السلطوية الجديدة تقود إلى إحتلال الموصل
عصام فاهم العامري
صحيح ان العنف هو مضخة التاريخ الانساني اجمالا .. وصحيح أكثر من ان العنف سمة طبعت تاريخ العراق كله منذ الازل .. الا ان العنف الحاصل فيه الان ربما ينهي وجود العراق ، اذ انه مع تصاعد العنف اتسعت خطوط التصدع في كيان العراق وشعبه فيما يحرز تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” مزيداً من التقدم. وبينما تحاول حكومة المالكي باسم الاغلبية الشيعية في العراق ترسيخ أقدامها، فإن السنة في البلد يفقدون ثقتهم في الإبقاء على دولة واحدة، فيما يتطلع الأكراد إلى الاستقلال بدورهم. اذ تشي مرحلة ” ما بعد الموصل ” ، وبخلاف ” ما بعد بغداد 9 نيسان 2003 ” لما حكمت بلاد الرافدين بثنائية أميركية – إيرانية، هناك استقطاب رباعي يحكم ما سماه مسعود بارزاني ” عراقاً جديداً ” ، مختلفا عن عراق صدام حسين وعراق بول بريمر، من حيث إن الثنائية الاستقطابية بين واشنطن وطهران أصبحت رباعية بانضمام أنقرة والرياض.
غير ان عراق ما بعد صدام حسين غير منعزل عن عراق ما بعد الموصل ، اذ ان الجسر الواصل بين عراق ما بعد صدام حسين أفرز سلطوية مقنعة تحت مسميات ديمقراطية قادها رئيس الوزراء نوري المالكي وصولا لمرحلة ما بعد الموصل ، وتلك السلطوية الجديدة استعارت منهج صدام حسين وانشأت مرحلة ( فدائيي المالكي ) على غرار ( فدائيي صدام ) ،، ومثلما قادت مرحلة فدائيي صدام الى احتلاله في 9 نيسان 2003 ، فان مرحلة فدائيي المالكي قادت الى احتلال داعش للموصل في 9 حزيران 2014 .
هذا الادراك هو ما يتوصل له من يقرأ كتاب الباحث والخبير في الشؤون العراقية الاكاديمي البريطاني ( توبي دودج ) في كتابه المنشور في بداية عام 2013 والذي حمل عنوان (Iraq: From War to a New Authoritarianism ) .
ويحدد الاكاديمي البريطاني في الكتاب ثلاث مصادر من شأنها ان تزيد من العنف في العراق وتقوده الى الهاوية :
– المصدر الأول هو من دون أي شك السياسة الطائفية في العراق. تلك السياسة التي اسهم في تأجيجها السياسيون المنفيون لحوالي ثلاثة عقود خارج العراق والذين عادوا الى العراق بعد العام 2003 ، والذين استخدموا الهويات الطائفية والاتنية لتعبئة الجماهير للمشاركة في الانتخابات الأخيرة التي جرت في العام 2005 وفي كتابة الدستور والاستفتاء عليه .
– المصدر الثاني، هو انهيار الدولة العراقية في أعقاب الاحتلال . وليس المقصود بانهيار الدولة هو فقط انهيار وحل الجيش والقوى الأمنية وأجهزة الأمن والمخابرات وليس فقط طرد مسؤولي البعث السابقين من قطاعات الخدمة العامة والدولة فحسب ، انما تقطيع أوصال الدولة. فقد دُمّر 18 مبنى حكوميًا عراقيًا اساسيًا في عام 2008 وحده . وقد سرقت المواد المعدنية من داخلها لدرجة أن سعر الحديد المستعمل انخفض في تركيا وايران جارتي العراق بعد أعمال النهب والتصدير التي جرت ابتداءا من عام 2003.
– المصدر الثالث هو النظام السياسي الذي وُضع بعد العام 2003 . فقد وضع السياسيون العراقيون الذين كانوا منفيين سابقًا نظامًا سياسيًا بدعم من الولايات المتحدة استثنى عمدًا ليس فقط فئة كبيرة من السياسيين العراقيين ومنهم من كانوا على علاقة بالنظام السابق في محاولة لاعادة ترتيب السياسة العراقية ، وانما اكثر من ذلك رتب النظام السياسي على اسس محاصصة طائفية والغي بموجبه مفهوم المواطنة .
والتطور الاهم الذي يلفت الاهتمام له الاكاديمي البريطاني دودج هو المتعلق بالعودة للسياسة الامنية التي اعتمدها صدام من قبل رئيس الوزراء نوري المالكي بعد عام 2010 على اثر فوز القائمة العراقية في الانتخابات التي جرت ذلك العام ، اذ عمد المالكي الى تضخيم حجم المؤسسة العسكرية والامنية في البلاد حتى بلغ عددها ما يعادل 8 بالمئة من القوى العاملة في العراق واخضعها ليس فقط لسيطرته الشخصية وانما ايضا فرض عليها اجندته وحولها لتكون اداته في تحقيق اهدافه السياسية الخاصة . في الوقت الذي استعاد فيه المالكي الخطاب الطائفي لشحذ وتعبئة قاعدته الانتخابية ، في حين ابقى قدرة المؤسسات المدنية للعراقيين متراجعة ، وبحسب تقديرات الأمم المتحدة في العام 2011 ، 83 بالمئة من مياه الصرف في العراق تذهب دون معالجة و 25 بالمئة من العراقيين لا تتوافر لديهم مياه نظيفة. وفي العام 2011 قُدر أن كل بيت عراقي يحصل على معدل سبع ساعات ونصف من الكهرباء يوميًا، وقد لا يكون هذا بالأمر المهم شتاء لكن في الصيف يتحوّل العراق الى جحيم نظرا للطقس الحار ولموجات الجفاف التي تضربه في السنوات الأخيرة. لكن بالرغم من هذا كلّه، أنفقت الولايات المتحدة والحكومة العراقية 200 مليار دولار في محاولة لبناء مؤسسات الدولة العراقية ، اهدرت معظمها في اطار عمليات فساد منظم قوت منظومة السلطة والقابضين عليها .
