السرد الشهرزادي في رواية هسيس اليمام – اضواء – حسين القريشي

عندما يكتب الرجل بإحساس ومشاعر مرأة

السرد الشهرزادي في رواية هسيس اليمام – اضواء – حسين القريشي

نهضت الرواية العراقية اليوم على يد الصفوة من كتابها، إذ صارت تقرأ وتتنافس عليها دور النشر العربية وتنال الجوائز الكبرى، كذلك صارت فناً أدبياً يدرس ويترجم إلى اللغات العالمية كما أجريت حولها اليوم الكثير من القراءات والدراسات النقدية، الأكاديمية منها وغير الأكاديمية، وصار لها تراث ضخم نعتز به ونعاود قراءته من حين إلى آخر حتى أصبح لدينا ضرب من حمى تنتاب النقاد وكذلك الدارسين من طلبة الدراسات العليا فتستحوذ على اهتمامهم وأخذوا يستمدون منه موضوعات لرسائلهم وأطاريحهم وهذا في حد ذاته عامل شد وجذب لهذا الجنس الأدبي الذي له ملامحه الخاصة حتى شاع بين جمهور القراء والنقاد والأدباء بـ((أن هذا العصر ليس بعصر الشعر بل هو عصر الرواية)).

إن هذا الحكم باعتقادي وكما أكده بعضهم لم يطلق اعتباطاً ولا يحمل دلالات الانحياز والتأثر، بل أنه حكم موضوعي تؤكده الساحة الأدبية العربية والعراقية ودور النشر التي انتعشت أخيرا باصدار الكثير من الروايات العراقية والعربية على السواء.

اليوم يظهر في منجز السرد العراقي تنوعا كبيراً في الابداع السردي بكل أشكاله وتقنياته نجده يتجسد في أعمال كبيرة لدى بعض الكتاب، وما رواية (هسيس اليمام) إلا واحدة من هذه الأعمال الناضجة للروائي المتألق سعد سعيد الذي عاش فترة طويلة من النجاحات والتفوق والابداع إذ صدرت له ستة أعمال روائية هي على التوالي الدومينو 2007 وقال الأفعوان 2009 ويا حادي العيس 2010 وفيرجوالية 2012 وثلاث عشرة ليلة وليلة 2013 وهسيس اليمام 2015 فضلاً عن مجموعته القصصية كواليس القيامة الصادرة عام 2008.

وهو بهذه الأعمال الناضجة يعد أحد العلامات البارزة في الفن الروائي العربي ورقما مهما في الرواية العراقية، ذلك لأن أعماله تتسم بعبق الانسانية والتراث السردي وبنحو أكثر حداثة، وهو أيضا يؤسس لنفسه سيرة ابداعية مميزة متجددة الأشكال والأنماط وبتقانات مختلفة، فروايته (هسيس اليمام) مغايرة تماما لما ألفناه من روائع أعماله السابقة وأجد أنه يبحث عن متعة القارئ في كل أعماله فينقله من متعة إلى أخرى. ولعل هذه الرواية تعد واحدة من أعماله الروائية المفعمة بالمتعة والإقناع، واللافت للنظر أننا نعرف (ظاهرة الكتابة النسوية) ونعني بها كتابة المرأة للرواية، فكيف بنا برجل مثل سعد سعيد يكتب باحساس المرأة ويفوقها مشاعرا وبناء ووصفا للمواقف التي هي فيها أو لها.

باعتقادي أن هسيس اليمام هي أول رواية عراقية متكاملة كتبت بإحساس المرأة حتى الآن إذ حظيت باعجاب واسع من لدن النقاد والقراء انطلاقاً من الإمتاع السردي الذي عرف به أسلوبه عبر تناولاته المتجددة لأنواع السرد الذي لم يوفق به أكثر الروائيين العراقيين والعرب ابداعاً وشهرة، ولا أدري أين نضع هذه الرواية، أضمن فهرست الأدب النسوي أم الأدب الذكوري؟.

من الواضح جدا أن سعد سعيد قد نجح في استدراج القارئ وشده إلى الرواية من أول عبارة فيها (موتي يا موتي العزيز) على لسان حال (هديل) وفي الحقيقة هي بوح منها تخاطب وتنادي من خلالها (الموت) الذي داهمها بعد استفحال مرضها، اذ وجدت نفسها تستنجد به ليتركها وقتا إلى حين اللقاء حبا منها في البقاء في قيد الحياة لتقص عليه اسرارها وتقرأ مذكراتها التي لا يمكن كشفها لأي إنسان تبوحها له، فاختارت أن يكون لها كما على لسان حالها (سأتجاوز جميع البشر وأكتب لك لأنني أشعر بك كصديق أمين سأجده ينتظرني حتما يوم اللقاء). واللقاء هنا يحمل دلالة التأجيل لحتفها المحتوم الذي ينتظرها بعد حياة مليئة بالأسرار فتخاطب الموت وتقول (أنا لا أخطط للقائك قريباً إذ ما زال الطمع بمتع الحياة يمتلكني).

