السياسة الخارجية التركية ـ د. معمر فيصل خولي
تواجه ــ ولا تزال ــ السياسة الخارجية التركية انتقادات بأنها تمارس دوراً طائفياً سنياً اقليمياً فيما يتعلق بموقفها من الانتفاضة الشعبية ضد السلطة الحاكمة في سوريا. وقد تنوعت مستويات تلك الانتقادات، فعلى مستوى السلطة الحاكمة في سوريا، اتهمت تلك السياسة بالطائفية حيث وضح ذلك أرول جيجي، قادر أوستن في دراستهما المشتركة والموسومة بعنوان سياسة تركيا تجاه الأزمة السورية والمنشورة في مجلة رؤية تركية العدد الثالث، خريف 2012م ، اقتبس منها الآتي عندما اتخذت تركيا موقفاً حازماً ضد الأسد في أغسطس 2011، بدأ النظام السوري بشن حملة مغرضة ضد تركيا بتهمة تنفيذ أجندة العثمانيين الجدد، وأنها ألعوبة في يد الغرب، ورسم نظام الأسد صورة لتركيا وأنها تحاول التدخل في الشؤون العربية بجدول أعمال سني يمثل العثمانيين الجدد . وعلى المستوى الداخلي التركي، انتقد حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض السياسة الخارجية التركية ووصفها بالطائفية حيال ما يحدث في سوريا، وقد جاء ذلك الانتقاد، في سياق خبر بعنوان تدفق السوريين لتركيا يستفز طوائفها نشر على موقع الجزيرة على شبكة المعلومات الدولية الانترنت في 16 تشرين الأول عام 2012م، اقتبس منه الآتي انتقد حزب الشعب الجمهوري المعارض السياسة الخارجية لحزب العدلة والتنمية بالقول سياسة تركيا الخاصة بسوريا كجزء من طائفية زاحفة .
أما على مستوى بعض التحليلات السياسية العربية والغربية، فقد وصفت تلك التحليلات السياسة الخارجية التركية بالطائفية أيضا، فالنبسة للأولى ومنها على سبيل المثال، كتب الدكتور محمد نور الدين المتخصص في الشؤون التركية مقالاً تحت عنوان السياسة الخارجية التركية خلال عام انهيارات ورهانات نشر في صحيفة السفير اللبنانية بتاريخ 1كانون الثاني عام 2013م، اقتبس منه الآتي تصاعد النزعة المذهبية في الخطاب الرسمي التركي فيما يتعلق بالوضع السوري ، واتساقاً مع هذا التحليل كتب أيضا المتخصص في الشؤون التركية خورشيد دلي مقالاً تحت عنوان تركيا من صفر المشكلات الى الدور الحامي للسنة نشر في مجلة الوحدة الاسلامية بعدد حزيران عام 2012م، جاء فيه لا يخفى على المتابع للسياسة التركية في ظل التحولات الجارية حضور البعد السني في الدبلوماسية التركية بقوة أما بالنسبة للتحليلات الغربية، وتحت عنوان تركيا ليست شريكا في السلام كتب خليل كرافللي مقالاً نشر في مجلة فورين افيرز الأمريكية بتاريخ أيلول عام 2012م، حيث ورد فيه أن تركيا التي تحكمها حكومة سنية، تتعامل مع الصراع في سورية بصبغة طائفية، ولها علاقات وثيقة مع جماعة الاخوان المسلمين السنية في سورية، وتعادى بشكل صريح الأقلية العلوية التي ينتمي لها الرئيس السوري وأضاف أيضاً حيث أنها ــ أي الحكومة التركية ــ تصر على دعم السنة فقط في سورية، ولم تبذل أي محاولة للوصول الى المجتمعات الأخرى العرقية والطائفية في البلاد، كما انها تستخدم لغة طائفية عند الحديث عن العلويين والسنة في سورية . والسؤال الذي يطرح الآن، ما مدى البعد الطائفي في السياسة الخارجية تركيا حيال انتفاضة سوريا؟
على المستوى الرسمي رفض رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وصف سياسة حكومته الخارجية بالطائفية تجاه سوريا، قائلاً في احدى اجتماعات حزبه العدالة والتنمية أن الطائفية لم تشكل السياسة الخارجية التركية. ومعظم أولئك الذين سقطوا خلال الربيع العربي كانوا من السنة وهناك من بين الحكام المستبدين من هم من السنة . وعلى هذا التصريح نؤسس لنقول، ان أي متابع موضوعي لتطورات موقف السياسة الخارجية التركية من الانتفاضة في سوريا يلحظ أن موقفها، منذ اندلاعها في 15 اذار عام 2011م، وحتى دعوة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الرئيس بشار الأسد بالرحيل عن السلطة في نهاية شهر تشرين الأول من ذات العام، كان يتسم بالتدرج في اتخاذ القرار السياسي. لم تك تلك الدعوة محض افتراء، أو دعوة السلطان للوالي، وانما كانت نتيجة منهج القتل الذي اعتمد من قبل السلطة الحاكمة السورية في مواجهة المتظاهرين. فتأييد تركيا لمطالب المشروعة لأغلبية الشعب السوري، الذي يتحدر من الناحية الدينية الى الطائفة السنية لا يعني أن موقف تركيا موقفاً طائفياً من الانتفاضة، لأن التنوع الطائفي في سوريا وأن كان في غالبيته ذات طابع سني الا أن هذا التنوع ليس منتج السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية التركي، وانما هذا واقع المجتمع السوري منذ عدة قرون،كما أن المعارضة المسلحة السورية ذات الطابع السني التي تدعمها ليس منتجها أيضا، وانما جاء تشكيلها كرد فعل طبيعي للانتهاكات الانسانية الجسيمة التي كانت ــ ولاتزال ــ تمارسها السلطة الحاكمة في سوريا. فالنظر الى السياسة الخارجية التركية بوصفها أجندة طائفية يتطلب وجود أدلة على أنها تدعم فقط تلك الطائفة في سوريا، لكن الواقع مغاير لذلك، اذ طلبت حكومة العدالة والتنمية باصرار أن تتضمن المعارضة السياسية السورية جميع التكوينات الدينية كالعلوية والمسيحية، والأثينية كالأكراد عند اتخاذ القرارات الهامة.