وقد أحال دودج بناء جيش ومؤسسة امنية خاضعة لسلطة المالكي واجندته كان هدفه اخضاع او تصفية الخصوم ، ويشير بهذا الصدد الى كيفية تصفية عدد من قياديي القائمة العراقية مثل نائب الرئيس السابق طارق الهاشمي الذي حكم بالاعدام بتهم الارهاب ، وكذلك وزير المالية رافع العيساوي ومحاولة القبض عليه بتهم الارهاب ايضا .
واعتبر الاكاديمي البريطاني ان ممارساته ازاء منافسيه السياسيين ، لم تكن سوى مظاهر لما اسماه في الكتاب نشوء سلطوية جديدة يقودها نوري المالكي الذي عمد في ولايته الاولى حصر هيمنته على حزب الدعوة في شخصه، ثم قام باضعاف منافسيه الشيعة مثل التيار الصدري وكذلك تيار الحكيم ، ثم شرع في بناء مجموعة صغيرة من الأشخاص معظمهم من عائلته كإبنه وصهره وعينهم في المواقع الرئيسة في الدولة في محاولة للسيطرة على المؤسسات العراقية كافة. وقد نجح في ذلك نجاحًا باهرًا، وبخاصة أن منافسيه انشغلوا منذ العام 2010 في الصراع حول الطريقة الفضلى لتقويض سلطات المالكي. في تعبير آخر سعى المالكي الى تأليف دولة ظلّ، فقد عين ابنه أحمد المالكي في منصب المسؤول عن مكتب رئيس الوزراء ما جعله مسؤولا ليس عن أمن والده وحسب بل امتدت سلطته لتشمل الأمن في العراق ككل. وكان قبل ذلك n كما يشير دودج – أنشأ نوري المالكي مكتبا لمكافحة الارهاب لإدارة قوات العمليات الخاصة التي استخدمها وكأنها وحدات خاصة به حتى إن قسمًا من العراقيين أطلق عليها اسم ” فدائيي المالكي ” في أشارة الى ” فدائيي صدام ” والى الخوف الذي تثيره هذه القوات في قلوب العراقيين. وقد أعاد المالكي الكرّة مع الاستخبارات العراقية حين أقال القادة الذين دربتهم الولايات المتحدة واستبدلهم بموظفين من حزب الدعوة أو بمقربين منه. وفي ولايته الثانية ، كما يؤشر الاكاديمي البريطاني ، لم يعين وزراء للوزارات الامنية كما للمخابرات وبالتالي اخضعها لهيمنته المباشرة ، وبالتالي اضحى يطيح بكل محاولة من محاولات الحد من سلطته . سعى الى تسييس القضاء لاضعاف مؤسسات الدولة كافة. في كانون الثاني / يناير( 2011 ) ، أصدر رئيس مجلس القضاء الأعلى مدحت المحمود سلسلة من القرارات في شأن هيئات عراقية مستقلة شكلتها الادارة الاميركية لمراقبة السياسة العراقية، منها المفوضية العليا للانتخابات والبنك المركزي والمفوضية العليا لحقوق الانسان، وضعتها تحت أمرة المالكي.
وفي تشرين الأول أكتوبر( من العام 2010 ) ، وبعد حادثة العيساوي، اتُهم محافظ البنك المركزي العراقي المهني والمتخصص المعروف دوليا سنان الشبيبي مع نائبه بقضايا فساد. وقد غادر الشبيبي البلاد من دون أن يسمح له بدخولها مجددا والا يتم توقيفه، حتى أنه لم يعطَ الفرصة بالاجابة على هذه الاتهامات. وفي نيسان / أبريل( من العام 2012 ) ، أوقف رئيس المفوضية العليا للانتخابات الذي يلومه المالكي لخسارته الانتخابات في العام 2010 ووضع في السجن لمدة ثلاثة أيام بتهمة الفساد بمبلغ يقل عن الف دولار، وقد تلقى اتصا في اليوم التالي لدخوله السجن من رئيس الوزراء نوري المالكي الذي قال له إنه لا يد له في توقيفه وسجنه وإنه سيسعى جاهدًا الى اخلائه في محاولة لتصوير الافراج عنه على انه هدية من المالكي.
ويشير الاكاديمي البريطاني والتدريسي في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية ان السلطوية الجديدة للمالكي قد أدت الى تركز العنف في خمس محافظات هي بغداد وصلاح الدين وديالى والأنبار ونينوى ومن ضمن هذه المحافظات الخمس يتركز العنف تحديدا في الموصل وبغداد وبعقوبة والفلوجة والرمادي ، وما لم يقله دودج هو ان السلطوية الجديدة للمالكي وتركز العنف هو الذي قاد الى مرحلة ما بعد الموصل . وبالاجمال فان جذر العنف المتزايد هو سياسي ، وان استمرار ذات السياسات التي قادت الى تفاقم العنف واحتلال داعش الى الموصل واخواتها هي ذات التي ستقود الى زوال العراق وتفككه .


















