السينما‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬برلين‭..‬حضور‭ ‬عربي‭ ‬وآسيوي‭ ‬يكسر‭ ‬هيمنة‭ ‬أوربا

أفلام‭ ‬تعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لصوت‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬العالم‭ 

برلين‭ – ‬عصام‭ ‬الياسري

‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭)‬‭ ‬انطلق‭ ‬مهرجان‭ ‬برلين‭ ‬السينمائي‭ ‬بمجموعة‭ ‬متنوعة‭ ‬من‭ ‬الأفلام‭ ‬تعكس‭ ‬الاضطرابات‭ ‬الراهنة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ويرأس‭ ‬لجنة‭ ‬التحكيم‭ ‬فيه‭ ‬المخرج‭ ‬الألماني‭ ‬الشهير‭ ‬فيم‭ ‬فيندرز‭.‬

وقالت‭ ‬مديرة‭ ‬المهرجان‭ ‬تريشا‭ ‬تاتل‭ “‬من‭ ‬المهم‭ ‬جدا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬أن‭ ‬ندافع‭ ‬عن‭ ‬حريتنا‭ ‬الفنية‭” ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حال‭ ‬الاستقطاب‭ ‬وممارسات‭ ‬القمع‭.‬

أما‭ ‬وزير‭ ‬الثقافة‭ ‬الألماني‭ ‬فولفرام‭ ‬فايمر‭ ‬فرأى‭ ‬أنّ‭ ‬الدورة‭ ‬السادسة‭ ‬والسبعين‭ ‬للمهرجان‭ ‬ستكون‭ ‬بمثابة‭ ‬شهادة‭ ‬على‭ ‬أن‭ “‬السيناريوهات‭ ‬والكاميرات‭ ‬والشاشات‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬أدوات‭ ‬فنية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬أسلحة‭ ‬في‭ ‬النضال‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحرية‭ ‬والكرامة‭ ‬الإنسانية‭”.  ‬وعلى‭ ‬مدار‭ ‬عشرة‭ ‬أيام،‭ ‬تبدو‭ ‬برلين‭ ‬وكأنها‭ ‬تستعيد‭ ‬دورها‭ ‬التاريخي‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬كعاصمة‭ ‬للسينما،‭ ‬بل‭ ‬كمساحة‭ ‬مفتوحة‭ ‬للصراع‭ ‬الرمزي‭ ‬بين‭ ‬الصورة‭ ‬والواقع‭. ‬ففي‭ ‬عالم‭ ‬يتجه‭ ‬اليوم‭ ‬نحو‭ ‬تحولات‭ ‬الاستقطاب‭ ‬والانغلاق‭ ‬وتطبيع‭ ‬العنف،‭ ‬يعود‭ ‬مهرجان‭ ‬‮«‬برليناله‮»‬‭ ‬ليؤكد‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬مهرجانًا‭ ‬للحياد،‭ ‬بل‭ ‬منصة‭ ‬واعية‭ ‬ورؤى‭ ‬فنية‭ ‬وأسئلة‭ ‬كبرى‭ ‬تنحاز‭ ‬بوضوح‭ ‬إلى‭ ‬الإنسان‭ ‬حتى‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الانحياز‭ ‬مكلفًا،‭ ‬لتكون‭ ‬برلين‭ ‬محطة‭ ‬فنية‭ ‬وثقافية‭ ‬بارزة‭ ‬تجمع‭ ‬صنّاع‭ ‬السينما‭ ‬والنقاد‭ ‬وعشاق‭ ‬الفن‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭.‬

منذ‭ ‬نشأته‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬حمل‭ ‬المهرجان‭ ‬طابعًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬لا‭ ‬لبس‭ ‬فيه،‭ ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬العقود‭ ‬لم‭ ‬يتخلَّ‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬بل‭ ‬أعاد‭ ‬صياغته‭ ‬بلغة‭ ‬سينمائية‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬وعمقًا‭. ‬وتأتي‭ ‬دورة‭ ‬2026‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬‮«‬برليناله‮»‬‭ ‬ليست‭ ‬شعارًا‭ ‬بل‭ ‬بنية‭ ‬تفكير،‭ ‬وأن‭ ‬المهرجان‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يُعد‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الأحداث‭ ‬السينمائية‭ ‬العالمية،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬عدد‭ ‬العروض‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬لما‭ ‬يقدمه‭ ‬من‭ ‬منصة‭ ‬للنقاش‭ ‬والتأمل‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬الإنسان‭ ‬المعاصر‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدورة‭ ‬اختارت‭ ‬الإدارة‭ ‬برنامجًا‭ ‬يعكس‭ ‬همومًا‭ ‬إنسانية‭ ‬وسياسية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬السينما‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬فن‭ ‬للتسلية‭ ‬بل‭ ‬أداة‭ ‬لفهم‭ ‬التحولات‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬اليوم،‭ ‬أي‭ ‬مساحة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬البعد‭ ‬الفني‭ ‬والبعد‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭.‬