لقد وفق سعد في أن يجعل هديلاً تعيش بامان مع الموت الذي هو الملك الطاغي وهي الضحية اختارته لأنها ظلت تبحث عن عقل تحاوره لا أن تبث مشاعرها وأسرارها إلى إنسان بلا روح وإنما إلى كاتم أسرارها وتعني به الموت الذي يكتم اسرار الكثير من الناس، صديقها الذي لن يخذلها يوم اللقاء وهي بمثابة محاولة من الكاتب للجذب الشهرزادي للقارئ أو مسحة شهرزادية ممزوجة بعنصر التشويق السائد في الأعمال الكبيرة عن نسوة كن ضحايا لمجتمع متخلف.

وبهذا فقد وفق سعد في توظيف عنصر السرد والتشويق تأثراً بحكايات ألف ليلة وليلة، فشهرزاد استطاعت أن تنقذ حياتها بالعبارة التي تقول ((وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح)).

وواضح أن الموت ملك طاغ لا يرحم الناس وعنده ينتهي المصير الأسود مثل مصير العذارى عند شهريار الملك الطاغي الذي يأخذ بأرواحهن وهنا تكمن أوجه التشابه الفني من خلال استعارة تقنية البناء الحكائي المميزة في الرواية حيث تتابع وتولد الشخصيات وحكاياتهن التي تقوم عليها حكايات ألف ليلة وليلة وقد ينحاز السرد إلى الجانب الواقعي في الرواية برصد التفاصيل الدقيقة وتسجيلها بتوظيف المراسلات على الانترنت. فالتشابه هنا يتجسد في شخصية هديل إذ نجدها تأخذ دور شهرزاد لكي تؤجل موتها فتستعطف هذا الملك الطاغي الذي يتقمص دور شهريار إن صح التعبير ليكون رحوما بها فيمنحها الوقت الكافي ما يملأ رغبتها قبل موتها بكشف أسرارها إليه فتنطلق هديل بخطتها لتبوح لـ(موت) الذي يضعها أمام المصير المحتوم مثل الجلاد واقف ينتظر الضحية ولكن هديلا أخذت تقص عليه ما حدث لها بالضبط وبطريقة التناوب في السرد، فمرة تقص عليه أسرارها ومذكراتها، ومرة أخرى يقص الراوي العليم اسرار صديقاتها وبرأيي أنها محاولة ذكية جسدت إرادة الكاتب الواعية في أن يمنح شخصية هديل وصديقاتها أسرارا هي بمثابة فضائح من حياتهن هدفها جذب القارئ إلى الإقبال على عمله وقراءته حتى النهاية. وهنا وفق الكاتب في أن يجعل من كشف هذه السرار إحالات ضمنية بمثابة إدانة الواقع المعيش أو ربما استنكار ضمني مبطن للعلاقات الاجتماعية غير الشرعية المتخمة بالخطايا التي ظهرت بعد الاحتلال الأمريكي وأفرزته مرحلة التغيير، وباعتقادي أن ذلك نوع من التهكم على الأوضاع التي استشرت في حياة المجتمع.

ويقودنا سعد سعيد من خلال عمله إلى المزيد من المتعة التي نتحسسها من مواقف امتدت على طول الرواية وتجسدت في معظم شخصياتها وبخاصة شخصية هديل المحورية التي تلقي بكامل ظلالها وهيبتها على بقية شخصيات الرواية إذ هي التي تروي للموت أسرارها، وقصد سعد من ذلك جذب القارئ إلى عمله ومن ثم ليريه واقعا لا يغفل عن رؤية  النقائص والعيوب فيه ليهبط به إلى أديمه النابض برعشات الفساد والانحلال والانفلات في كل شيء والذي يهدد الأسرة والمجتمع على السواء.

لقد استطاع سعد سعيد أن ينقلنا من متعة إلى أخرى ومصدر هذه المتعة هو هديل، فما أن يدغدغ سمعنا بعباراتها وأصواتها التي تطلقها في مواقف الضعف حتى تعود إلى هديرها الهائج الرهيب حينما تتلاشى عند وطأة العنفوان الجسدي والمتعة الجامحة المرتبطة في أرض الواقع المر، فهو يحملنا باستمرار على ظهر أمواج صاخبة بالمتعة في مواقف مختلفة وغير مكررة لبت حاجات المتلقي في الإمتاع متجنبا أي خرق صريح للأذواق والتقاليد الأدبية المقبولة، إلا القليل منها.

