره في الواقع فلا يظل المبدع في برجه العاجي يطل من فوق على هموم مجتمعه وإن ينخرط في عملية التوعية والتثقيف والنهوض بالآخـــر.
{ كلمة اخيرة قبل اسدال الستار
-ختاما أشكرك على أسئلتك المستفزة التي وجدت صداها العميق في نفسي وأقول :-
ولَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ
أَنَّكَ كُلّ الرِّجَالِ الذينَ عَرَفْتُ
لعدّلْتُ أَوْتَارَ عمري قَلِيلًا
لِيصبح عَزْفُكَ مُنْفَرِدًا
