لذا من غير الصواب النظر الى تركيا بحكم تكوينها الاجتماعي بشقيه، أولاً الديني العلويون، الأرمن، اليهود، السريان ، ثانياً، الاثني الأكراد، الروم أو الغجر، الدونمة، الجماعات القفقاسية والمهاجرين البلقان، العرب وطبيعتها العلمانية الكمالية على انها دولة سنية ، فاذا كان ثلثي مواطنيها من الطائفة السنية فهذا لا يعن انها دولة سنية . لذا يرفض حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا ان توصف سياسته حيال الانتفاضة السورية على أولويات طائفية، فهو يفتقر الى كل من التجربة التاريخية والروابط الفكرية للتكوينات الطائفية المتنوعة في سوريا، الا أنه من الصعب في ذات الوقت، في بيئة تشهد توترات طائفية كبيرة الافلات من تهمة جدول الأعمال السني . لذلك حذر وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو الجمهورية الاسلامية الايرانية من اشعال حرب باردة طائفية بالشرق الأوسط. فتركيا لا تنظر للصراع في سوريا على أنه صراعاً طائفياً يحسم بالاستقطاب الطائفي كما ترى في ذلك الجهورية الاسلامية الايرانية والمملكة العربية السعودية بل العكس منه، فهو من وجهة نظرها بين سلطة حاكمة شمولية قمعية وبين الأغلبية المضطهدة. فالرؤية التركية للدولة السورية في مرحلة ما بعد الرئيس بشار الأسد دولة ديمقراطية لا طائفية.
ونؤسس على ما تقدم، أن تبني الطائفية السياسية في مضمون السياسة خارجية لدولة ما، لا تبرز بشكل مفاجئ، وانما لابد لها من ممارسات مادية متكررة، لتثبت ذلك التوجه في تلك السياسة، وهذا ما لا يلحظ على السياسة الخارجية التركية لحزب العدالة والتنمية منذ مجيئه للسلطة في العام 2002م، والدليل على ذلك أن علاقات تركيا مع سوريا وايران، شهدت تقدماً ملموساً على المستوى الدبلوماسي والاقتصادي تقدماً ملموسا في ظل ذلك الحزب، دون أن يغيب عن بال القيادة التركية بأن السلطة الحاكمة في سوريا تنحدر من الطائفة العلوية، وأن الجمهورية الاسلامية في ايران تعتنق المذهب الجعفري الاثنى العشري ، فإذا كان البعد الطائفي حاضراً ومسيراً للسياسة الخارجية التركية في مرحلة ما قبل مشهد التغيير العربي الذي انطلق من تونس في كانون الاول عام 2010م، لتناقضت علاقاتها مع تلك الدولتان. لكن أن يبرز التناقض لاعتبارات استراتيجية وأخلاقية، في سياق الانتفاضة السورية مع تلك الدولتين، ويحاول البعض أن يغلف موقف السياسة الخارجية التركية منها بغلاف طائفي، مسألة تكاد تكون مفهومة. وعليه، فليس من مصلحة دولة كتركيا ذات أبعاد متنوعة لسياساتها الخارجية، شرق أوسطية، آسيوية، اسلامية،أطلسيه أوربية، غربية، أفريقية ، تسعى بجدٍ أن تكون دولة اقليمة كبرى مؤثرة في بيئتها الاقليمية والعالمية، وترجو استقبال الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية عام 2023م، وصادراتها وايرادتها تبلغ 500 مليار دولار أمريكي على حد سواء، وتنتهج نهجاً طائفياً في سياساتها الخارجية فذلك لا يعزز من فرص مكاسبها الاستراتيجية وانما يعمل على تقليصها.
باحث عربي.
AZP07
