تنعقد‭ ‬دورة‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬عالم‭ ‬مضطرب‭: ‬حروب‭ ‬طويلة‭ ‬بلا‭ ‬أفق،‭ ‬صعود‭ ‬خطابات‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف،‭ ‬أزمة‭ ‬لاجئين‭ ‬متجددة،‭ ‬وتآكل‭ ‬مفاهيم‭ ‬العدالة‭ ‬والحرية‭. ‬هذه‭ ‬السياقات‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬أفلام‭ ‬‮«‬برليناله‮»‬‭ ‬بوصفها‭ ‬خلفية،‭ ‬بل‭ ‬كموضوع‭ ‬مركزي‭ ‬يتسلل‭ ‬إلى‭ ‬السرد‭ ‬والشخصيات‭ ‬وحتى‭ ‬إلى‭ ‬اختيارات‭ ‬الشكل‭ ‬والأسلوب‭. ‬السينما‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬ترفع‭ ‬لافتات‭ ‬مباشرة،‭ ‬لكنها‭ ‬تشتغل‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أعمق‭: ‬تفكيك‭ ‬بنية‭ ‬العنف،‭ ‬مساءلة‭ ‬السلطة،‭ ‬واستعادة‭ ‬صوت‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأنظمة‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭. ‬ولهذا‭ ‬تحديدًا‭ ‬يظل‭ ‬‮«‬برليناله‮»‬‭ ‬مهرجانًا‭ ‬‮«‬غير‭ ‬مريح‮»‬،‭ ‬لكنه‭ ‬ضروري،‭ ‬بل‭ ‬منصة‭ ‬للحوار‭ ‬الثقافي‭ ‬والفكري‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬السينما‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬عالمية‭ ‬مشتركة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬طرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬الصعبة‭ ‬ومساءلة‭ ‬الواقع‭ ‬وبناء‭ ‬جسور‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭. ‬يعرض‭ ‬المهرجان‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬276‭ ‬فيلمًا‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬35‭ ‬دولة،‭ ‬فيما‭ ‬تضم‭ ‬المسابقة‭ ‬الرسمية‭ ‬22‭ ‬فيلمًا‭ ‬تمثل‭ ‬نحو‭ ‬28‭ ‬دولة‭. ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬فقط‭ ‬حجم‭ ‬المشاركة،‭ ‬بل‭ ‬تكشف‭ ‬خيارًا‭ ‬واضحًا‭ ‬بفتح‭ ‬المنصة‭ ‬لأصوات‭ ‬متعددة،‭ ‬كثير‭ ‬منها‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬نزاع‭ ‬أو‭ ‬هامش‭ ‬ثقافي‭ ‬وسياسي‭.‬

وتشكل‭ ‬الإنتاجات‭ ‬المشتركة‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬نسبة‭ ‬لافتة،‭ ‬وكأن‭ ‬السينما‭ ‬نفسها‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬بديل‭ ‬لفكرة‭ ‬الحدود‭ ‬الصلبة‭ ‬التي‭ ‬يعاد‭ ‬تكريسها‭ ‬سياسيًا‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬وتشهد‭ ‬الدورة‭ ‬حضورًا‭ ‬قويًا‭ ‬للسينما‭ ‬الأوروبية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬من‭ ‬ألمانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬والنمسا‭ ‬وبولندا‭ ‬وإيرلندا،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الحضور‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مهيمنًا‭.‬

‭ ‬إلى‭ ‬جانبه‭ ‬تتقدم‭ ‬السينما‭ ‬الآسيوية‭ ‬من‭ ‬اليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬ونيبال‭ ‬وسينما‭ ‬الأميركيتين،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬حضور‭ ‬أفريقي‭ ‬وعربي‭ (‬تونس‭ ‬والمغرب‭ ‬والسنغال‭) ‬ضمن‭ ‬إنتاجات‭ ‬مشتركة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬عبر‭ ‬قسمي‭ ‬Panorama‭ ‬وForum،‭ ‬بوصفها‭ ‬شريكًا‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬خطاب‭ ‬سينمائي‭ ‬عالمي‭ ‬جديد‭ ‬لا‭ ‬تابعًا‭ ‬ولا‭ ‬هامشيًا،‭ ‬مبتعدة‭ ‬عن‭ ‬الخطاب‭ ‬التقريري،‭ ‬ومشتغلة‭ ‬على‭ ‬التفاصيل‭ ‬اليومية‭ ‬والعلاقة‭ ‬المعقدة‭ ‬بين‭ ‬الفرد‭ ‬والدولة‭ ‬وبين‭ ‬الجسد‭ ‬والتاريخ؛‭ ‬إنها‭ ‬سينما‭ ‬أقل‭ ‬صخبًا‭ ‬وأكثر‭ ‬عمقًا‭ ‬وثقة‭ ‬بلغتها‭ ‬الخاصة‭.‬