فهديل هي الصوت المعبر عن ضحايا العلاقات غير الإنسانية في المجتمع الذي لا يرحم بالمرأة فيحاصرها من كل الجهات وكل شيء مهدد باقتحامها ويهدد عفتها وسعد سعيد كان صادقا بتصوير أنثى أو مجموعة من الإناث اللاتي وقعن في شرك الخطيئة بسبب تلك العلاقات المشبوهة وهذا التناول ليس تجريحا للمجتمع بل هو كشف غير مقصود للذات والحالة الاجتماعية المفككة لبعض أسر المجتمع ولذلك يمكن هنا أن نجعله عالما خاصا في مخيلة سعد واني أظن أنه يتوقع منا أن نقتنع أنه عالم المتعة لا غير أو عالم مبتلى بالشعور بالأثم والإحباط والخطيئة والخيبة وذلك لأن المرأة اليوم في عالم الاختلاط تعوزها العفة ويسهل انتهاكها، من هنا تنشأ المشكلة الأخلاقية في أن يكون مكانها في البيت، وحتى البيت اليوم قد انتهك في ظل انحسار الوازع الديني ونتيجة للتطور التكنولوجي الذي اخترع لنا الانترنيت فأقتحم البيوت من أبوابها وجعل المرأة أو الفتاة تتصل بحرية وسرية مع الرجل.

حقيقة لقد أتحفنا سعد سعيد برواية اعتمدت على لغة سردية متدفقة في إطار نسيج روائي ممتع ومميز وبقدرة رائعة على المزج بين العامي والفصحى وظف فيها عناصر المتعة والشد من خلال تناول موضوعات أكثر إمتاعا وبخاصة الكشف عن أسرار النساء وفضائحهن أو مغامراتهن وعن اللعبة الجنسية والمواقف الغرامية التي لم يجرؤ الكثير من الكتاب على توظيفها في كتاباتهم وإن اشاروا إليها فبنحو سطحي، إذ غالبا ما يتوجسون خيفة منها ويتحرجون من تناولها لأسباب عديدة منها: ضعف في مخيلتهم في تصوير المواقف الجنسية والغرامية بصورة لا تخدش الذهن، أو بسبب تخوفهم من الوقوع في شراك محاسبة المجتمع لهم، أو بسبب التزامهم الخط الأخلاقي والديني في حياتهم.

لذلك استطاع سعد سعيد أن ينتقي الكلمات المناسبة لهذه المواقف بحيث لا تثير فينا مشاعر الاحتجاج والاشمئزاز فهو أفضل من صور هذه المواقف بلغة ممتعة بعيدة عن الابتذال، وحقيقة اليوم أصبح تناول مثل هذه المواقف في الرواية عامة بمثابة الوقوف على الأطلال كما في القصيدة العربية القديمة.

حقا لقد امتازت هذه الرواية بريادتها وجرأتها في آن واحد في طرح موضوعات محرمة وبخاصة التي تتناول المرأة موضوعا لها، إذ يتم تناولها بحذر شديد الحساسية في المجتمع لأنه اشبه بالمسكوت عنه، وأقول أن سعد سعيد بعمله هذا يعد أفضل من كتب بإحساس المرأة حتى الآن إذ استطاع تحليل نفسيتها والتعرف على دواخلها النفسية ونقاط ضعفها ما جعل الرواية تتوهج موضوعة وتقنية وسردا.

وتكتمل العبرة من الرواية من خلال النهاية، إذ نجد  أن الموت الذي كانت تخاطبه هديل قد جاءها بشخصية (حيان) حين قال لها:

(- صدقيني هي الحقيقة العظمى، الموت مكمل الحياة ومن  دونه لن تكتمل الدورة.

فلم تنبس ببنت شفة، فقال وهو يركز على كل حرف ينطقه:

– هو الحين يا هديل.

– أي حين يا حيان؟)

فحيان هنا يقصد الأجل المحتوم وهي تتجاهل ذلك إذ لم يوافقها في الذهاب إلى الصيدلية التي تعمل فيها وإنما طلب منها السير معه حتى نهاية الشارع، وهنا يحيل الكاتب القارئ إلى نهاية تتعدد فيها التأويلات والقراءات، ونهاية الشارع إما هي النهاية المحتومة لهديل إلى عالم البرزخ أو بداية حياة جديدة كما يقول حيان: (أو أبعد بقليل).