واللافت‭ ‬خلال‭ ‬مشاهدة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأفلام‭ ‬في‭ ‬عروض‭ ‬خاصة‭ ‬للصحفيين‭ ‬المعتمدين‭ (‬akkreditierte‭ ‬Journalisten‭) ‬قبل‭ ‬انطلاق‭ ‬المهرجان‭ ‬أن‭ ‬الإدارة‭ ‬لم‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬أفلام‭ ‬شعارات‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬أعمال‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬الخاص‭ ‬لتلامس‭ ‬العام‭ ‬ومن‭ ‬التجربة‭ ‬الفردية‭ ‬لتكشف‭ ‬البنية‭ ‬العميقة‭ ‬للواقع‭. ‬أفلام‭ ‬المسابقة‭ ‬الرسمية‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬تبدو‭ ‬مختبرًا‭ ‬للأسئلة‭ ‬الكبرى‭: ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬العائلة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬متحوّل؟‭ ‬كيف‭ ‬تُستعاد‭ ‬الذاكرة‭ ‬الفردية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬تاريخ‭ ‬جماعي‭ ‬عنيف؟‭ ‬وأين‭ ‬يقف‭ ‬الفرد‭ ‬أمام‭ ‬سلطة‭ ‬المجتمع‭ ‬أو‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬التكنولوجيا؟‭ ‬كما‭ ‬يبرز‭ ‬حضور‭ ‬أفلام‭ ‬الأنيميشن‭ ‬ضمن‭ ‬المسابقة،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬كسر‭ ‬الحواجز‭ ‬التقليدية‭ ‬بين‭ ‬‮«‬السينما‭ ‬الجادة‮»‬‭ ‬والأنواع‭ ‬الفنية‭ ‬الأخرى‭.‬

الأقسام‭ ‬الموازية‭ ‬للمهرجان،‭ ‬حيث‭ ‬تولد‭ ‬السينما‭ ‬القادمة،‭ ‬لا‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬الإجماع‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬الصدمة‭ ‬الفكرية‭ ‬وزعزعة‭ ‬المسلّمات‭ ‬الجمالية‭ ‬والسياسية‭ ‬السائدة‭. ‬ففي‭ ‬Panorama‭ ‬وForum‭ ‬تتجلى‭ ‬الروح‭ ‬السياسية‭ ‬للمهرجان‭ ‬بأوضح‭ ‬صورها‭ ‬عبر‭ ‬أفلام‭ ‬تتناول‭ ‬اللجوء‭ ‬والهجرة‭ ‬والهوية‭ ‬والعنف‭ ‬البنيوي‭ ‬وذاكرة‭ ‬الاستعمار،‭ ‬فيما‭ ‬يذهب‭ ‬قسم‭ ‬Generation‭ ‬إلى‭ ‬مخاطبة‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬بذكاء‭ ‬فني،‭ ‬ويظل‭ ‬Berlinale‭ ‬Shorts‭ ‬مؤشرًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬السينما‭ ‬وجرأتها‭.‬

تتولى‭ ‬لجنة‭ ‬تحكيم‭ ‬دولية‭ ‬مكوّنة‭ ‬من‭ ‬سبعة‭ ‬أسماء‭ ‬بارزة‭ ‬تقييم‭ ‬أفلام‭ ‬المسابقة‭ ‬الرسمية،‭ ‬برئاسة‭ ‬المخرج‭ ‬الألماني‭ ‬ويم‭ ‬فيندرز‭ ‬WIM‭ ‬WENDERS،‭ ‬وتضم‭: ‬باي‭ ‬دونا‭ (‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭) ‬ممثلة،‭ ‬مين‭ ‬بهادور‭ ‬بهام‭ (‬نيبال‭) ‬مخرجًا،‭ ‬هكاري‭ (‬اليابان‭) ‬مخرجة‭ ‬وكاتبة،‭ ‬رينالدو‭ ‬ماركوس‭ ‬غرين‭ (‬الولايات‭ ‬المتحدة‭) ‬مخرجًا،‭ ‬شيفندرا‭ ‬سينغ‭ ‬دنغاربور‭ (‬الهند‭) ‬مخرجًا‭ ‬ومنتجًا،‭ ‬وإيفا‭ ‬بوششينسكا‭ (‬بولندا‭) ‬منتجة‭.‬

ولا‭ ‬يكافئ‭ ‬‮«‬برليناله‮»‬‭ ‬عادة‭ ‬‮«‬أفضل‭ ‬فيلم‭ ‬تقنيًا‮»‬‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يكافئ‭ ‬الفيلم‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالًا‭ ‬إنسانيًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬راهنًا‭ ‬ويمتلك‭ ‬لغة‭ ‬سينمائية‭ ‬واضحة‭ ‬وغير‭ ‬تصالحية‭ ‬وينحاز‭ ‬إلى‭ ‬الهامش‭ ‬أو‭ ‬يعيد‭ ‬تعريف‭ ‬المركز‭. ‬لذلك‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يذهب‭ ‬الدب‭ ‬الذهبي‭ ‬لفيلم‭ ‬‮«‬موقف‮»‬،‭ ‬وجائزة‭ ‬الإخراج‭ ‬لفيلم‭ ‬‮«‬شكل‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬التمثيل‭ ‬للأداء‭ ‬المكثف‭ ‬غير‭ ‬الاستعراضي‭. ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭ ‬يبقى‭ ‬الرهان‭ ‬الحقيقي‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬على‭ ‬الفيلم‭ ‬الذي‭ ‬يوسّع‭ ‬أفق‭ ‬التفكير‭ ‬ويواجه‭ ‬الواقع‭ ‬دون‭ ‬تجميل‭ ‬ويستخدم‭ ‬السينما‭ ‬أداة‭ ‬وعي‭ ‬لا‭ ‬ملاذ‭ ‬هروب،‭ ‬فيلم‭ ‬يصعب‭ ‬تلخيصه‭ ‬لكنه‭ ‬يظل‭ ‬عالقًا‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭.‬

ولا‭ ‬يسهل‭ ‬التنبؤ‭ ‬بالجوائز،‭ ‬لأن‭ ‬‮«‬برليناله‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يكافئ‭ ‬‮«‬الأفضل‮»‬‭ ‬وفق‭ ‬معايير‭ ‬تقنية‭ ‬أو‭ ‬جماهيرية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬وفق‭ ‬منطق‭ ‬أخلاقي‭ ‬ـ‭ ‬سياسي‭ ‬وجمالي‭ ‬متشابك؛‭ ‬فالجوائز‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬تتويجًا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬تصريح‭ ‬موقف‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬يبرز‭ ‬فيلم **Yellow‭ ‬Letters**‭ ‬للمخرج‭ ‬إيلكر‭ ‬تشاتاك‭ ‬مرشحًا‭ ‬للدب‭ ‬الذهبي؛‭ ‬عمل‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الفن‭ ‬فعل‭ ‬مقاومة‭ ‬ويضع‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬السلطة‭ ‬عبر‭ ‬التفاصيل‭ ‬اليومية‭. ‬كما‭ ‬يبرز‭ ‬فيلم‭ ‬**Dao**‭ ‬لآلان‭ ‬غوميس‭ ‬مرشحًا‭ ‬لجائزة‭ ‬الإخراج‭ ‬لجرأته‭ ‬في‭ ‬اختبار‭ ‬اللغة‭ ‬السينمائية،‭ ‬فيما‭ ‬يقف‭ ‬فيلم‭ ‬**My‭ ‬Wife‭ ‬Cries**‭ ‬لأنجيلا‭ ‬شانيليك‭ ‬في‭ ‬مساحة‭ ‬جائزة‭ ‬لجنة‭ ‬التحكيم‭ ‬بوصفه‭ ‬سينما‭ ‬تأملية‭ ‬صارمة‭ ‬لا‭ ‬تسعى‭ ‬لإرضاء‭ ‬المتفرج‭.‬

بهذا‭ ‬التوزيع‭ ‬المحتمل‭ ‬لا‭ ‬يكافئ‭ ‬‮«‬برليناله‮»‬‭ ‬ثلاثة‭ ‬أفلام‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬ثلاث‭ ‬وظائف‭ ‬مختلفة‭ ‬للسينما‭: ‬مواجهة‭ ‬السلطة،‭ ‬إعادة‭ ‬اختراع‭ ‬اللغة،‭ ‬والإصرار‭ ‬على‭ ‬الصمت‭ ‬خيارًا‭ ‬جماليًا‭ ‬وأخلاقيًا‭.‬